علي رشيد
يمتلك الفنان الايطالي باولو سيستلي paolo sistilli (1950) القدرة علي اختزال العناصر في العمل الفني من خلال تجريد اللوحة و تفعيل الجزء ليكون مصدرا لقراءة الكل، مستنفدا شرط العلاقة بين المادة وأبعادها التخيلية، فكثيرا ما يقودنا عمله الي التفرس بأدق التفاصيل وأبسطها، لأنها قد تكون طلسم العمل ورهان النكوص إلي ما لا يري من الدلالات وتحفيز المخيلة علي ترسيم الأثر وبلوغ الخطاب.
وبمنحي تتابعي يصوغ الفنان أشكاله المبهمة، فيما يختزل الكتلة ببعدها الفيزيائي، فالكتلة عنده هي الهامش وليس الفعل كما تنص عليها المفاهيم، وهي السطح بتدرجاته الممغنطة، وهي المفردة بإيحائها البصري ورمزها البياني. لذلك فهو يعيد صياغة الكتلة بمقاربة بصرية تشدنا للبحث عن الغائب من العناصر، والغائر من الأشكال، والمموه من الخطوط.
يتخذ الفنان من الحرف نزوعا فلسفيا لبلوغ حدود التدوين أو البوح الذي سيشارك به الآخر من خلال التفاعل مع قيمة الحرف بصريا، أو من خلال الهاجس (الذي يتيحه شكل الحرف) الذي يمثل البديهية التي تغني فعل المبدع وتقر بماهية العمل لديه. فهو يستدرج الحرف الي كيان هندسي، ويمنحه صفة تعبيرية بنائية، لكن الهندسة التي يتشكل فيها الحرف ليست شائكة، الهندسة هنا ضرب من الحلم والدهشة والتوق نحو قراءة العبارة بمفهومها الديناميكي، إنها الشحنة التي تمنح الحرف بعده التأملي في هذا الجدل البصري الذي تحيلنا له اللوحة الضاجة بالدلالة، وبالصياغة البصرية المموهة.
بخطاب تأملي يمنح الفنان اللوحة بعدا وجوديا، فالزمان في اللوحة ينحو نحو أزلية تفتعل حراكها للتعبيرعن التوحد ما بين عالم قائم مشبع بالسرد والتكهنات، وعالم متخيل ملتبس السطوح والاشكال والمفردات، فهو يهب الزمان دلالتة وكذلك يستدرج المكان الي سعة تأملية، وبين هذا وذاك تتوزع الأشكال كعناصر اساسية في تفعيل الحركة وتأصيل ديناميكية سردية بصرية تستمد بنيتها من إظهار القيمة الصوفية للانحناءات التي تشكلها الدوائر وتداخلها مع العلاقات اللونية وتناغماتها. كذلك يلعب النسيج الذي تتيحه الخطوط والإشارات والرموز وتلقائيتها دورا في الاشارة الي الخصائص البصرية لهذه الدلالة الغنية بزهدها والمنظورة بحدس اليقين. ففي الوقت الذي يشكل فيه الفنان باولو سيستلي حروفه المصاغة بأشكال هندسية (دراسته المبكرة للعمارة وكذلك معالجة الاعمال الفنية) تأخذ هذه الحروف المرسومة منحي اختزاليا، لتبني أفقها الجمالي ولتحدد انساق النظر وترسم بلاغتها المبتكرة سطوحا متعددة. ابتكر الفنان فيها أشكاله وخطوطه المتداخلة، ثم يغطي هذه الكتلة ومحيطها بلون ساكن يتدرج بين الابيض والرصاصي وكأنه زاهد يحاول أن يخفي تعاويذه ويبتلع بوحه. مستبعدا اللون كعنصر تزييني، فالاستخدام اللوني هو لاعادة بناء السطح، وتفسير حدوده وعلاقته بالعناصر والدلالات التي سيتشربها وليس لتزويقه. لذا فهو يستدرجنا إلي المتاهة اللذيذة التي يولدها الفضاء الذي أحالته سكونية اللون الأبيض أو الرصاصي الي طلسم. فالفنان يحاول أن يهشم البناء العام للوحة ليعطي الشكل شحنته التعبيرية، و يعيد صياغتة بايقاع بصري / صوتي. فاللون يسعي للاختزال والاستعارة وتكثيف البنية السردية من خلال تشكيل متاهة بصرية تقودنا بالضد من المعني الذي يحيلنا له الشكل، حيث المتاهة هنا نوع من التأمل وسعة الاحتمال. إذن هي لعبة بصرية، يقود الفنان المتلقي لفك طلاسمها وقراءة بيانها وتحرير أشكالها. فهو يضع المتلقي في رحم هذه المغامرة ليمنحه دورا سجاليا، مستعيرا الأثر، أو من خلال استنطاقه للدلالة نزوعا الي ما يمكن تسميته اللاشكل، متجاوزا البعد التشخيصي الي بعد تعبيري مجرد، مختزلا العنصر الانشائي الي موتيفات وحفوريات تتناثر في فضاء اللوحة المعالج بطريقة مختلفة، حيث يصوغ مساحاته بتقنية تحقق تأثيرا مركبا إزاء البنية السردية للمساحات اللونية المتماثلة من خلال معالجته الفعّالة للتفاصيل المتداخلة وتوزيع الثقل البصري في اللوحة الي فضاءات مموهة، مستحضرا الشبه أو ما يعلله، ليتماهي مع الطقس العام للوحة كمنظور تأملي، وليخرج من يقين الصورة الي يقين الحدس، عندها سنخرج من هذا البياض الذي يفصح عما نهوي ونبتغي ونصبو، وهو اللحاق بسر نشخصه نحن لا كما يرسمه الفضاء العالق بين الشكل وغيابه، أو بين المرسوم والممحي، أو بين الحرف وحرفته البصرية. الضوء الذي يولده اللون داخل العمل له آليته الموحية، فبقدر دوره الفاعل في تجسيد المحتوي الزماني من خلال المساقط التي يفرزها فوق السطح، والتي تشير الي اللحظة الفاعلة في العمل، فهو يمنح العمل أيضا السعة المعرفية من خلال التعاطي مع خصوصية الحيز الحركي الذي يتيحه الزمن في اللوحة، وتفعيل الإيحاء بالتداخل بين ما هو ملموس ومرئي وما هو موحٍ مشكل بالحواس ويمكن مقايسته بالاشارات والعناصر المصاغة بوحي مما لا يمكن رؤيته. لذلك فالعمل له قراءات متعددة تنقاد لحساسية المتلقي ومزاجه وخزينه المعرفي وكذلك لعامل الزمن، فيمكن أن نتلمس في كل مرة قراءة ودلائل مغايرة للأولي لأن العمل يستمد ديموميته من شمولية التأويل الذي تتيحه الاشارة، مما يعطي الفرصة لتخيل كوامن الأشكال وسيرة النص الذي لم تبصره العين إلا لتشكله بما يسرد هذا المحو في صور وإحالات تتحشد في المخيلة، فالازاحة هنا هي افتراض لليقين، واستعارة للمقامة التي سترشدنا الي بنية العمل. وبهذا التناص يتركب المشهد في لوحة الفنان بحيادية، تدفعنا الي الغوص داخل العمل والبحث عن رموزه ودلالاته و المشاركة في تفعيل هذا السمات البصرية التي يعالجها الفنان بإيحاءات وطلاسم تبتكرها السطوح وتحولاتها التي تكرر المشهد ولكن بنحو مغاير لما تلقفته العين من المشاهدة الأولي. يتحكم الفنان بوسائله التي تشكل الفضاء المفترض في العمل الفني، فالفضاء لديه هو نوع من التحايل علي السطح وتنظيم العلاقة بين السطح والمفردات التي تتشكل بعفوية. كذلك فهو يسعي إلي إبراز خصوصية اللعبة البصرية التي ينشد من خلالها فرصة التأمل. فهو يتخذ من اللون سعته الدلالية، مستثمرا مساحة الضوء التي يهبها اللون لينسج فضاءه السرمدي، وليراكم البني التجريدية بمهارة العارف بسعة هذا الفضاء وتحولاته الذي تولده الرؤية وليس حدود العمل. فالفضاء عند باولو ليس فضاء اللوحة فحسب بل هو الفضاء الخارج من حدود العمل والمتلازم مع فضاء المكان.
كاتب من العراق