عن طريق الرسم تحذف الايرانية شرارة صالحي ما تراه

حجم الخط
0

اتت في موعدها لتنبئ عن اختلافها:

فاروق يوسف

في تجريدياتها تسعي الفنانة الايرانية شرارة صالحي الي استخلاص إلهام يصل بها الي ما لا يمكن أن يري من الحكاية الشرقية بكل منعطفاتها التراجيدية من غير أن تستسلم لتفاصيل السرد التي تعني بها تلك الحكاية. لدي هذه الفنانة ما تفعله بديلا عن الاهتمام بتلك البلاغة التي تضني الجمال من خلال تعبئته بالمعاني الصالحة للتداول. صالحي بعد أن اهتمت زمنا بتفكيك العناصر التصويرية لتلك الحكاية، نجحت في اكتشاف الممرات التي تقود الي الخلاصة الجمالية، حيث يكون في امكان الاقتضاب والتوتر اللغوي أن يصنعا مادة، يكون السطح التصويري حيزها الفيزيائي في حين يهبها فضاؤها التأويلي سعة استثنائية. وكما أعتقد فانها ترسم الان لتلتقط ذلك النغم الذي كان يأسرها (حين كانت ترسم الحكاية) من غير أن تكتشف يومها أسباب متعتها. هي لا ترسم اليوم فكرتها، بقدر ما تسعي الي استدراج ايقاع فكرة سكنتها منذ الطفولة. لقد كان للايرانيين دائما ولعهم الخاص بالحكاية الشعرية، وهو ما يدفع بصالحي الي الانفراد بالشعر الذي يضمخ تلك الحكايات، لا من أجل الكشف عن أسراره توضيحيا بل من أجل الاشتباك بغموضه. يأتي التجريد لديها ليعبر عن ضالة هي مزيج من الحيرة والاستغاثة والتوق الي معانقة المجهول. لذلك فان سطوحها لا تنبئ عن أشكال بعينها، بل أن يدها وهي ترسم تزيح كل شكل متوقع عن طريقها. لا شكلانيتها هذه تدفع بها الي تهديم الأشكال الثابتة، إن عبر تعرية تلك الأشكال أو حجبها، وفي الحالين فان الرسامة تعيش حالة من الاكتفاء البصري بعيدا عن كل شكل في امكانه أن يحيلنا الي معني يقع خارج اللوحة. وبالرغم من أن شرارة لا تهدم الأشكال التي تستعيرها من الخارج فانها في الوقت نفسه لا تعيد بناءها. إنها تضع تلك الأشكال في مكانها الذي تثق بأنه لن يعيق استرسال يدها في التماهي مع خيالها. لذلك تؤثث صالحي سطوح أعمالها بحركات لونية مرتجلة، تهب العين قدرة علي استئناف انصاتها الي موسيقي الخفاء التي تظل كامنة تحت السطح. 2لا توحي رسوم شرارة بالاهتمام بما يري. بقدر ما تسعي الي الانحراف بحواسنا في اتجاه الاصوات التي نسمعها لنتخذ منها سلما للوصول الي ما لا يري من وجودها، بصفتها نبوءات. هناك دائما فاصلة تقيم في اللون الواحد، فاصلة تهدم كل قناعة مسبقة بالايقاع لتهبنا القدرة علي أن نتخيل مناطق متباعدة يتغذي عليها خيال الرسامة، كما لو أنها تقفز لكن بحكمة واتزان من منطقة الي أخري داخل العمل الواحد. لا تكتفي بأثر الصوت بل تحاول القبض علي حساسية ذلك الصوت، بما يهبه وجودا غامضا يريحه من التشرد بين تخوم المعني، حيث يكتسب الصوت دلالة مختلفة، فهي تحيي قدرته علي أن ينعش وحدته بهواء عزلته الخلاقة. تتشبه رسوم شرارة صالحي بالموسيقي الشرقية من جهة قدرتها علي اختصار المسافة التي تقود الي الذات المنتظرة، الموعودة بقيامتها، كما لو أن اللوحات منطقة انتظار. وهي منطقة يتطلب الوقوف فيها الكثير من النسيان. كان الامريكي (من أصل ليتواني) روثكو يتحدث عن الرسوم التي تتشبه بالمعجزات فيما كان الالماني هارتونغ يذهب الي السطح مباشرة مثلما تفعل شرارة تماما، موعودا بلقي الجمال المنسي. وهو ما يجعل الرسامة الايرانية قادرة علي استدراج المعني الي قيامته نثارا من المواقف الاستفهامية، التي لا تعفي الجمال من حيرتها. شرارة ترسم لكي لا تصل الي معني بذاته، بل لكي تصف الطريق الي ذلك المعني. إنها تسلي يدها وهي تكتشف في كل لحظة الهام حياة جديدة. 3ليس لدي شرارة صالحي علامات أو اشارات تكررها لتدل عليها، سلوك يدها هو الذي يفصح عن شخصيتها ويقدم اسلوبها الحر في الرسم. وهي كمن يكتب يومياته في حالة استغاثة، رسومها تتبع خطواتها القلقة وهي تسعي الي انشاء فكرتها عن علاقة جمالية هي في طريقها الي التشكل. رسوم صالحي تستدعي يدها لا لكي تكون تلك اليد حارسة علي ما فعلته في أوقات سابقة بل لكي تواجه كل الذي فعلته بتوق استفهامي يتخطي البداهة. تسعي الرسامة الي تغطية كل شكل ايقوني يظهر فجأة بلهاث أصابعها، وهي في ذلك انما تستعيد تجربة الفرنسي هنري ميشو في تبقيعيته الغنائية الصارمة. غير أن نثار الاصباغ لدي صالحي يصنع سطحا شفافا هو في حقيقته مسافة تفصلنا عن الواقع. لا يزال لديها أثر من رسوم تشخيصية، كانت يوما ما تعبر عن ولعها النغمي بالحكايات التراجيدية. وهي إذ تغطي السطح بسطح آخر لا يغنيه تأويليا بل يناقضه ويمحو اجزاء منه فانما توحي برغبتها في أن تكون المشاهد الذي يعبث بذاكرته. مرآة هذه الرسامة تختزل العالم في صورة فرشاة متوترة، تقول كل شيء مرة واحدة: الخرافة كما الواقعة اليومية. كما لو أن الرسامة تريد أن تختصر مسافة تفصلها عن موعد مؤجل. 4من المؤكد أن مثل هذه الرسوم لا تمهد للانتقال الي مرحلة ما بعد الحداثة، فهي سجينة حداثة فقدت قدرتها علي التحول. غير أن شرارة صالحي وهي المثقلة بإرث المعني التصويري انما تسعي من خلال رسوم تجريدية خالصة الي الوصول الي خلاصات حداثوية تمهد الطريق الي تحول فني ذي معني. إن تحولات هذه الرسامة ما بين الحكاية الشعبية وبين التجريد الخالص انما تقرب الرسم من حافات نقائه، وهي الحافات الخطرة التي تمهد للانزلاق في اتجاه ما بعد الرسم. شرارة صالحي رسامة اتت في موعدها لتنبئ عن اختلافها. كاتب وناقد من العراق يقيم في السويد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية