أزمة الفكر السياسي الحزبي الفلسطيني (1- 2)

حجم الخط
0

سلفية الفكر القومي وانغلاقه علي ما هو تقدمي وتركيز اليسار علي الجانب النظري فاقم ازمة الفكر العربي.. التفكير في الموقف الاسرائيلي بعد اوسلو شكلي وتكتيكي اذ انه لم يقترب من اساس القضية الفلسطينية

د. فايز رشيد ہالأزمة تفترش كافة المجالات، بهذه الجملة القصيرة والمختصرة يمكن تلخيص الوضع الفلسطيني برمته! فأية مقارنة علمية وصحيحة ودقيقة، تُجري بين النضالات الكبيرة والتضحيات التي قدّمها شعبنا الفلسطيني في كل مراحل كفاحه، وبين سمات وواقع الانقسام السياسي والجغرافي الحالي بين (السلطتين) القائمتين في الضفة الغربية وقطاع غزة (مع أن كلتيهما تقعان فعلياً تحت الاحتلال) تشي بالمسافة الطويلة الفاصلة ما بين المعاناة الجماهيرية الممتدة عميقاً في التاريخ والمثقلة بأوجاع ومآسي الراهن… ليس ذلك فقط، وانما أيضاً بانعكاس تداعيات ما يجري علي مستقبل القضية وعموم المشروع الوطني، وعلي مجمل الحقوق الوطنية الفلسطينية، وعلي القدرة الفعلية لرؤية الشمعة في نهاية النفق المظلم، الذي يبدو أن مشواره سيكون طويلاً وقاسياً، علي طريق تجاوز الأزمة وفي سبيل الخلاص من النفق؛ بأبعاده التآمرية الاسرا ـ أمريكية والتي من الطبيعي أن تزداد حدتها في الآونة الأخيرة، مستغلة وضع الانقسام الحالي ومستفيدة منه في تمرير مخططها القائم، الهادف الي تصفية القضية والمشروع الوطني من خلال ممارسة المزيد من الابتزاز للمواقف الفلسطينية، التي يبدو أن بعض أصحابها يتكئون علي الواقع ومعطياته في ايجاد المنحي التبريري للتنازلات! وأيضاً بأبعاده الفلسطينية، المتمثلة في تمترس فريقينْ وراء شروطهما ومفاهيمهما وأجندتيهما، بالرغم من كل المخاطر، وبعيداً عن أدني مفاهيم واشتراطات مرحلة التحرر الوطني، التي لم يتجاوزها شعبنا، بل يقع في خضمّها، علي عكس ما تصوره البعض من الفصائل الفلسطينية، الذي، وبعد تشكيل السلطة الفلسطينية كحصيلة لاتفاقيات أوسلو، قيّم خاطئاً تلك المرحلة، منتقلاً الي الأخري التالية، وهي مرحلة التحرر الوطني الديمقراطي!

وبعيداً عن تضمين الآراء ووجهات النظر، للمقولات الفلسفية التي أثبتت فعلها الكبير في التجارب الأخري لحركات التحرر الوطني، التي انتصرت في تنفيذ برامجها ووصلت الي أهدافها، وفرضت حقائقها، ومع (تفصيل) هذه المقولات علي الواقع الفلسطيني، وكذلك العربي، فان هذه المقولات/الحقائق تفرض أسانيدها باعتبارها مرتكزات أساسية في علم الثورة.

واذا كان الوجود الاجتماعي هو الذي يُنتج الوعي، فان الأخير وفي بعض جوانبه هو انعكاس للواقع. بالتالي، فان استعراض سماته وحقائقه السوداء، لا يعني بالضرورة نسيان أو تناسي الانجازات الكبيرة للنضالات الفلسطينية المتمثلة في مجالات وعناصر كثيرة، لعل أبرزها: الحفاظ علي الهوية الوطنية لشعبنا في كل المحطات وبالرغم من كافة المخططات التآمرية التي استهدفتها، التأكيد علي وحدة الشعب الفلسطيني في مواقعه الثلاثة: الضفة الغربية وقطاع غزة، الشتات، ومنطقة 48، بعد محاولات تهويد وأسرلة كل سكان الأخيرة من الفلسطينيين، والانجاز التاريخي المتمثل في الحفاظ علي منظمة التحرير الفلسطينية، وفرض الهوية الوطنية الفلسطينية بمشروعها وحقوقها علي الساحة الدولية (وفي بعض اتجاهات الساحة العربية) من خلال الانتقال من حلقة (اللاجئين) الي دائرة الشعب صاحب القضية والحقوق. ولعل من أبرز انجازات النضال الوطني الفلسطيني، هو المزيد من مفاهيم تأصيل وتمسك جماهير شعبنا بحقوقه الوطنية، ان في العودة وتقرير المصير واقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس، أو رفض الهيمنة الاسرائيلية بكافة أشكالها، وتأكيد شرعية مجابهتها بكافة الوسائل والسبل، بما في ذلك، الكفاح المسلح، رغم كل المؤامرات ومحاولات فرض المفاهيم الجديدة باعتباره (ارهاباً)، ولعل الأهم: هو استعداد الجماهير الفلسطينية وفي كل مواقعها للسير بالثورة، حتي الانتصار وتحقيق الأهداف، بالرغم من كل التضحيات الكبيرة والأشكال المختلفة من المعاناة الشديدة القسوة، في ظل رؤية صحيحة لنهج ومسيرة الصراع الفلسطيني/العربي ـ الاسرائيلي وما يتطلبه ذلك من تضحيات.

وفي سبيل الحقيقة، ومن أجل عدم الافتئات علي جوهر الموضوع المطروح، فان بعضاً من الجوانب المتمثلة في ظروف ذاتية وأخري موضوعية أحاطت وتحيط بقضيتنا الوطنية وعموم جماهيرنا، والتي جعلت من التجربة النضالية الفلسطينية في اطار ثورتها المعاصرة وفي كل حقائقها الصراعية الأخري مسألة فريدة في النضال الوطني التحرري، ان من حيث استثنائية العدو التي تواجهه، في أهدافه الاقتلاعية لشعب متأصل في أرضه، وامتدادات هذا العدو المختلفة الأشكال: الحركة الصهيونية باعتبارها الحزب الأكثر تنظيماً في التاريخ، الصهيو ـ مسيحية، سيطرته علي مفاصل رئيسية تتحكم نسبياً في بعض جوانب الصراع الدائر، وبخاصة من حيث تفهم أهدافه وسياساته و(حقوقه) من قبل قطاعات كثيرة علي الصعيد الدولي، وأيضاً تحالفاته الدولية الاستراتيجية، التي توفر له أرضية خصبة للاستمرار، بالرغم من تصوره الشمولي القائم علي الهيمنة والسيطرة، ليس علي فلسطين وحدها وانما علي المنطقة برمتها (وان اختلفت أشكال هذه السيطرة) وبالرغم من نهجه العدواني، الذي يماهي النازية والفاشية وكل التجارب الشبيهة الأخري علي مدي التاريخ.

استثنائية نضاليةاستثنائية العدو، تفرض بالضرورة استثنائية نضالية للقوي التحررية التي تجابهه. من تلك الجوانب أيضاً: أن مئات الآلاف من الفلسطينيين جري اقتلاعهم من وطنهم التاريخي في عام 1948، وهجّروا الي دول عربية مجاورة وباتوا جزءاً من واقع هذه الدول (حتي مع اختلاف أشكال التعامل الرسمي معهم)، وأن الثورة الفلسطينية المعاصرة انطلقت من خارج أرضها ووطنها، وبذلك افتقدت الكثير من الميزات.

هذا الواقع سيفرض بالضرورة مهمات جديدة علي حركة التحرر الوطني الفلسطينية، فاضافة الي أهمية خلق الربط بين الخاص الوطني والعام القومي، فان تبعات هذا التواجد للاجئين الفلسطينيين في أكثر من دولة، يفرض علي الفصائل الفلسطينية أخذ الكثير من الجوانب في المسار السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي لهذه الدول في مجري الصراع.

من جانب آخر، فان هذا التشابك، جعل من الثورة الفلسطينية هدفاً في محطات تاريخية كثيرة للتآمر عليها ومهاجمتها عسكرياً من قبل أطراف عربية مما أدّي الي مراكمة المزيد من هذا التشابك.

نقول ذلك، ليس من زاوية اجترار التاريخ، ولا لالقاء تبعات الفشل علي نظرية المؤامرة، التي يري البعض فيها، أنها ليست نظرية فعلية، بل مزاجا سياسيا خرافيا عاجزاً عن التحليل السببي للهدف والتعامل مع نتائجه، ولا من أجل التخفيف من حدة المؤامرات التي تعرضت لها وما تزال ثورتنا وقضيتنا، ولكن من أجل ايضاح مدي الدقة التي كان من المتوجب علي حركة تحرر وطني أن تأخذها بعين الاعتبار في تحليل ظروف الواقع التي تتواجد فيه والأرض التي تقف عليها، ليس فقط من أجل النضال في الوسط الفلسطيني فيها، بل أيضاً، من أجل تجميع ومراكمة الجهد الجماهيري العربي فيها، ليصب كرافد أساسي واضافي في مجري الصراع مع العدو. ذلك يقتضي دراسة هذا الواقع في مختلف جوانبه، دون مصادرة وتجاوز القوي الوطنية في هذه البلدان، ولا تحمّل المهمات بالانابة عنها، وأيضاً في ظل واحدةٍ من أبرز حقائق الواقع وهي الارتباط العضوي بين الخاص الوطني والعام القومي، ان من حيث الاشكالات والتحديات التي تواجهها عموم حركة التحرر الوطني /الوطني الديمقراطي العربية والمعارك/ المهمات التي يتوجب عليها أن تخوضها معاً (علي قاعدة حلقات السلسلة وتكاملها) وبغض النظر عن خصوصيات ومهمة الفصيل الواحد /الفصائل في بلدها.

لذا فان من الاستحالة بمكان استعراض أزمة الفكر السياسي الحزبي الفلسطيني في اتجاهاتها الثلاثة، بعيداً عن الكتابة حول أزمة الفكر السياسي الحزبي العربي، كون الحلقة الفلسطينية وفي بعض جوانبها، تشكل امتداداً لواقع الحركة التقدمية العربية.

لماذا الهزائم العربية؟

الفكر السياسي العربي في أزمة، قد تختلف تسمياتها وتفسير أسبابها، لكنها تظل قاسماً مشتركاً بين اجتهادات كل التحليلات، والا فما هو تفسير الهزائم السياسية، العسكرية، الاقتصادية، الفكرية، والاجتماعية العربية التي تعانيها أمتنا العربية في كل مواقعها؟ ودون التطرق الي توصيف الحالة العربية من التراجع وصولاً الي التخلف، فذلك أصبح ملموساً لمطلق مواطن عربي من المحيط الي الخليج، فان حلقات أزمة الفكر السياسي العربي تتمثل في جانبين رئيسيين: أزمة ادراك حقائق الواقع العربي بمجالاته المختلفة والاستفادة من الخلفيات والأبعاد الأيديولوجية في قراءة هذا الواقع، وبالتالي فان الجانب الأول للأزمة مثلما يحدده الأستاذ كريم مروة هو أزمة الوعي.. أما الوجه الثاني فيتلخص في عجز القوي التقدمية العربية عن قراءة ومواكبة التطور في مضمون وأشكال الاستهدافات الجديدة، بحكم المتغيرات السريعة العالمية في المجالات المختلفة، وحتمية ضرورة الارتقاء بأشكال وآليات مواجهتها، وبالتالي، فان الجانب الآخر للأزمة هو: أزمة التطور، بكل ما يعنيه ذلك من أشكال تفصيلية وتداعيات.

واذا جاز لنا أخذ الواقع العربي من خلال حقائقه الأساسية المتعددة… يمكن القول وبايجاز ما يلي:

أن النظام الرسمي العربي يعيش هاجس الدولة القطرية، وحماية الذات فيها ومن خلالها وهي الدولة الضعيفة في بنيتها (ربما باستثناء أجهزتها الأمنية) سياسياً، اقتصادياً، عسكرياً واجتماعياً، ذلك أن تأسيسها لم يجر علي المرتكزات الأساسية النمطية في عملية البناء، باعتبار هذه المرتكزات قواعد للتطور في اطار المبادئ الديمقراطية، مما جعل مفهوم الدولة في نظر السلطات الحاكمة فيها، مرتبطاً بما تقدمه أجهزتها كافة للائتلاف الحاكم من خدمات. هذه الدولة الهشة، ومع حقائق العصر الجديدة، واضافة الي اشكالاتها السياسية والاقتصادية فهي عرضة لأنماط جديدة من الصراعات الاجتماعية فيها: مذهبية، طائفية، اثنية، قبلية، بنيوية، وهي الأشكال من الصراعات التي نشهدها في أكثر من دولة عربية، والمرشحة للانتقال الي دولٍ أخري، ونتيجة للتطورات السياسة والاقتصادية العالمية، حيث أصبحت التداعيات تتمثل في: زيادة التبعية والالحاق بالمشروع الأمريكي ولاقتصاديات العولمة، ولتعاليم البنك الدولي، علي طريق الاستهداف القاضي بالانصياع التام للمشروع الاسرائيلي، والتعامل مع الحقائق الاقتصادية الجديدة كهدف بديل للتنمية الداخلية والنمو الاقتصادي الحقيقي، وتحقيق المنجزات الوطنية، وتبعات ذلك في المظاهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائرة في طريق التراجع المتدرج نحو المزيد من التفاقم الأزموي. أما علي صعيد الأنظمة ذات الأصول القومية العربية فقد فشلت في انجاز المهمات الوطنية الديمقراطية لشعوبها، وانهيار تجربة الوحدة بين مصر وسورية في عام 1961، وكل التجارب اللاحقة الأخري، وهزيمة 1967 وما عنته من بداية النهاية لمرحلة التحرر الوطني الديمقراطي، والتطورات التي أعقبت اتفاقيات كمب ديفيد، وأحداث العراق والكويت، واحتلال العراق والعدوان الصهيوني المستمر علي الشعب الفلسطيني والأمة العربية… أما علي صعيد القوي التقدمية العربية، باتجاهيها القومي واليساري (والديني فيما بعد) فانها ما زالت تعيش الأزمة بكل عناصرها المتعددة، فمن أخطاء تحليل الواقع الي أخطاء آليات التغيير وأخطاء الخطاب السياسي، فان كثيراً من أحزاب وقوي اليسار العربي، وبالرغم من تأكيد الماركسية علي الجوهر الاقتصادي الطبقي للامبريالية بكافة أشكالها، الا أنها وبمجرد انتقال البورجوازية الوطنية الي الحكم، مالت الي دعم هذه البورجوازيات تطبيقاً لتحليل نظري يري بأن الاستعمار هو ظاهرة سياسية، ووصل الأمر ببعض أحزاب هذا الاتجاه الي حل نفسه علي قاعدة (الايمان) بالنظام البورجوازي الوطني لاحداث التغيير. كما أن البعض من هذه الأحزاب، تعاملت مع واقعها العربي ومثلما يقول د. هشام غصيب باعتباره (رأسمالياً تابعاً) وليس اقطاعياً تقليدياً، وقبائلياً وعشائرياً في جوانب كثيرة من بنيته الاجتماعية، وبالتالي، فان البرجوازية في هذه البلدان لا تتخذ سمة البرجوازية الوطنية، وانما هي بورجوازية طفيلية تابعة، تنقصها الثقافة البورجوازية الغربية ابان صعودها، وبالتالي كان من الخطأ تطبيق النموذج الغربي علي الواقع العربي، هذا الاستنتاج، ربما لم يكن من السهل الوصول اليه في مراحل سابقة (قبل العولمة ومفاهيمها الجديدة في كل المجالات) ولذلك ومع الأطروحات العولمية الجديدة، بتنا نشهد تحالفاً لهذه القوي مع الدكتاتوريات الحاكمة في بلدانها، لصالح تلك الأطروحات العولمية استناداً الي المصالح المشتركة بين كافة هذه الأطراف. غير أن ذلك لا يعفي القوي المنوطة باحداث التغيير من الاستمرار في محاولة القراءة الدقيقة للواقع اعتماداً علي الأساس الفكري لها، بغض النظر عن السمات الطارئة الجديدة فيه!

اخفاق الاتجاهين: القومي واليساري في مهماتهما، ساعد علي تنامي القوي الدينية بمختلف تلاوينها واحتلالها لمراكز متقدمة في بلدانها!

نحن لا ننكر أن حدثاً عالمياً كبيراً، كانهيار الاتحاد السوفييتي قد ترك تأثيره الكبير السلبي ليس فقط علي صعيد ظاهرة الأحادية القطبية وتحكم الولايات المتحدة في العالم، والموازين الدولية، وانما من حيث التأثير علي عموم الحركة الشيوعية واليسارية علي الصعيد الدولي، بما فيها المنطقة العربية، وما أحدثه ذلك فيها من هزات مختلفة كبيرة… هذا لا ينفي بالطبع تقصيرات هذه الأحزاب والقوي اليسارية العربية في رؤيتها لواقعها وبالتالي لطبيعة مهماتها، فاضافة الي الصراع الذي كان قائماً بين الاتجاهات القومية والشيوعية العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين نتيجة لعدم تحليل الأخيرة للواقع العربي، ولمعطياته، ومن ثم ممارسة شكل استفزازي في معظم الأحيان من خلال الترويج لقضايا مفصلية كثيرة: اعتبار الشعوب العربية (أمماً) في طور التكوين ونفي وجود الأمة الواحدة، عدم الانشداد الي (بل في بعض الأحيان محاربة) مفهوم الوحدة العربية، اتهام الاتجاهات القومية بالشوفينية بعيداً عن برامجها الوطنية والوطنية الديمقراطية، عدم التعامل مع الخطر الاسرائيلي وفقاً لما تمثله اسرائيل من خطر حقيقي علي عموم العالم العربي وقواه التحررية والوطنية، من خلال الدفاع (وفي مرحلة مبكرة بعد انشاء اسرائيل) عمّا سمي بحل: الدولتين لشعبين، مع ما يمثله ذلك من دفاع غير مباشر عن الوجود الاسرائيلي، وذلك انسجاماً مع وجهة النظر السوفييتية وعموم دول المنظومة الاشتراكية، حول هذه المسألة الصراعية الكبري، بعيداً عن الحل الماركسي للمسألة اليهودية، المتمثل في: ما قاله ماركس من (أن اليهودية استمرت بفضل التاريخ، وليس رغماً عنه… ولذلك، فان تحرير اليهود يعني تحرر المجتمع من اليهودية) وما قاله لينين من (أن فكرة الأمة اليهودية هي فكرة رجعية)… هذه المواقف ساهمت في تراكم أخطاء قراءة الواقع، وفي ابتعاد الجماهير العربية عن حاملي لواء هذه الأفكار، وفي المزيد من تاريخ الأجزاء مع أصحاب وأحزاب الاتجاهات الفكرية الأخري.

ولعل من أبرز أخطاء اليسار العربي أيضاً، التعامل مع الفكر الماركسي بالشكل الميكانيكي البحت، خارج اعتباره نظرية ثورية علمية (مثلما حددها فلاسفتها ومنظروها)، وفي شكل منقطع بالكامل عن الواقع المحلي للأحزاب، وتحليله وكشف تناقضاته، اعتماداً علي تفسير نظري عام، يقوم به المركز العالمي للحركة الشيوعية، الأمر الذي ولّد أشكالاً كثيرة من الخلل، انْ في فهم حقيقة هذا الواقع، أو في ايجاد الحلول للخروج من مآزقه الكثيرة، في اطار من الفهم النمطي لمبدأ المركزية الديمقراطية، مع التغليب الدائم للمركزية، واعتبار أية آراء وأطروحات جديدة للأعضاء فيما يتعلق بفكر الحزب ونهجه في المجالات المتعددة، خروجاً علي ماركسية الحزب، وعلي الشيوعية، علي طريق اتهامات أعنف.

هذا الشكل الأبوي في الفهم سيولد تداعياته أيضاً المتمثلة في جمود القيادة، مما سيؤثر بالضرورة علي مفهوم التشبث بها، باعتبارها: الحافظ، الضامن، لخط سير الحزب…. كما سيؤدي الي الانغلاق أمام الجديد من الفكر، والرؤي السياسية الصحيحة وفقاً لمتطلبات المرحلة في السياق التاريخي للتطور. من جانبها، فان الأحزاب القومية الاتجاه، واضافة الي انغلاقها النسبي أمام الأفكار التقدمية الأخري (بخاصة في الخمسينيات وبداية الستينيات)، ومع تصورها (الذي كان مطلقاً في بدايات تأسيسها) بأن الفكر القومي فقط، هو الصالح لحل أزمات المجتمع العربي، أبقت علي نمط سلفي قومي من الفكر، غير آخذة بعين الاعتبار الأشكال المتطورة للحداثة، وبذلك وبدلاً من الحوار بين كل التيارات الفكرية… فان شكلاً من العداء (ان جاز التعبير) كان منتصباً علي الدوام بين التيارات الفكرية التقدمية العربية، مما أثر ليس فقط علي مجموعها معاً، وانما أيضاً علي فصائلها وأحزابها علي المستوي الفردي.

من الجدير بالذكر، أنه وفي تنامي واندفاعة الأحزاب والاتجاهات الدينية العربية، واضافة الي ما ذكرناه سابقاً من سبب رئيسي: اخفاق القوي التقدمية العربية الأخري في برامجها النضالية، فان لجوء سلطات الدولة العربية (وفي أكثر من قطر عربي) وحرصها علي نمو هذه الأحزاب والحركات، أدّي بها الي اعتبار هذه الأحزاب بديلاً مضموناً وأقل خطراً من ذوي الاتجاهات الفكرية الأخري، وتمثّل في نمط من العلاقة التحالفية القائمة علي الاسناد والدعم (وبخاصة في تجربة أفغانستان تحت لواء محاربة الخطر الشيوعي) الأمر الذي ساعد علي لعب دور أساسي في عملية النمو، اضافة الي التخلف والاستبداد والفقر كمظاهر سائدة في غالبية المجتمعات العربية، وهو ما سيؤثر بالضرورة في تسريع عملية النمو. هذا ما اعتبرتُه أساساً موضوعياً وأرضية مهمة قبل الانتقال الي أزمة الفكر الحزبي السياسي الفلسطيني.

الأزمة علي الصعيد الفلسطينيبعيداً عن الخوض في علم السياسة ومذاهبها، فان (السياسة) كتعبير دلالي، تختلف عن (الفكر السياسي)، ذلك أن الفكر كمعتقد أيديولوجي، أيّاً كانت مبادئه، يصنع الدائرة، المعبّر عنها كهدف استراتيجي لمطلق حزب أو فصيل تحرري وطني يسعي من أجل تحقيقه، وهو بذلك يحدد الاطار للحركة السياسية التي يمارسها، والمرتبطة وجوباً والحالة هذه بخدمة ومواءمة الأهداف الاستراتيجية.

ذلك لا يعني علي الاطلاق، تحديداً لحركة السياسة (مثلما قد يتوهم البعض) بل تجنيباً لها من القفز الي الهاوية في المراحل النضالية المختلفة، وبما يلحق أفدح الأضرار بالقضية الوطنية والهدف/الأهداف المأمول تحقيقها من هذه الحركة ومجمل النضال!

عرّف غورباتشوف السياسة، بأنها (فن الممكن)، وهو ما أوصل الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية الي الانهيار، بالتالي، فان حدوداً ما، يتوجب علي الحركة السياسية أن لا تتجاوزها، والا أصبحت نمطاً من الحركة، مدمرا في نتائجه، ذلك لا يعني جموداً وانغلاقاً! بل هو الحرص علي الهدف النضالي أولاً وأخيراً.

لقد أرسل لينين، قائد ثورة أكتوبر الاشتراكية في روسيا بمقالة تتضمن شعاراً سياسياً يتعلق بالوضع الداخلي، كان علي الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي، أن يرفعه آنذاك، الي رئيس تحرير (الايسكرا) جريدة الحزب، لتُطبع وتظهر في اليوم التالي، ولأن عدد الجريدة كان في الطباعة بعد أن تم اعداده، أجاب رئيس التحرير قائد الحزب، بأنه سيطبعه في اليوم التالي، وهنا أجاب لينين بجملته المشهورة، بأن الشعار كان ينفع لذلك اليوم تحديداً، وبالتالي، فلا داعي لطباعة المقالة في اليوم التالي.

السياسة، اذن هي فكر وأيدويولوجيا، هي ثقافة، وهي نهج ومسلكية، يتوجب أن تتحلي بمواصفات مثل: المرونة، التكتيك، الحركة، الفهم الجماهيري لها واقترابها من مطالب هذه الجماهير، بعيداً عن الانغلاق والدوغمائية، والجمود.. ولكن عليها أن تصب في النهاية في مجري خدمة الأهداف الاستراتيجية.

ولذلك، ومنذ البداية… ودون التطرق الي أحداث كثيرة، باستثناء المفصلية منها، فان محاكمة السياسات الفلسطينية لمختلف الاتجاه، يتوجب أن تنطلق من مدي خدمتها للأهداف الاستراتيجية، آخذين بعين الاعتبار الاخفاقات الكبيرة في محطات كثيرة وصولاً الي الراهن.

وعلي صعيد التطبيق، فانه ومع بدء النضال والكفاح الفلسطيني المعاصر، مروراً بارهاصات ما قبل عام 1967، بكل ما عنته الهزيمة وتداعياتها، والانطلاقة الحقيقية للثورة الفلسطينية المعاصرة بكافة اتجاهاتها وصولاً الي اللحظة السياسية الراهنة، يمكن القول:

كافة اتجاهات النضال الوطني الفلسطيني، التزمت في نهاية الستينيات، بالميثاق الوطني الفلسطيني (المقر في دورات المجلس الوطني لمنظمة التحرير) وفي أدبياتها التنظيمية، بتحرير كامل التراب الفلسطيني كهدف استراتيجي لها، وانشاء دولة فلسطين الديمقراطية، التي يتعايش فيها الفلسطينيون (مسلمين ومسيحيين ويهودا)، في دولة مستقبلية ديموقراطية ذات أبعاد وانتماءات قومية عربية، وحددت أن الطريق الوحيد لانجاز هذه المهمة هو الكفاح المسلح من خلال حرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد.

حدد الميثاق، طبيعة العدو وامتداداته وتحالفاته وخطره ليس علي فلسطين وحدها، وانما علي كامل الأمة العربية من محيطها الي خليجها، وعلي الانسانية أيضاً. كما أكد علي البعد العربي والانساني للنضال الوطني الفلسطيني… الي آخر كل المرتكزات الأساسية التي تحدد الاستراتيجية النضالية الفلسطينية! ولكن كيف جري التعامل سياسياً مع هذه المرتكزات علي صعيد كافة الاتجاهات الوطنية الفصائلية الفلسطينية؟

الاتجاه الوطني العامبداية، من الصعب اطلاق تعبير آخر علي التنظيم الممثل لهذا الاتجاه، والذي هو أقرب الي الجبهة الوطنية العريضة منه الي الحركة الواحدة أو الحزب الواحد، بالرغم مما اعتمده في اطاراته الداخلية من أدبيات، كسمات رئيسية ومحددات لهويته الوطنية، لذا، فهو يجمع بين مختلف الاتجاهات الفكرية، والولاءات الكثيرة، والارتباطات المتعددة، الأمر الذي سيخلق بالضرورة مظاهر سلبية كثيرة في الأداء السياسي لأصحاب هذا الاتجاه… أداء سياسي يتدرج في تناقضه مع خدمة الأهداف الاستراتيجية، وصولاً الي التنازل التدريجي أيضاً عن هذه الأهداف، ابتداءً بالبرنامج المرحلي، الي اتفاقيات أوسلو وتشكيل السلطة، والغاء الميثاق، وصولاً الي مرحلتنا الراهنة بكل سماتها وأبعادها، التي جري التطرق اليها.

الأدهي، أن كل تلك التنازلات لم تأت انعكاساً لتغيير جوهري استراتيجي في مواقف العدو، بالنسبة لفلسطين والحقوق الفلسطينية أو لعموم المنطقة العربية… وكل ما بدا أنه متغيرات اسرائيلية، لم يتعدّ كونه مواقف تكتيكية دون مساس المضمون والجوهر، رغم التبدل اللفظي علي صعيد الكثير من القضايا. هذه المواقف للعدو، جاءت بفعل النضال الوطني الفلسطيني وما أحدثه في الصراع من متغيرات حقيقية، والتي لو جري الاستمرار في النهج الكفاحي متعدد الأشكال التي أحدثها، لساهم في تراكم الانجازات الفلسطينية، الأمر الذي كان سيؤدي بالضرورة الي تغير نوعي في موقف العدو. المواقف التكتيكية للعدو، جاءت أيضاً نتيجة للمتغيرات السياسية الدولية، وبقاء حركة التحرر الوطني الفلسطينية، كحركة وحيدة متبقية من كل حركات التحرر الوطني علي الصعيد العالمي، وما عناه ذلك من اتجاهات لايجاد الحلول لهذا الصراع.

نقول عن البعد التكتيكي للسياسات والمتغيرات الاسرائيلية، لأن حقيقة ما تطرحه اسرائيل من مفهوم (للدولة) الفلسطينية، ليس أكثر من حكم ذاتي علي القضايا الحياتية للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، وفي ظل لاءات حمراء اسرائيلية للحقوق الوطنية الفلسطينية… والحكم الذاتي في جوهره، ينطلق من حسابات استراتيجية اسرائيلية، انْ فيما يتعلق بالديموغرافيا وحساباتها، أو في هوية الدولة الاسرائيلية، كهوية يهودية، باعتبار ذلك هدفاً اسرائيلياً.

أما بالنسبة لمشروع (دولة اسرائيل الكبري)، فانه وفقاً لحقائق العصر، ومعطياتها التأثيرية علي الصراع مع العرب، ومع استحالة تحقيق هذا المشروع لعوامل كثيرة، منها ما يتعلق بالبنية الاسرائيلية الحالية، فان الهيمنةالتي تعكس جوهر المشروع قد تتخذ منحيً وشكلاً آخرين، كالهيمنة الاقتصادية، ومنع الدولة العربية/الأحزاب العربية، من امتلاك أية أسلحة قد تهدد الأمن الاسرائيلي، ولذلك يجري طرح (الشرق الأوسط) الكبير كهدف أمريكي ـ اسرائيلي علي قدمٍ وساق. أصحاب هذا الاتجاه، ماضون في أدائهم السياسي الخاطئ والمدمِّر للمشروع الوطني الفلسطيني برمته، ذلك بتجاهلهم للآفاق والحدود التسووية التي من الممكن أن يصل اليها المفاوض الاسرائيلي.

أخطأ هذا التنظيم في سياساته بالنسبة العضوية بين الخاص الوطني والعام القومي في مجالاته المتعددة، فمن السماح (للبترودولار) بالتأثير وصولاً الي التدخل في صياغة السياسة الفلسطينية، وصولاً الي شعار (يا وحدنا) وتداعياته، ان من خلال المزيد من الاغراق في القطرية، واعفاء النظام الرسمي العربي من مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية، وما يشكله ذلك من امتداد لخطأ سياسي عربي كبير، كان سائداً بعد عام 1948 وامتد لسنوات طويلة حتي انطلاقة الثورة، والذي تمثل في هيمنة العالم العربي علي الخاص الفلسطيني…. أو في النحيب والبكائيات أثناء المنعطفات الصعبة من عدم التأييد الفعلي لقضايانا! كاتب فلسطيني يقيم في الاردن7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية