د. يوسف نور عوض
لا أريد أن أتعرض للأكاذيب التي ساقتها الولايات المتحدة من أجل تبرير حربها علي العراق، فقد أصبح ذلك معلوما بل ومقبولا عند بعض الأطراف المؤثرة في السياسة الدولية، ولكني أتوقف بكل تأكيد عند زعم الولايات المتحدة بأنها انطلقت من استراتيجية تستهدف دمقرطة العراق وتقديمه أنموذجا تقتدي به دول المنطقة.
ولم يتورع الرئيس جورج بوش في مرات كثيرة من الإشارة إلي النظام القائم في العراق علي أنه نظام ديمقراطي ودستوري، وغير تلك من الصفات التي ربما لا يشاركه فيها الكثيرون، ولكن هذا الواقع المأسوي فضحه القائد السابق للجيش البريطاني مايك جاكسون الذي قال إن الولايات المتحدة لم تمتلك استراتيجية سياسية لما بعد غزوها للعراق ووصف واشنطن بالإفلاس الثقافي كما حمل المسؤولية في كل ما يجري في العراق لوزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رمسفيلد الذي قال إنه أصر علي أن ليس من مهمة الجيش الأمريكي أن يبني الدول وهو تصريح يتناقض مع سائر المنطلقات الأمريكية في العراق.
ويستوقفني في ما قاله مايك جاكسون وصفه الولايات المتحدة بالإفلاس الثقافي وهو وصف قد يخفي أمورا أخري تتحكم في السياسة الأمريكية، ذلك أن الولايات المتحدة لم تنطلق نحو العراق لتحقق الأهداف المعلنة، بل كانت هناك دائما الأيدي الخفية التي تحرك سياستها وقد لا تكون هذه الأيدي تعمل لصالح الولايات المتحدة بكون علاقات واشنطن مع دول المنطقة وخاصة مصر والمملكة العربية السعودية ظلت جيدة وهي علاقات لا تحتاج إلي حروب من أجل حماية المصالح الأمريكية، أما التي تحتاج إلي الحروب فهي إسرائيل التي تري مصالحها في تدمير جميع القوي العربية وخلق حالة من الفوضي في البلاد التي تؤثر علي أمنها، وذلك هو السر وراء حرب العراق برمتها. والغريب أن الولايات المتحدة لم تبذل اي جهد من أجل التنبه إلي مصالحها الحقيقية بل إنها وقعت في أخطاء تبرر لمايك جاكسون ما قاله في ما يتعلق بجهلها الثقافي، لأن الحقيقة التي يعرفها الكثيرون هي أن السنة والشيعة ظلوا يتعايشون مع بعضهم بعضا في العراق عبر مئات السنين ولم تكن بينهم نزاعات، بل ظلت كثير من الأسر منقسمة بين شيعة وسنة بسبب الزواج المختلط ولم يكن ذلك يثير حساسيات في المنطقة إلا أن الولايات المتحدة التي جاءت إليها وظنت أنها بتمكينها للشيعة يمكن أن تقضي علي حزب البعث ارتكبت الخطأ القاتل بفتح جبهة صراع مع إيران دون إدراك للعلاقات الوثيقة التي تربط شيعة العراق بإيران التي تدين بالمذهب الشيعي وتعتبر الحامية الأساسية له. ولم يستطع أحد أن يتبين كيف أن الولايات المتحدة تريد نفوذا شيعيا في العراق وفي نفس الوقت تريد أن تقف موقفا معاديا لإيران، بل لعله من دواعي السخرية أنها بدأت ـ أخيرا ـ تدعم التيارات السنية بدعوي أنها هي التي تقف ضد إرهاب القاعدة، وبالتالي فإنها تسهم في ما تسميه واشنطن الحرب علي الإرهاب.
ولسنا في هذه المرحلة بصدد التوقف عند مواقف الدول العربية أو الجامعة العربية من هذا الفصل المأسوي الذي أدي إلي مقتل نحو مليون عراقي وشرد الملايين في الدول المجاورة وفي داخل العراق لأن مواقف هذه الدول تدعو إلي الإحباط وهو ما يدعونا إلي أن نتجاوزها مؤقتا حتي نري كيف أن السياسة الإسرائيلية المعصوبة العينين هي التي تقف وراء هذه المآسي بكونها لم تدرك أن خير حل لأزمتها مع الشعب الفلسطيني هو قبول ما هو معروض عليها في الوقت الحاضر وليس انتظار مزيد من التدهور في المنطقة العربية من أجل تحقيق مزيد من المكاسب، ذلك أن ما يعطي الأمل لإسرائيل لا يعدو أن يكون سرابا خادعا ستبدده الأيام وذلك حين يستعيد العرب عافيتهم ويدركون أنهم قادرون علي الصمود في وجه إسرائيل ومن يقف خلفها. وذلك ما تخشاه بعض الدوائر الغربية، وقد تنبهت لذلك صحيفة التايمز التي نشرت في الأسبوع الماضي كلاما نسبته إلي دوائر عسكرية بريطانية تري أن حرب العراق وأفغانستان تعتبران من الحروب الإستراتيجية لمستقبل الغرب في علاقاته الدولية بكون الهزيمة في أي من البلدين ستوجه رسالة إلي العالم بأسره بان القوة العسكرية والإمكانات المادية لن تكون وحدها كافية لضمان تحقيق الاستراتيجيات الغربية في أنحاء العالم المختلفة، ولكن تحذيرات صحيفة الغارديان لم تحل دون قرار القوات البريطانية الانسحاب من منطقة القصور الرئاسية آخر معاقلها في داخل مدينة البصرة والتمركز في منطقة المطار تمهيدا للمرحلة النهائية وهي مرحلة الانسحاب الكلي من العراق. وهو الإنسحاب الذي تراوحت المواقف في تقويمه إذ بينما اعتبرته بعض المقالات في الصحف البريطانية هزيمة في العراق رأت فيه بعض الصحف مرحلة منطقية بعد أن تحسنت الأحوال في المنطقة، ولكن من أجمل الأوصاف لما حدث ما ورد في مقال مارتن بل في صحيفة الغارديان حيث قال في إشارة إلي رئيس الوزراء السابق توني بلير بأنه رفض السلوك الباروني وآثر السلوك البونابارتي ـ في إشارة إلي نابليون بونابارت ـ وهكذا سار سير الفرسان إلي العالم الخارجي ليواجه مصيره في ووتر لو التي هي في هذه المرة العراق. ولم يقتصر الكتاب البريطانيون علي ذلك بل طالبوا بإجراء تحقيق شامل في الأكاذيب التي أدت إلي مقتل الآلاف من الجنود الأمريكيين والبريطانيين ومئات الآلاف من الأبرياء في العراق.
ولا شك أن هذه الحقائق برمتها لم تكن خافية علي الشعبين البريطاني والأمريكي اللذين يعتبران كارثة العراق أكبر من كارثة فيتنام واخطر في مدلولاتها السياسية، وبكل تأكيد فإن انسحاب القوات من الجانبين الأمريكي والبريطاني لن تكون نهاية المطاف لأن القضية لم تعد قضية قرارات سياسية تقوم علي الخطأ بل أصبحت قضية قوي تعمل في الخفاء من أجل توريط دول كبري واستغلال مواردها من أجل تحقيق أهداف تخصها، وقد أصبح من الخجل أن يكون ذلك حال الولايات المتحدة التي تخضع للوبي اليميني المتطرف والذي يأتمر بأوامر اللوبي الصهيوني المتعارضة مع مصالح الشعب الأمريكي.
ولكن من غير المنطقي أن يركز الموقف كله في السياسات الأمريكية لأن جانبا كبيرا مما يحدث في الواقع العربي هو بسبب تراجع إرادة الصمود عند الحكومات العربية التي تغلب مصالحها الآنية علي مصالحها الإستراتيجية في ظل غياب كامل لجامعة الدول العربية التي أصبحت مؤسسة تقليدية للحصول علي الوظائف التي توفر مرتبات عالية وتستوعب العاطلين من الأقارب دون الاهتمام بالمصالح القومية العليا.
ويحتاج الأمر إلي إعادة نظر شاملة في الحقائق التي يقوم عليها الواقع العربي لأنه ليس من المنطقي أن تصل التضحية بالمصالح العربية حد التفريط من أجل خدمة مصالح مجموعات ليس هناك ما يبرر المزايا التي تحصل عليها وللأسف فإن معظم وسائل الإعلام العربية تروج لهذا الواقع المريض بتسويف الحقائق، فإذا التقي رئيس بملك أو رئيس برئيس كـــان الخـــبر الــرئيسي هو أنهما يبحثان استراتيحجة السلام وكيـــف يـــواجهان المواقف الإسرائيلية، مع أن كل اجتماعات الرؤساء والحكام العرب في مرحلتها الأخيرة هي ضد مصالح الأمة العربية.
وما يجب أن نتوقف عنده الآن هو دعوة لتأمل ما يجري في العراق ذلك أن انسحاب القوات البريطانية من العراق وهرولة الرئيس بوش إلي هناك وقوله إن تحقق السلام في بعض مناطق العراق كفيل بتقليص القوات الأمريكية هو دليل علي الهزيمة وفشل المشروع الذي أتي من أجله جورج بوش ولكن يجب ألا ينتهي الأمر عند ذلك لأن المطلوب عربيا هو استثمار هذه الهزيمة حتي لا تتكرر المواقف من جديد، وليس ذلك فحسب بل يجب أن تكون هناك مساءلة عن الجرائم التي ارتكبت في العراق وأن تتم التعويضات عنها تماما كما تم تعويض ضحايا اليهود في ألمانيا لأنه لا يجوز أن تدفع دولة مثل ليبيا مليارين وسبعمئة ألف دولار تعويضا عن مقتل مئتين وسبعين أمريكيا في الوقت الذي دلت فيه الدلائل علي أن المفجر الذي استخدم في تفجير الطائرة كان مفجرا مسروقا ولم يكن في حيازة ليبيا بينما تنجو الولايات المتحدة بقتلها مئات الآلاف من العراقيين. 9