الوضع الامني في بغداد يزداد سوءا.. والعراقيون يخشون حربا اهلية وحشية بعد مغادرة الامريكيين

حجم الخط
0

المواطنون من جميع الطوائف مشغولون بالتزود بالكهرباء وايجاد عمل واخبار الفساد.. ويتسارعون علي السلطة

نيويورك تايمز ـ بغداد. بعد سبعة أشهر من بدء قوات التحالف برئاسة الولايات المتحدة عملية السيل الجارف، ما تزال انجازاتها في بغداد ضئيلة جدا. إن التوجه الأساسي الي انحلال المدينة الي جماعات علي أساس طائفي لم يقف، ولم تقم حكومة وطنية موحدة تتمتع بثقة الشعب.

ومع كل ذلك، علي حسب معطيات قدمها الجيش الامريكي طرأ انخفاض كبير علي اعمال القتل. بدأت الأسواق في كثير من الأجزاء التي جرّحتها المعارك في المدينة والمتنزهات التي هُجرت في واقع الامر في السنة الماضية تعود الي الحياة.

حدثت عملية السيل الجارف بموازاة التحول الذي حدث لمناطق سنية كثيرة، واستعان بحقيقة ان متمردين سابقين وأبناء قبائل كفوا عن تأييد التطرف العنيف، وسلّموا معلومات صادقة، وساعدوا الامريكيين علي أن يجدوا ويقضوا علي مصانع أعدوا فيها سيارات مفخخة. في حزيران (يونيو)، وفي تموز (يوليو) وفي آب (اغسطس) انفجرت 23 سيارة مفخخة كل شهر في المعدل، قياسا الي 42 في الشهر في نفس الفترة من العام الماضي.

مع ذلك كان التأثير العام لهذه التطورات محدودا. علي حسب بلاغات منظمات انسانية قُتل سكان أحياء كثيرة في بغداد أو اضطروا الي الهرب. ترك أكثر من 35 ألف عراقي بيوتهم في بغداد منذ أن زاد مقدار القوات الامريكية. ان الأسوار الواقية الكثيفة التي بناها الامريكيون حول أحياء كثيرة زادت فقط احساس البلقنة في المدينة. يجب علي التجار الآن ان يستأجروا سائقين مختلفين ينقلون بضائع الي اماكن مختلفة في المدينة، لان مسلحين مستعدون لأن يقتلوا بلا تردد غريبا إبن طائفة اخري من اجل أن يسرقوا شاحنة مليئة بالملابس. إن زيادة عدد الجنود أبطأت لكنها لم تقطع الحرب الأهلية في العراق. ما تزال بغداد مدينة يستطيع أن ينفجر فيها العنف الطائفي في كل لحظة وأصبحت فيها حكومتها المركزية ذات صلة أقل. كان يفترض أن تفضي زيادة عدد الجنود الي تحسين الوضع الأمني في بغداد، وأن تفضي آنذاك الي مصالحة وطنية والي انشاء حكومة مركزية قوية تُمكّن من خروج الجيش الامريكي. في الاسابيع الأخيرة نقل الرئيس جورج بوش وقادة جيشه التأكيد الي أحلاف جديدة مع قادة من أبناء القبائل حسنوا الوضع الأمني في اقليم ديالا، في المثلث السني وفي تجمعات سنية اخري، وقد اختار بوش أن يزور اقليم الأنبار خاصة لا بغداد قبل اسبوعين.

لكن عندما أعلن بوش خطته أن يرسل 20 ـ 30 ألف جندي الي العراق، أكد أن بغداد هي المحور الرئيسي لاقامتها. عندما يستخفي جو الارهاب من العاصمة، قال، ستزداد ثقة العراقيين بقادتهم، وسيصبح لحكومتهم مجال التنفس الضروري للتقدم في مجالات مهمة اخري. ليس هذا ما حدث. يوجد الآن أكثر من 160 ألف جندي امريكي في العراق للمساعدة في الحفاظ علي أمن 25 مليونا من البشر. في جميع أنحاء بغداد خرجت قوات عراقية وامريكية من القواعد الضخمة التي مكثت فيها في 29 محطة أمن مشتركة، لتكون أقرب من السكان. لكن في حين تحسن الوضع في بعض الأحياء، ازداد سوءا في أحياء اخري، لان المتمردين كانت لهم حرية أكبر بسبب العدد القليل من الجنود الامريكيين. ما يزال أهل السنة والشيعة يخاف بعضهم بعضا، وما زالت الكراهية تفور.

العراقيون من جميع الطوائف مشغولون بالتزويد غير المنظم بالكهرباء، وبقلة اماكن العمل، وبالفساد الذي ازداد وبالذكريات الجديدة من فظائع القتال، لكنهم في مقابلة ذلك ما زالوا يتصارعون علي السلطة وعلي القوة.

أخذت الأحياء المختلطة في العراق تفني. حتي في الوقت الذي زيد فيه عدد الجنود الامريكيين، استمرت عصابات شيعية مسلحة في طرد أهل السنة من سبعة أحياء في بغداد علي الأقل. أصبح جيش المهدي المخلص لمقتدي الصدر، ما يسميه كثيرون حكومة ظلال، أما أهل السنة اليائسون فقد علموا ان الجنود الامريكيين فقط يستطيعون الحفاظ علي أمنهم.

يبدو الصراع في تفكير كثيرين معركة بقاء. وفي نظر آخرين أثارت لحظة الهدوء اسئلة مقلقة عن انحلال المجتمع العراقي. في الاشهر السبعة الاخيرة أخذ يتضح احساس أن الامريكيين لم يعودوا القضية المركزية. أهل السنة يخافون ايران أكثر من كل شيء، والشيعة في رعب من غُلاة أهل السنة ومن أفراد البعث، حزب صدام حسين.

نظر الي مستقبل شيعيان علامات السيطرة الشيعية علي حي العمال الحرية غربي بغداد تُمكّن من نظرة خاطفة الي مستقبل ممكن تسيطر فيه الشيعة علي العراق بغير حكومة فنية فوق الطوائف. المساجد السنية في الحي خالية، ومحروقة ومدمرة، في حين تُقام تماثيل جديدة للأئمة من الشيعة. استخفي أهل السنة، واضطرهم جيش المهدي الي المغادرة. انخفض العنف منذ ذهبوا، لكن الارهاب وعدم الاستقرار ما يزالان علي حالهما. هنا وفي كل منطقة اخري في بغداد يسيطر عليها الشيعة، عزز جيش المهدي سيطرته علي الحياة اليومية.

يتعلق سكان الحرية الآن بمنظمة الصدر للتزويد بالغاز والادوية والاحتياجات الضرورية الاخري. ويقول شيعة كثيرون انهم يعيشون عوض ذلك في خوف دائم تخوفا من طرق أبوابهم. يأتي مسلحون احيانا لاستعارة السيارة أو البيت، ويطلبون احيانا مساعدة في حاجز تفتيش أو في حصار لأحد أهل السنة من حي آخر. تحصل العصابة المسلحة علي كل ما تطلب. يجب عليك أن تبرهن علي أنك مخلص لهم وإلا عشت في خطر دائم، قالت لامية السعدي، وهي شيعية تعمل في الحكومة انتقلت لتعيش في الحرية قبل ثمانية اشهر بعد أن طُردت من حي عادل المجاور، الذي هو حصن سنّي.

لاحظ القادة الامريكيون في الحرية قوة شبكة جيش المهدي بعد زمن قصير من وصولهم. في بداية أيار (مايو) وافق ضابط شرطة شيعي في الاربعين من عمره، قتل جيش المهدي أخاه، علي أن يُحادث جنودا امريكيين في الثالثة صباحا فقط بعد أن اجتذب صحافيا وضابطا الي غرفة مظلمة بعيدة عن الشارع.

قبل اسبوع كان الوضع مشابها. من اجل أن يحصل جنود من اللواء الجوي 82 علي معلومة من أحد مصادرهم اضطروا الي انتظار نوم جميع سكان الحي. طُرد بعض قادة جيش المهدي، أو قُتلوا أو أُسروا لكن التهديدات من قبل الآخرين ما تزال علي حالها.

يزعم أبو سجات (!) أحد قادة جيش المهدي، أنه قائد بضع مئات من المقاتلين في الحرية وفي الأحياء المجاورة. ويزعم أن الاستقرار يسود الحي لان أهل السنة ذهبوا لا لأن الامريكيين جاؤوا. وذكر قائلا لن يستطيعوا حل منظمتنا، جميع الامريكيين في العراق هم أسري فقط في الحقيقة.

يقول أبو سجات انهم أقسموا يمين الولاء هو ورجاله لمقتدي الصدر ووعدوا بقتل امريكيين أو سنيين اذا طُلب اليهم ذلك مقابل 120 دولارا في الشهر ومع زيادة تبرعات يجبونها من جيران شيعة أو ضحايا من أهل السنة. وتحدث عضو أفتي في المنظمة بأنه قد مات شابان رفضا في تموز (يوليو) اطاعة أمر كهذا.

يقول أبو سجات وهو في السادسة والثلاثين، وبائع سابق انه كان سجينا لمدة سبع سنين في فترة صدام حسين. ويقول انه لا يهتم البتة بالمال وانه ينقل جميع الايرادات من الحرية الي الشيعة سيئي الحظ. إن تسويغه للهجمات علي أهل السنة بسيط جدا فهو يقول: بيوتهم لنا.. لقد احتلونا لأكثر من ألف سنة.

أهل السنة يُجندونفي غيضة بجانب الطريق في صدر اليوسفية، وهي قرية زراعية علي الفرات جنوب غرب بغداد تنتمي الي المثلث السني، يمكن أن نتعلم عن طرفي التجربة الامريكية هنا. في أحد طرفي الغيضة بقايا شاحنة مفخخة حاول منتحر من القاعدة أن يفجرها في حزيران (يونيو) قُرب معسكر جيش الولايات المتحدة في المكان. وفي الطرف الآخر يقوم نحو من ألف رجل سني يتصببون عرقا تراوح أعمارهم بين 18 ـ 35، وينتظرون بالدور فحص القدرة وامتحانات القراءة التي سيجريها لهم الجنود الذين أرادوا قتلهم أمس فقط.

يريد جيش الولايات المتحدة بتمارين القدرة الجسدية تلك وامتحانات القراءة أن يُصفي المرشحين الملائمين لقوة الشرطة العراقية التي تسيطر عليها أكثرية شيعية. يأمل أهل السنة هؤلاء اليوم ان يساعدهم الامريكيون علي الاندماج في النظام العراقي الجديد الذي رفضوه الي الآن والذي رفضهم هو بدوره.

لكن ليس واضحا البتة ما اذا كانت الحكومة العراقية، التي يسيطر عليها شيعة متدينون، ستسعد لقبولها شبانا من أهل السنة في سن الجيش. وليس واضحا ايضا هل سيقبل من أصبحوا لاعتبارات النفع، حلفاء للامريكيين، طاعة السلطات الشيعية في بغداد. إن كثيرين من هؤلاء الشبان أبناء ضباط أو قادة خدموا حكومة البعث. رغم ارتياب رئيس الحكومة نوري المالكي بالحزام السني ـ والارتياب متبادل ـ فانه هو خاصة الذي أثمر أكثر الثمرات المحسوسة لسياسة الولايات المتحدة في العراق. يقف رجال شبان يلبسون دروعا براقة اليوم علي جوانب الشوارع ويراقبون في الحواجز، في نطاق نشاط حي متوسع، يسمي نشاط المواطنين القلقين. في نطاق هذه المبادرة التي يمولها جيش الولايات المتحدة، يحصل ناس القبائل المحلية علي عشرة دولارات في اليوم للحفاظ علي الأمن في حيهم الذي يسكنونه.

ورغم دعاوي قادة في الجيش انهم لا يسلحون المتطوعين اولئك، يُصدّق ضباط جيش امريكيون أن القادة المحليين يستطيعون أن ينفقوا أجرتهم كما يحلو لهم، وأن يشتروا بها سلاحا، أو اجهزة مذياع أو سيارات. أصبحت النهضة، كما سميت المبادرة تطرح ثمارا اولي: فقد انخفض عدد الاعمال الانتحارية في بغداد ومن جملة اسباب ذلك أن المواد التفجيرية التي استعملت في العمليات أُنتجت في هذه المناطق.

لا شك في أن الحياة في معسكر الجيش في صدر اليوسفية قد أصبحت أسهل علي الضابط بالمر فليبس ورجاله. في الاشهر الخمسة الاخيرة انفجرت شحنتان جانبيتان فقط، وفي الاسبوع الماضي استطاعت مجموعة من الضباط أن تنتقل في عربات في ساعات الليل المتأخرة في طرق جانبية كانت خطرة جدا قبل اشهر معدودة فقط. نحن نحصل الآن علي معلومات من المتطوعين المحليين، فهم يقولون لنا أمورا دقيقة جدا عن نشاط القاعدة، وعن الحواجز، وعن الناس، وعن طرق التزويد والأهداف، يقول فليبس.

لكن توجد ايضا توجهات خفية. ففي زيارة لصدر اليوسفية في الشهر الماضي التقي الجنرال ريموند أودييرنو، نائب قائد القوات في العراق، شيوخا محليين. بيّنوا له أن تعاونهم لا يُعطي بالمجان، وأنهم يتوقعون أن يستخرجوا منه ربحا ملموسا، كالعمل، والسلاح، والمركبات، والمعدات العسكرية والكهربائية.

وقد حذروه ايضا تحذيرا واضحا جدا، من أن الخطة الامريكية لانشاء اماكن العمل، التي تم قبولها في الحقيقة بالمباركة، لن تنجح في إبقاء الجمهور في جانب المتراس الصحيح لزمن طويل. نحن مصممون علي طرد الارهاب عن مناطقنا، لكن لا يجوز نسيان أن مكافحة الارهاب يجب أن تكون متوازنة، حذر ياسين الغورتاني، وهو جنرال سابق في جيش صدام حسين. ماذا سيحدث اذا انتهي عقدهم بعد شهر أو بضعة اشهر ووجد هؤلاء الناس أنفسهم بلا عمل ولم يستطيعوا الانضمام الي الشرطة أو الجيش؟

، سأل. نشفق من أنهم قد ينضمون الي الجانب غير الصحيح وهكذا سنعود الي نقطة الانطلاق.

سُلم أكثرهم بيد مشاركيهم في التفتيش في الحواجز. مع ذلك هو مقتنع بأن أكثر أهل السنة يريدون في الحقيقة وبصدق الاندماج مرة اخري في الجهاز الذي 85 في المئة من قوات الشرطة فيه من الشيعة. وهو يستمد التشجيع ايضا من أن حكومة العراق أرسلت اليهم جهة رفيعة محاولة التوصل الي مصالحة. مع ذلك تم الأخذ بخطوات قليلة جدا في الاتجاه ويقول انه ما يزال لا يوجد لأهل السنة قُرب صدر اليوسفية أي عنوان حكومي يُتوجه اليه.

يتوقع الجميع تقريبا أنه في اللحظة التي يغادر فيها الامريكيون ستزداد الحرب الأهلية في العراق. سنناضل الحكومة حتي آخر رصاصة، هدد أحد أهل السنة ممن وقفوا في الشمس الحارقة في الصف للانضمام الي صفوفها. بخلاف ضعف قوة النار في مناطق اخري من العاصمة، تعمل محركات العداء الطائفي بكامل قوتها في حي السعدية المختلط، ويتجول أفراد جيش المهدي وخلايا التصفية السنية في شوارع الحي المهجور.

إن عداء أهل السنة لما يرونه احتلالا ثلاثيا ـ من قبل الامريكيين والايرانيين والشيعة ـ يزيد فقط. أخطر شيء هو هذه الحكومة والناس الذين يمثلونها، يقول أبو هاشمي ابن الثامنة والاربعين. كل من تسأله هنا هل يفضل أن يقتلوا جنديا امريكيا أم رجلا من جيش المهدي سيُجيبك: دع الامريكي، أُقتل الثاني. لان الامريكيين سيتركون العراق أما هم فسيبقون معنا.

دميان كييف وستيفن بارلكاتبان في الصحيفة(هآرتس) 11/9/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية