العمليات القوية خلف الكواليس والصمت الذي يُعبر عن القوة خلافا للتبجح كما حدث إبان حرب لبنان وقبلها
دعكم من المنجمين في المقاهي والقارئين بالكف والورق. من يريد أن يعرف صورة المستقبل في السنة الجديدة عليه أن يتابع لغة جسد ايهود باراك. لدي وزير الدفاع قدرات علوية بعض الشيء في إظهار اللفتات والاشارات الجسدية التي يتبين في وقت لاحق انها مؤشر لما سيحدث: تزاحمه مع ياسر عرفات أمام بوابة غرفة الاجتماعات في كامب ديفيد نبأ بالانتفاضة الوشيكة، اختطاف الميكروفون في حزب العمل نبأ بسيطرته علي هذا الحزب. وماذا مع هذه المرة؟ في هذه المرة ظهر باراك وهو يضع اصبعه علي شفتيه في اشارة إسكات. ماذا يعني ذلك؟ سنفهم في وقت لاحق.
وعموما، التمعن بالقيادة الاسرائيلية في السنوات الاخيرة يثير الشكوك بأنها تمر في طور التغير والطفرة من نوع المجريات التي تمر علي المشهورين في مجال كرة السلة في الآونة الأخيرة: اذا كان قادتنا في عهد ارييل شارون قد رفعوا شعار ضبط النفس هو قوة فالآن ينتقلون الي شعار القوة في الصمت.
وكالعادة، الطريق نحو هذا التبصر لم يكن سهلا: كانت فيه انسحابات وأخطاء كثيرة وصعبة، علي سبيل المثال في حرب لبنان التي رُكل فيها ضبط النفس والصمت في كافة الاتجاهات، ولكن الصمت يلف في هذا العام كل شيء. علي الأقل من ناحية واحدة توصلنا الي توازن للرعب مع سورية: الغموض بصدد ما الذي يريده الأسد يتساوي مع الغموض بصدد قضية ما الذي يريده قادة اسرائيل أنفسهم.
وبالفعل، يبدو ان اسرائيل تخشي من نفسها ومن رد فعلها إثر عملية أكبر من كل التسلح السوري الايراني معا. الجميع يوافقون علي أن هذا سيكون ردا يلتهم كافة الأوراق، وخصوصا أوراقنا نحن. هذا خوف مبرر يصعب توضيحه منطقيا، لذلك كان الصمت ملائما له.
علي أية حال، اذا كان موسم الأعياد في السابق مزدحما بالمحاسبة الذاتية والآمال العالية أو المخاوف من المستقبل، فقد وجدنا أنفسنا في هذه السنة أمام إبهام وتعتيم كامل قاتل بعض الشيء: ايضا المخاوف من الحرب في الصيف التي لا تأتي والآمال المعلقة علي قمة الخريف في واشنطن، تتلاشي من دون أماني. في هذه الأجواء الحافلة بالتعتيم الارادي يبدو الغاء رئيس الوزراء ووزير الدفاع لمقابلات الأعياد نتيجة مطلوبة تقريبا. كما أن الناطقين بلسان رئيس هيئة الاركان اعتقدوا علي ما يبدو بأن صورة ابتسامة عريضة في احتفال عسكري برأس السنة ستكون تصريحا أكثر فعالية من أي مقابلة. ولكن ما هو هذا التصريح؟.
من اجل ان نبدأ بفهم روح الفترة قد يتوجب علينا أن نعود سنوات للوراء، الي حرب الاستنزاف، التي ألقي موشيه دايان في خضمها خطابه الشهير والذي تلا فيه آيات توراتية لا تخف يا عبدي يعقوب.
الكثيرون شعروا بالصدمة حينئذ من عبارة الصراع المتواصل التي قالها دايان بعد عامين من انتصار حرب حزيران (يونيو) الأكبر. وبالفعل، خلال السنوات التي مرت منذئذ شهدنا حروبا واتفاقات سلام وبحرا من الارهاب وانسحابات أحادية الجانب ـ الا ان الأمل بالراحة لم يتلاش بالمرة، ولم تغب الأماني ان لم يكن بالسلام الكامل فعلي الأقل بنوع من التسوية التي تخفف التوتر.
عودة باراك الي وزارة الدفاع أكثر ملموسية مما يبدو: هو يتراسل من ناحية معينة مع فترة ديان سواء كرئيس هيئة اركان أو كوزير للدفاع: من خلال الشجاعة الشخصية، وكذلك من خلال روح المغامرة والتشاؤم. من الآن سنشهد اذا الكثير من العمليات الغامضة التي يليق بها الصمت، والكثير من الشقاوة والحيل التي تبعث علي الانفعال، الكثير من الاثارة وعمليات الاختطاف والاختطاف المضاد وعمليات الانتقام والانتقام المضاد في المقابل. احيانا سيكون الامر مفرحا واحيانا اخري سيكون مؤلما. ولكن هكذا تبدو الحياة علي حد السيوف، اذا أردتم.
والسلام؟ كما سيدلل أتباع الطراز الجديد من القيادة والمتزاحمون في مطار بن غوريون والمجمعات التجارية في الأعياد ـ السلام موجود في داخلنا. هو هنــاك فقط. وماذا يحدث في الخارج؟ يد علي الفم وصمت مطبق. لا تُفسدوا لنا العملية. فأنتم حتي لا تريدون أن تعرفوا.
دورون روزنبلومكاتب في الصحيفة(هآرتس) 12/9/2007