تواجه بعض الصحف المصرية المستقلة حملة ترهيب غير مسبوقة من قبل السلطات الحاكمة، مما يهدد مرحلة من الحرية النسبية، عاشتها هذه الصحف استمرت لاكثر من عشرة اعوام، استطاعت خلالها ان تتطور مهنيا وسياسيا وتصل الي مئات الآلاف من القراء.
بالامس قضت محكمة جنح القاهرة بحبس رؤساء تحرير اربع صحف مصرية مستقلة لمدة سنة، بعد ادانتهم بسب وقذف بحق الرئيس حسني مبارك، ونشر اخبار كاذبة تسيء الي رموز الحزب الوطني الحاكم. وسيصبح هذا الحكم نافذا اذا ايدته محكمة الاستئناف علي الفور.
رؤساء التحرير الاربعة وهم ابراهيم عيسي الدستور وعادل حمودة الفجر ووائل الابراشي صوت الامة وعبد الحليم قنديل الكرامة، كانوا من اكثر الكتاب انتقادا لعملية التوريث والفساد المستشري في اوساط المسؤولين في الدولة، وهذا ما يفسر الحملة التي تشن ضدهم وتهدف الي اخماد اصواتهم.
القذف بحق رئيس الدولة واسرته امر معيب ويقع تحت طائلة القانون، فكل القوانين في الدول المتقدمة والديمقراطية توفر الحماية للاشخاص، وايا كانت مكانتهم، من اي تعرض لسمعتهم الشخصية او ذمتهم المالية، اللهم الا اذا كانت المواد المنشورة في هذا الخصوص تتضمن ادلة دامغة مقنعة وموثقة. ولكن هذه القوانين تكفل حرية الرأي فيما يتعلق بجميع القضايا السياسية والعامة.
ومن المؤسف ان القانون معطل وغير مستقل في معظم الدول العربية ان لم يكن كلها، حيث تتدخل السلطات التنفيذية بشكل سافر لتوظيف هذا القانون في خدمة قمعها وارهابها ضد المواطنين، والسياسيين منهم علي وجه الخصوص، سواء من حيث تلفيق قضايا ضدهم والزج بهم في السجون، او منع المتظلمين من المثول امام محاكمات عادلة.
الرئيس مبارك يشتكي من تعدي الصحافة المستقلة عليه بالسب والقذف، ويقدم رؤساء تحريرها الي المحاكم ويستصدر منها احكاما بسجنهم، وهذا من حقه، ولكن الرئيس مبارك ووزير اعلامه السابق ونائبه في الحزب الحاكم ورئيس مجلس الشوري حاليا، وظفوا الصحافة الرسمية الحكومية او ما يسمي بالصحافة القومية، لتوجيه اقذع انواع السباب والاتهامات لمسؤولين وصحافيين عرب، بينهم رئيس تحرير هذه الصحيفة.
الصحافة القومية المملوكة للدولة في مصر، والتي يجري تعيين رؤساء تحريرها بموافقة المجلس الاعلي للصحافة ومباركة مجلس الشوري، هي التي ابتدعت مسألة القذف والسب بحق السياسيين المعارضين وتلفيق التهم لهم، والتطاول بشكل مؤسف علي زعامات عربية اختلفت مع الحكومة المصرية في يوم ما حول قضية ما. وكنا نتمني علي الرئيس مبارك طالما انه يؤمن بالقانون واحترامه ان يجعل من هذه الصحافة نموذجا في احترام آداب المهنة، ونصوص القانون التي تعاقب كل من يقدم علي جريمة السب والقذف بحق الآخرين دون دليل موثق.
الزملاء الاربعة هم ضحية حملة استهداف من قبل الحكومة للاقلام الحرة التي ترفض ان تقبل بالوضع المزري الذي تعيشه بلادها حاليا، حيــث الفســــاد، وغياب القانون، واتساع الفجوة بين الاغنيــاء والفقراء بصورة مخيفة ومرعبة، وهيمنة فئة محدودة من المقربين لدوائر الحكم علي ثروات البلاد ومقدراتها الاقتصادية.
وربما يفيد التذكير من قبلنا نحن الذين نعيش في الغرب ونخضع لقوانينه، بان جميع القوانين الغربية المتعلقة بالنشر لا تنص مطلقا علي حبس الصحافيين والكتاب، وانما بفرض غرامات عليهم، الامر الذي يكشف مدي تخلف قوانين النشر في الدول العربية. مرة اخري لا نجادل في حق احد في مقاضاة الصحف ورؤساء تحريرها اذا تجاوزوا القانون وتعدوا علي اعراض الناس وخصوصياتهم بالسب والقذف، ولكن علي هؤلاء اولا ان يقدموا المثل في احترام القانون والابتعاد عن تطبيقه بشكل انتقائي، والمقصود هنا الرئيس مبارك والمجموعة التي تحيط به.