في وداع ابن غزة الشاعر علاء الدين كاتبة

حجم الخط
0

نصر جميل شعث

لم أحضرْ جنازة الشاعر والناقد الصديق علاء الدين كاتبة (42 عاما)، الذي آلمني رحيله المفاجئ، إثر سكتة قلبية، مساء يوم الأربعاء، في الثامن من الشهر الماضي. سبب تغيّبي عن المشاركة في مراسم الدفن؛ هو أنني لم أكنْ لأقوي علي السير خلفَ أو بمحاذاة الجثمان، مع أصدقاء لن يملكوا، في هذه اللحظة، أكثر من طأطأة الرؤوس، وتبادل النظرات، والاستماع إلي الخطوات، وانسحاب الضوء في الظلال!! إنها أربع علامات للهزيمة أمام الله. قلت لنفسي، وأنا أتصوّر مشاركتي في التشييع: إن هذه النظرات المتبادلة، بيننا، ليست سوي تعبير فائض، عن عجز الإنسان علي استرداد من يذهب. وعجزه، بالأحري، عن حماية نفسه من الموت. فلا أحد يستطيع أن يحمي نفسه، لا أحد يستطيع أن يحتمي، من الموت، بالانغمار في فيض نظرات الناس والأصدقاء، أو في أحضانهم. هكذا أمسي موت صديقي علاء هو موتي الشخصي، حين أخبرني، الصديق الشاعر خالد جمعة، تلك الليلة، بالخبر الفاجع. حيث تجلت أمامي، دفعة واحدة، صورة الراحل. وبسرعة البرق، وكمن يخلق شتاءً من ليل قائظ صِغتُ خَبَرَ رحيله. في البدء، لم أصدّق خبر الوفاة. ولكنني كتبت نعيا تحت عنوان: رحيل صاحب أحلام السنونوّة (أحلام السنونوة عنوان ديوانه الوحيد)، وأرسلته للمحرر الثقافي في جريدة إيلاف، الشاعر العراقي عبد القادر الجنابي. وما زلت لم أصدّق الخبر، إلي أن ظهر صباح يوم الخميس؛ فصدّقته عند قراءتي، أيضًا، نعي الجبهة الديمقراطية للراحل، في وكالة الأنباء الفلسطينية وفا. فأقنعت نفسي بأنه لا فائدة: علاء مات!! إنّ غيابه هو الحضور مضاعفًا له فيّ، الآن. ففي العام 2000، كان هو أوّل من أعلن إعجابه بما كنت أخربشه، في بداياتي، وأنشره في ملحق يرعات، الذي كان يصدر كل أربعاء مع جريدة الأيام الفلسطينية. لم أكنْ وقتها أعرف علاء، الذي يكبرني بقرابة عقد. ولكن، كما أخبرني الصديق علي أبو خطاب وهو لاحقًا، كان يسأل عن شاب يحمل اسمي ويوقع باسم مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة. وعلي ما ذكر لي الراحل، أنه قصّ قصاصة من أحد الملاحق، فيها قصيدة قصيرة بعنوان إله، احتفظ بها، وطلب من علي أبو خطاب أن يبحث عني. وبالفعل حدث ذلك، حيث لجأ المكلّف بالبحث في دليل الهاتف عن اسم والدي؛ فحصل علي رقم تلفون البيت. اتصل وسأل عني، وبالطبع كنتُ، وكان شخص مجهول، في البداية، يكلمني ويسأل هل أنا أنا بطريقة سريعة سَرَد خلالها الكلام الكثير، وذكر بعض الأسماء التي كان علاء كاتبه أبرزها. ومن يومها، أقيمت علاقات حميمة وإبداعية بيني وبين الراحل وأصدقاء آخرين مثل الصديق الشاعر معين شلولة. فكنا نقضي أوقاتًا كثيرة في النقاشات الشعرية والثقافية والحياتية؛ بعض اللقاءات كان يحدث في بيت علاء، بالقرب من شارع النصر، الذي يتفرع منه شارع جامعة القدس المفتوحة، بمدينة غزة. كان الجوّ الحميمي يسمح لي ولمعين بعمل قهوتنا بأنفسنا في المطبخ المفتوح علي الصالة التي كان يجلس فيها علاء، وهو يحمل أجندة ثقافية ويخطط لفعالية أو نشاط، ويبتسم أو يملأ الأجواء نزقًا خلاّقا. كانت الانتفاضة الثانية قد بدأت، وكنا مجموعة أصدقاء نصيغ رؤي ونرسم طموحات كثيرة في الأفق المنظور فوق بحر غزة. وكان إصرار قويّ يبني علي أسس الوعي والعزم بجعل غزة مجالا حيويا لتجديد الإبداع ومواكبة الطاقات الشعرية؛ التي أخذت تتفجّر في قطاع غزة الفقير والموبوء بأسماء الظلام، وتتنوّع وتتوزع علي فنون التعبير والإضاءات المختلفة. كان المشهد الشعري في غزة مليء بالبشارة والقدرة الهائلة علي تجلي الطاقات الشبابية، التي تعلو علي الآثار المباشرة للانتفاضة والعدوان الصهيوني، بكتابة تتجه صوب الحياة، كتابة تمتدح ذاتها لأنها قادرة علي تلمس الفن وحماية حقوقه من الفَرْقعة، في ظل ظروفٍ ذاتية وموضوعية أشدّ اصطراعًا. التقيت بالصديق الراحل، في عدة نقاط، ولا سيما في نقطة النقد. كان لديه الكثير من الطاقة التي تتحوّل نصوصًا وإبداعًا. ولأنّ كلّ واحد منا يحمل طموحًا وأفكارًا بإحداث حراك بهيج ونقلات نوعية في الشعر والنقد المواكب؛ ذات يوم اقترحت عليه أن نشترك في كتاب نقدي؛ أبدي موافقة واستعدادًا، وأوضح لي أنه لديه الكثير مما يقال، وأنه يحبّ العمل المشترك. كان ذلك أيام نشاطات وأمسيات مركز البيادر الثقافي، وما تلاهها. ولكن، في مَضيق الوقت الذي نعبره في غزة، لم يكن الأمر بالهين والسهل، فالتحديات كبيرة. والإبداع يريد استقرار الجغرافيا والسياسة، علي كل حال. هو ذهب في خصوصيات الذات ومطبات النفس والحياة، وأنا ذهبت مثله وسافرت للإمارات. وعدتُ بعد فترة قليلة، أسأل عنه، لأجده واحدًا في العزلة كثيرًا.. تلك العزلة التي بقدر ما ملأها بالكتابة، تملأني الآن بالفقدان! كاتب من فلسطين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية