اللجوء إلي نانسي!

حجم الخط
0

عزت القمحاوي

جاء رمضان هذا العام ليجد مصر علي غير ما يرام. وهي علي غير ما يرام من زماااان، لكن في هذا الخريف الرمضاني الأمر مختلف. البلد الذي حول شهر الصوم إلي مناسبة للشطارة والتجارة، والربح المشروع وغير المشروع، والركض بين المكتب والبيت والمسجد والخيمة الرمضانية في محاولة غير موفقة لإعطاء كل ذي حق حقه؛ هذا البلد نفسه متوعك من قبل أن يأتي رمضان، وقد صار واضحاً أن ربيع الديمقراطية الذي لم يتمظهر سوي في حرية النشر بدأ في الانتهاء. وفي بداية غير طيبة أفطر المصريون في يوم صومهم الأول علي أحكام بالسجن بحق أربعة من رؤساء تحرير صحف مستقلة وحزبية علي خلفية النشر حول الرئيس وأسرته: عادل حمودة، وائل الإبراشي، عبدالحليم قنديل، وإبراهيم عيسي الذي يواجه في أكتوبر قضية أخري تتعلق بالشائعات عن وعكة صحية تعرض لها الرئيس. وعلي الرغم من أن الرئيس بشر مثلنا يمكن أن تصيبه الأمراض؛ فإن عدم احتمال هذا الاحتمال، أقام الدنيا ولم يقعدها؛ ويطالب المجلس الأعلي للصحافة نقابة الصحافيين بمحاسبة رئيسي تحرير صحيفتين أخريين: الكرامة و البديل لأن الصحف الثلاث اشتركت في ترويج الشائعات الخاصة بصحة الرئيس ومن ثم خلافته، مما أصاب البورصة بوعكة مالية كلفتها 350 مليون دولار سحبها المستثمرون. والبورصة في الحقيقة لاتحتمل هذا اللعب، لأنها تعيش في حالة احتضار منذ إعادة افتتاحها في أوائل التسعينيات، ولم تقو علي الحياة طوال هذه السنوات إلا بفضل المحاليل التي تضخ إلي عروقها من جيوب الفقراء المغرر بهم من تشكيل رجال الأعمال الذي يلعب بالأسعار لعباً فيطيح بصغار المستثمرين مرة بعد أخري، في رهان ناجح علي قوة أحلام الفقراء وضعف ذاكراتهم!

الحكم الذي صدر بحق رؤساء التحرير الأربعة بتهمة السب والقذف لن يكون نافذاً إلا بعد تأييده من محكمة الاستئناف، وتبقي قضية الشائعات سيفا آخر معلقاً علي رقاب الصحف الخاصة. والبورصة المحتضرة لاتحتمل الفساد والشائعات معاً، وبالتالي كان لابد من حساب إبراهيم عيسي وربما ينضم إليه في اللائحة مرة أخري عبدالحليم قنديل ومعهما محمد السيد سعيد علي ما نشرته صحفهم بشأن صحة الرئيس، مع أن ما نشروه هو نوع من التحليل، أحد فنون الصحافة المعروفة والتي تستهدف التكهن بأكبر قدر من المعرفة استناداً إلي المتاح من المعلومات أو الشواهد. وإذا كانت الشائعات قد انتشرت في أيام لم يظهر فيها الرئيس فإن النشر عن وجود الشائعة هو خبر صحيح بحد ذاته. وبعد الشائعة ليس أمام الصحافة إلا أن تحلل وتدرس في غياب المعلومة السريعة من السلطة! مجلس الصحافة الأعلي الذي يضم رؤساء تحرير الصحف الحكومية بين أعضائه يريد أن يحول الصحف الخاصة إلي برافدات سوفييتية جديدة كصحف الدولة، ويطالب النقابة بالقيام بدور شرطي مكافحة ما يسميه بـ الشائعات في محاولة لشق الجسم الصحافي المهلهل أصلاً بفساد صحافيي الحكومة. عمل المجلس قعدة تكلم فيها أعضاؤه عن خطورة استغلال أزهي عصور الديمقراطية في اللعب بالبورصة والجماهير من خلال البلبلة التي انتابت الرأي العام وتسببت فيها ثلاث صحف خاصة تصدر من شقق سكنية متواضعة. ولم يشعر أي من القاعدين في القعدة أن نجاح ثلاث صحف صغيرة في السيطرة علي الشارع إعلامياً هو أقسي ذم لمجلسهم ولصحفهم ومؤسساتهم الضخمة متعددة الأبراج مع برج ماسبيرو (أضخم مبني لتليفزيون علي وجه الأرض حالياً). ولم يسأل أحد: لماذا فشلت هذه المؤسسات المسنة العملاقة المباني والإمكانيات في الوقوف أمام ثلاث صحف بزغب الولادة، علي الرغم من أن دخل رئيس التحرير الحكومي يقارب ميزانية إصدار صحيفة من هذه الصحف؟! ولم يسأل أحد لماذا لم تتمكن الصحافة المسماة بـ القومية من التعامل مع الشائعات علي الوجه الذي يخدم النظام، علي الرغم من أنها تعيش أزهي عصور الديمقراطية مثلها مثل الصحف المتهمة! لا النظام سأل رجاله لماذا لم تبادروا إلي التصحيح، ولا الرجال عاتبوا النظام: لماذا لاتمدنا بالمعلومات.. وكل هذا لم يعن شيئاً بالنسبة للمجلس، المالك الحقيقي للأبراج الصحافية بجيوشها الجرارة المشغولة بخدمة نفسها ورجال الأعمال، وأخيراً النظام الذي تربت في عزه وانهزمت في أول مواجهة مع الصحف الوليدة التي تحاول أن تقدم خدمة متميزة. الأنكت والأغرب من محاكمة الزملاء هو مشروع النائب هشام مصطفي خليل لإصدار قانون مكافحة الشائعات، وهو سعي خيالي لايشبهه إلا قانون مكافحة الحب، فكلاهما غريزة إنسانية. لكن يبدو أن كل شيء جائز في المنعطفات التاريخية الحادة، حتي تخلي الإنسان عن أحد خصائصه البشرية! وإلي أن يصدر حكم الاستئناف، وإلي أن تظهر الحقيقة من الشائعة، فسوف يلتزم الجميع حذراً بدت شواهده، حتي في التهاني بالشهر الكريم التي لم تعد رمضان مبارك كما كانت في السابق. الرسالة التي انتشرت كنار الحب علي الهواتف النقالة للتهنئة برمضان في عام الوعكة هذا كانت: اللي يصوم الشهر كلو شو بنقولوا شاطر شاطر اللي بياكل كل فطورو شو بنقولوا…………………. إلي آخر الأغنية، في لجوء حكيم إلي نانسي عجرم، وما أحلي اللجوء إليها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية