مع القنوات الفضائية الاسلامية : الامة وثقافة الحوار

حجم الخط
0

د. احمد محمد الدغشي

يسرّ المرء لظاهرة القنوات الاسلامية وتكاثرها، ويعدّ ذلك واحدة من مظاهر الصحوة الاسلامية المباركة، بيد ان مشكلة الاندفاعة الاولي تستلزم جهدا موازياً في الترشيد والمناصحة، مع ادراكنا ان بعض القائمين علي بعض تلك القنوات قد لا يعيرون مثل تلك المناصحة شيئا يذكر، خاصة اذا وردت من خارج اطارهم المدرسي. ولكن ستظل النصيحة هي الاسلوب الامثل مهما بلغت درجة اليقين والتعالي علي النصح لدي بعضهم.

ويقتضي منهج الحديث هاهنا التفصيل لا التعميم والتحديد لا الايماء لان المناقشة ستتجه نحو اوجه الخلل التي يعتقد كاتب هذه السطور انها حريّة بالتامّل والحوار في واحدة من هذه القنوات وتسمي قناة (الامة) التي تبث برامجها من الشقيقة مصر بتمويل خارجي واضح شانها شان العديد من زميلاتها علي الطريقة الاسلامية او سواها ولا شك ان لذلك اثره السلبي او الايجابي بحسب وجهة جهة التمويل. ابرز عنوان فيها غدا برنامجا مميّزا يسمّي (ثقافة الحوار)، وهو البرنامج المديد الذي يتولاه مدير عام القناة السيد الفاضل ابو اسلام احمد عبد الله والموصوف بـ(الكاتب والصحافي)، حيث يخصصه لمناقشة (الكتب المقدّسة) لدي المسيحية، وما يتعلّق بها، واوجه الخلاف المشتهرة بينها وبين الاسلام، علي نحو من التفنيد والنقض والادانة! وهو امر اعتقد انه ـ مهما يكن له من مسوّغات في ظروف معيّنة ـ الا انه غير ذي جدوي في الظروف الراهنة، ان لم يات بنتائج عكسية سلبية، من حيث انه لا يشكّل اولوية دينية او وطنية او قومية، لاسيما في بلد تمثل فيه المسيحية نسبة حريّة بالتقارب معها في المشترك، وترك المختلف الي الباري تعالي ليفصل فيه يوم الحساب، مصداقاً لقول الحق ـ تعالي ـ (ان الذين آمنوا والذين هادوا والصائبين والنصاري والمجوس والذين اشركوا ان الله يفصل بينهم يوم القيامة ان الله علي كل شيء شهيد) (الحج:17)، والا فلِمَ جاءت احكام اهل الذمة؟ وهل معتقدات اهل الكتاب (يهودا كانوا ام نصاري) جديدة تستدعي المناظرة والانشغال علي هذا النحو؟ الي حدّ تخصيص اكبر برامج القناة لهذه الغاية، وللاسف فان (موضة) (ثقافة الحوار) هي (الاكليشة) الجاهزة لكل مسلك!! ولكن المفاجاة الاكثر تدهشك (علي سبيل المثال: صبيحة الجمعة 24/8/2007م بداية من التاسعة والنصف الي نحو الحادية عشرة، ثم ما بعدها حلقات تلو حلقات وان اتخذت موضوعات مختلفة في الاطار نفسه) اذ تتابع لساعات حديثا يتخّذ منحي آخر غير مناقشة الفكر الي الاتهام الجماعي التعميمي المطلق الصريح لكل الذين يدينون بالنصرانية في مصر بوصفهم اول من اتي بالخمور، والدعارة والدخان ونوادي الروتاري (الماسونية)، وان افتتاح ناديه (الروتاري) في فندق (شيبر هوتيل) بالقاهرة تم علي ايد مسيحية كلّها، ثم استدرك ـ كانا استفاق من غيبوبة ـ فاستثني (اثنين او ثلاثة). والعجيب انه اورد في السياق نفسه ان اولّ من ترجم (دستور) الماسونية هو عميد (الاسي العربي) ـ علي حدّ وصف مدير عام القناة ـ الدكتور طه حسين. ولا ندري هل اصبح طه حسين مسيحيا كي يستقيم السياق التعميمي دونما خلل قاتل!

ولم يفته ان يورد تسجيلات بعضها مبهم وبعضها صريح لبعض رجال الكنيسة في مصر حاصل قدر منه تصريحات تؤكِّد التمسّك الشديد بالمسيحية! موحيا الي المشاهد بان ذلك دليل ادانة للمسيحية كلّها، مع انه لو سال نفسه هل يمكن ان يُستنتج من انشودة برنامجه في مبتدئه ومنتهاه الاستنتاج نفسه؟ وهل فيه ما يعيب شخصه او دينه او برنامجه حين تردّد الانشودة الحماسية ببيت واحد فقط مثل:

اعتز بديني واسلامي بنبي الله وقرآني لكل شهيد قد ضحّي وتسربل بالدّم القانياما الجزء الآخر من التصريحات التي فيها ايذاء حقيقي لمشاعر عامّة المسيحيين فهي تلك التعميمات المتطرّفة التي تجعل وزر بعض غلاتهم يتحمّل جريرته جميعهم، حيث يحرص السيّد ابو اسلام ـ وتلك ابرز ملامح خطابه بهذا السياق ـ علي تصويرها معبِّرة عن جميع المسيحيين بشتي طوائفهم. الم يسال ابو اسلام نفسه: الا يوجد فينا ـ نحن المسلمين ـ من يدعو الي ابادة غيرنا من اصحاب الديانات ان لم يسلِموا او يسلِموا او يستعبَدُوا علي نحو او آخر؟: وهل سنزيد علي القول ذاك خطاب لا يمثِّل جمهور المسلمين؟ الاسئلة الاكثر حيرة: لمصلحة من تقسيم الصف الوطني المصري علي هذا النحو؟ وما مدلول صمت الجهات الرسمية هناك عن هذا المسار؟ وما هذا المنطق التعميمي العجيب الذي لا يجد من يردعه او يوقفه عند حدّه من علماء الامّة ومفكريها؟ ومهما حاول السيد ابو اسلام ان يستدرك او يستثني بصورة غير علمية ولا منطقية ولا مسوّغ شرعيا لها بعد ان جزم وقطع واطلق، فانه لا يزيد الامر الا مزيدا من الاستغراب والحيرة!

باحث من اليمن[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية