محمد عبد الحكم دياب
امتدت يد البيع مؤخرا إلي منشآت جامعة عين شمس، وبدأت الأخبار تتوالي عن بيع قصر الزعفران، المقر الرئيسي لهذه الجامعة، بمنشية الصدر، بالقرب من حي العباسية القاهري.
وهو قصر بني في عصر الخديوي اسماعيل، وعرف بهذا الاسم لوجوده في منطقة اشتهرت بزراعة الزعفران، وفيه استضيفت مكاتب الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) عند إنشائها سنة 1925، واستضافت فيه وزارة الخارجية زوارها الكبار فيما بعد، وشهدت بعض قاعاته توقيع معاهدة 1936 بين مصر وبريطانيا، إلي أن وقع عليه الاختيار كمقر لجامعة إبراهيم (عين شمس) سنة 1952، بعد إنشائها بسنتين، وحتي الآن. أي أنه كان علي مدي خمسة وخمسين عاما مقرا للجامعة. يحدث هذا في وقت تتسارع فيه الخطي لبدء عمليه الهدم المقررة لجامعة الاسكندرية، ومستشفي الشاطبي التابع لها، وهي أكبر مستشفيات الاسكندرية والوجه البحري. وقعت مهمة هدم هذه الجامعة من نصيب شركة إعمار الخليجية، وهي اسم علي غير مسمي، لتبني مكانها فنادق ومجمعات تجارية وترفيهية.
وللتعليم في الوجدان الشعبي المصري مكانة مميزة، وحين نري مسـؤولين وحكاما يعادون العلم والمتعلمين والعلماء عداء مستحكما، وجب علينا التعرف بإيجاز علي مسار التعليم الحديث في مصر. وسوف نجد أن صعوده وتقدمه ارتبط دوما بعاملين هامين. الأول هو وجود توجه واضح نحو النهضة والبناء وتنمية الموارد الذاتية، واتخاذها سبيلا للتأثير والتفاعل الإيجابي مع العصر والاندماج فيه، والعامل الثاني أن هذا الصعود ارتبط كذلك بتوظيفه سلاحا في خدمة الحرية والاستقلال والعلاقات الإقليمية المتميزة. كان ذلك واضحا إبان حكم محمد علي، وأكثر وضوحا في عصر جمال عبد الناصر. هذا لم يمنع من وجود اهتمام به، من جانب مصلحين ورواد، في مراحل البحث عن سبل للخلاص من الاحتلال البريطاني وأثاره، مع مطلع القرن العشرين، وعلي النقيض نجد أن التعليم يتراجع وينحسر ويواجه المحن في مناخ الضعف والانكسار، وتحكم المتمصرين والمستعربين وأنصار الهيمنة الأجنبية. وسارعت سلطات الاحتلال فور هزيمة عرابي واستقرار قواتها إلي تحطيم الصناعات القائمة، وإغلاق المصانع، المدنية والعسكرية، التي أقامتها الدولة، كمصنع ورق بولاق، والقضاء علي دار صك النقود، وبعدها تولت بريطانيا صك نقود مصر، وبيع المحالج ومغازل القطن ومصانع النسيج، الباقية من عهد محمد علي، ومنع الترسانة من الاستمرار في تصنيع الأسلحة، فتوقف صب المدافع وصنع البنادق والذخائر، ومنحت البواخر النيلية لعملائها بأبخس الأسعار، وعطلت الحوض البحري لإصلاح السفن، وبذلك أجهزت علي بقايا القاعدة الصناعية الكبري، التي شيدها محمد علي. ولم يكن هدف هذه التصفية هو القضاء علي الهياكل المادية لهذه الصناعات والمنشآت فحسب، إنما كان الهدف هو الإجهاز علي أي مجال له علاقة بتنمية القدرات العلمية والتقانة والخبرة المتقدمة التي كانت تتمتع بها مصر. كان من الضروري إزاحتها وتشريد أصحابها، وتركها تهيم علي وجهها. تموت بالحسرة، أو تفر هاربة خارج البلاد. لم يكتف الاحتلال بذلك، بل استدار إلي الحرف الصغيرة. فأنهاها لتحل محلها السلع المستوردة من بريطانيا، للمصادرة علي إمكانية تحول مهارات هؤلاء، بالتعليم والتدريب، إلي قدرات قد تعوض ما ضاع علي البلاد، من جراء تنفيذ ذلك المخطط التخريبي، وحتي الريف لم يترك في حاله، فحوصرت مقومات الإكتفاء الذاتي، التي كانت قائمة فيه، وحوربت الصناعات المنزلية والمغازل والمناسج اليدوية في القري والنجوع.
كان هذا من أجل أن تبدو مصر وكأنها ليست بحاجة إلي التعليم والعلم والعلماء. وانتشرت الأمية، واقتصر التعليم الريفي علي الكتاتيب، وركزت مناهج التعليم في مدارس البنادر والمدن علي التلقين، لتخريج إداريين يعملون في خدمة الإدارة الأجنبية. ويري بعض المؤرخين أن الاهتمام بالتعليم ارتبط بالتطورات التي أعقبت الحرب العالمية الأولي، إلا أن الأكثر تأكيدا هو أن ذلك سبق الحرب بمدة، ودليلنا هو الدور المبكر الذي لعبه الشيخ محمد عبده، وهو يعلق نهوض الأمم والشعوب علي انتشار العلم وتعميم التعليم، ثم أتي الحزب الوطني (القديم) وترجم ذلك علي أرض الواقع فعليا، بإنشاء الجامعة الشعبية، ومحاربة الأمية، ونشر المعرفة بالقراءة والكتابة، وربط ذلك بالسعي إلي إنشاء النقابات العمالية، وتأسيس التعاونيات الزراعية، من أجل تهيئة المجتمع للنهوض المتكامل، وتحقيق الجلاء والتخلص من الاحتلال، وهو ما ترك أثره البالغ، وأدي إلي نجاح فكرة الجامعة المصرية، التي تأسست سنة 1925، كمشروع أهلي.
وإذا كان القضاء علي إمكانيات ومقومات النهضة الاقتصادية والاجتماعية مطلوبا لسيطرة الاحتلال، فإن إهمال التعليم ونشر الجهل يصبح ضروريا لإحكام هذه السيطرة، وأضحي ذلك أكثر أهمية بعد إقامة الدولة الصهيونية حديثا. فهو ضمان لازم لاستمرار ضعف المنطقة، ومنها مصر، لتبقي الدولة الاستيطانية قوة وحيدة لا تنازع، وكوننا نعيش تحت حكم أشد وطأة من الاحتلال، وأكثر خطرا من الغزاة فإن تخليه عن التعليم ونشره للجهل يعد هدفا استراتيجيا وحيويا له. ويصبح طبيعيا ومألوفا لديه انتقال التعليم من خدمة والتزام من جانب الدولة، تجاه مواطنيها، إلي تجارة وسلعة. تركز علي المظهر والشكل، وتجعل من الربح، وليس الاستثمار البشري، معيارا وهدفا وحيدا للنجاح.
ونجح حكم حسني مبارك في مهمته بطرق ثلاثة. أولها العشوائية، حيث ساد العمل العشوائي في التعليم عموما، وعلي مستوي التعليم الجامعي خصوصا. وهو عمل مقصود، مثلما الفوضي لدي المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، الذين يضفون عليها صفة ليست فيها، بادعاء أنها خلاقة. والقصد من إشاعة عشوائية التعليم هو فرط كيان الدولة، المستقر منذ مئات السنين، وتضييق الخناق علي خبراتها. لتتشوه سمعة التعليم المصري، وتقل فرص العمل للخريجين. ويصبح التعليم غير ذي قيمة، وبعد أن كان أساسا، شبه وحيد، للحراك الاجتماعي، حل محله المال والثراء، أيا كان مصدره. وتحول التعليم، لدي فئات عديدة، إلي ترف ومضيعة للوقت، وأي فرصة للهرب أفضل ألف مرة من ضياع السنين، وهذه العشوائية من أهم أسباب انسحاب الدولة من أداء دورها التعليمي. جعلته بلا فلسفة، ولا سياق، ولا هوية، ولا لون. فتحت الباب علي مصراعيه لمدارس ومعاهد وجامعات متعددة. تختلف في المناهج والنظم والتقاليد والثقافات. هذا بريطاني، وذاك فرنسي، وآخر الماني، وغيره إيطالي ويوناني وروسي، وهو ما نسميه في الريف بـ البظرميط. مدارس من كل نوع، ومعاهد من كل صنف، وجامعات بألف لغة وملة وهوية، أشبه بإرساليات المبشرين، وأنشطة المستعربين والمتمصرين، في عهود الاحتلال الأجنبي. والثاني يتمثل في العمل علي الإخلال بمنظومة القيم الوطنية والأخلاقية التي تربت عليها أجيال. وغرس قيم ترفض التفوق، وتسخر من الالتزام العلمي، إذا لم يكن في خدمة اللصوصية والرشوة والنهب المنظم وغير المنظم، وتراجعت قيم أعلت من شأن العلم والمتعلمين والعلماء.. تقهقرت أمام زحف المرابين والقوادين واللصوص والجلادين، والسماسرة والمرتشين والمضاربين والمحتكرين، علي مواقع السلطة ومراكز التأثير. إنها قيم لحامية وجود هذا الحلف غير المقدس، فشاعت قيم توريث المناصب والوظائف والمهن، وترسيخ الفساد، والارتفاع بمكانة المفسدين. ومنها ما سمي باللياقة الاجتماعية، لقصر المناصب علي أبناء وأتباع وأنصار هذا الحلف. وثالثها تحقير كل ما هو وطني وإنساني، وصار التعليم الوطني، من وجهة النظر هذه، بلا قيمة، وانتقلت القيمة إلي التعليم الأجنبي، أيا كان مستواه. تركز الجهد في نشر التعليم الخاص، من الحضانة حتي الجامعة، فتأثر التعليم العام، وانخفض مستواه، وظهرت، تبعا لذلك، مافيا الدروس الخصوصية. وانهارت مقومات النهضة. وكانت التجربة قد أثبتت أن التعليم حينما كان متاحا بالمجان للجميع كان أساسا لنهضة كبري، وما زال كذلك في الدول المتقدمة. وأدي تراجع التعليم، مع التراجعات الأخري إلي تراجع دور مصر، محليا وإقليميا ودوليا، وأضحي تأثيرها أشبه بتأثير جمهوريات الموز في أمريكا اللاتينية. ونحن ممن يرون في منطق جمال مبارك وأمانة سياساته، في الموقف من التعليم، إحياء لمنطق اللورد كرومر، الذي رسخ أقدام الاحتلال في مصر، في بداية القرن الماضي، وكان يتلخص في أن الشعب الجاهل أسلس قيادا من الشعب المتعلم، وكل ما فعله هذا الفريق هو أنه نقل رؤية كرومر من طبيعتها البريطانية التقليدية المحافظة، إلي نهج أمريكي مصهين، يتصوره مناسبا للقرن الواحد والعشرين. وجمال مبارك معذور، إلي حد كبير. لو كان قد تخرج من جامعة وطنية لذاق طعم العلم، المعجون بقيم العمل، وروح المسؤولية، والتضحية والجَلَد والخلق الوطني والديني السليم. ولأنه لم يذق كل هذا، ولم يندمج في نشاط أو حركات طلابية أو اجتماعية أو وطنية، فمن الطبيعي أن يعجز في التعامل مع الحياة، ولا يتمكن من التواصل مع المواطن، ولأنه تربي علي الأخذ بلا عطاء، والحصول علي أي شيء، بالنفوذ والشدة وغطرسة السلطة، فتساوي عنده الماء والزيت، ومن الصعب علي مثله أن يفرق بين مبني الجامعة ومبني الفندق أو الملهي. وقد يري للفندق أو الملهي عائدا ماديا مجزيا لا تدره الجامعة أو المستشفي، وهذا ما جعله ينفذ رغبة والدته، سيدة القصر، حين اعتبرت مكتبة الإسكندرية مشروعها الخاص. تري أن وضعه في الحلة المناسبة، يقتضي ألا يكون لصيقا بمستشفي، يرتاده العابر وابن السبيل، بمظهره الخشن والمتواضع، ولا يجب أن يكون قريبا من جامعة ليست للخاصة، حتي لو كانت بمقام وعراقة جامعة الإسكندرية، أغلب روادها من الكادحين وأبناء الشعب. ممن لا يليقون بجيرة المكتبة، وعليهم ألا يقتربوا منها.. الفنادق والمنشآت السياحية الفخمة هي الأليق، في منطقها. روادها أغنياء وأصحاب نفوذ، وذوي مظاهر، تناسب المكتبة حتي لو لم يكونوا يفرقون بين الألف وكوز الذُّرَة.
ومع ذلك هناك حركة تتصدي لهذا الهول، هي حركة 9 اذار (مارس) . بدأت احتجاجاتها، منذ الخميس الماضي، للتصدي لهدم الجامعة والمستشفي. ما هذه الحركة؟
، وما هي أهدافها؟
، وهل يمكن لنا، كمقيمين في الخارج أن نمد الجسور معها وندعمها؟ هذا هو ما نحاول أن نلقي الضوء عليه الاسبوع القادم بإذن الله.