نتائج الانتخابات الاخيرة تضع مستقبل اليسار المغربي امام علامات استفهام

حجم الخط
0

الرباط ـ “القدس العربي” من محمود معروف: اسئلة كثيرة طرحت بعد اعلان نتائج التشريعيات المغربية وانشغل قادة الاحزاب والمراقبون بعدها في تحليل سريع لعملية التصويت والنتائج من زوايا متعددة ومعها في تركيبة الحكومة التي ستفرزها هذه النتائج وبقي سؤال لم يطرح او تم تأجيله حول وضعية اليسار المغربي الخاسر الاول في هذه الانتخابات.

ووضع اليسار، ليس فقط الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي كان اكثر الاحزاب جروحا في العملية الانتخابية منذ بدء الاعداد لقوانينها المنظمة او الحملة الانتخابية او عملية الاقتراع وما افرزته، بل باليسار المغربي بكل احزابه وتياراته التي اظهرت نتائج الاقتراع، باعترافها، خسارتها الفادحة ولم تظهر هذه النتائج ان ما يطرحه هذا اليسار مقنع للناخب المغربي او ان الرسائل التي كان يبعثها لم تصل بشكل يدفع الناخب المغربي للذهاب الي صندوق الاقتراع والتصويت لاي طرف من اطرافه.

حسب الاعلان الرسمي لنتائج صناديق الاقتراع، ودون تحفظ او احتجاج، فإن اليسار المغربي بكل مكوناته حصل علي 1221051 صوتا اعطته 68 مقعدا من 325 هي مقاعد مجلس النواب أي اقل من 21 بالمائة من الاصوات، ورغم مرور اسبوع علي هذا الاعلان فإن أيا من احزاب اليسار لم تطرح سؤال لماذا هذه النتيجة الكارثية في بلد يعاني من القضايا التي تشكل محور النضالات واسس تكوين والتأسيس المفترضة لاحزاب اليسار.

واذا كانت نتيجة انتخابات السابع من ايلول/سبتمبر 2007 قد اعطت احزاب اليسار المغربي نتائج لا تختلف في حجمها عن نتائج الانتخابات التي عرفها المغرب منذ 1963 فإن اليسار كان دائما يبررها بتدخل السلطة والادارة لصالح احزاب اليمين ضغوطا وتقطيعا انتخابيا وتزويرا كان يصل الي سرقة السلطة لصناديق الاقتراع وتغيير نتائجها. وهو ما لم تقله هذه الاحزاب عن انتخابات الجمعة الماضي.

التحليل الاولي الذي قدم لنتائج الانتخابات ان المجتمع المغربي يذهب باتجاه اليمين بعد سقوط اليسار واطروحاته منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المعسكر الاشتراكي الحليف الطبيعي لليسار المغربي. وقد يكون في هذه الخلاصة بعض من الصواب اذا اخذت معزولة عن وضع اليسار المغربي منذ تشكيل الحكومة الثانية لعبد الرحمن اليوسفي الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 2000 التي بدأت تشهد تراجع الاندفاع الذي اعطته الحكومة الاولي التي تشكلت 1998 للحياة السياسية المغربية وتخليها رويدا رويدا عن دورها كحكومة لصالح القصر ليصبح العمل الحكومي عملا باهتا بعد زيادة نفوذ ما اطلق عليه حكومة الظل او الدور التنفيذي لمستشاري القصر.

الا ان الابرز في هذه المرحلة ظهور تململ داخل الاتحاد الاشتراكي، الحزب الرئيسي في اليسار المغربي، وبغض النظر عن اسباب هذا التململ، فإنه ادي علي مدار السنوات الست الماضية الي خروج عشرات الكوادر والاطر من صفوفه، لخلاف في التدبير الحزبي او حول تدبير الشأن العام او لطموحات وحسابات شخصية، ليشكلوا احزابا جديدة او ليكتفوا بالجلوس في موقع سلبي، علي هامش الحياة السياسية.

علي مدي السنوات الست الماضية تشكل من اطر كانوا مناضلين في صفوف الاتحاد الاشتراكي ثلاثة احزاب هي المؤتمر الوطني الاتحادي والحزب الاشتراكي والحزب العمالي وتيار الوفاء للديمقراطية الذي اصبح فيما بعد احد مكونات الحزب الاشتراكي الموحد، واعتبرت هذه الاحزاب والاطر التي اختارت الهامش، ان خصمها الرئيسي في عملها السياسي هو الاتحاد الاشتراكي. وحتي بعد اعلان نتائج اقتراع الجمعة الماضي اعتبرت هذه الاحزاب والتيارات ان هزيمة الاتحاد الاشتراكي وتراجعه من المرتبة الاولي في انتخابات 2002 بـ50 مقعدا الي الخامسة في انتخابات 2007 بـ 38 مقعدا، انتصارا لها وتبادل ناشطوها وقياداتها التهاني، رغم انها بمجموعها، اذا اضيف لها حزب الطليعة الذي انشق علي الاتحاد الاشتراكي 1983، لم تحصل الا علي 13 مقعدا.

وفي الحسابات السياسية فإن ما خسره الاتحاد الاشتراكي ليس فقط الـ13 مقعدا التي حصلت عليها الاحزاب التي خرجت من تحت عباءته، بل اضعاف هذا العدد ان كان بسبب النفور الطبيعي للناخب من أي حزب يعرف خلافات كانت دائما تصور انها خلافات علي المصالح او امتيازات العمل العام او بسبب الحملة الشرسة التي شنتها هذه الاحزاب او الاشخاص علي الاتحاد الاشتراكي مع خروجها من صفوفه واعتباره الخصم وتركيز نشاطاتهم السياسية والتعبوية ضده، ويقول موريس دفيرجيه احد اهم الباحثين الفرنسيين في ميدان الاحزاب ان التنافس بين الاحزاب التي تتصارع علي كتلة المؤيدين نفسها، أي ذات المذهب الفكري المتقارب، اكثر شراسة منه بين الاحزاب المتنافرة او المتباعدة.

مع بداية الاعداد للانتخابات التشريعية التي جرت يوم 7 ايلول/ سبتمبر، بدا واضحا ان المعركة الانتخابية ستكون بين اطراف اليسار المغربي، حين اقترح علي الاغلبية الحكومية ان ينص القانون المنظم للانتخابات علي ما يعرف بالعتبة، أي حرمان أي حزب خاض انتخابات 2002 ولم يحصل علي اكثر من 3بالمائة من الاصوات من حق الترشيح للانتخابات الجديدة او الزام الاحزاب التي لم تخض الانتخابات بالحصول علي توقيعات منتخبين ومواطنين لتمنح حق الترشيح.

والاقتراح قدم من المراجع العليا بناء علي طلب الحركة الشعبية، يمين مشارك بالحكومة الا ان احزاب اليسار اعتبرت الاقتراح محاولة من الاتحاد الاشتراكي لحرمانها من خوض المعركة الانتخابية، وعندما عدل المجلس الدستوري مشروع القانون بالغاء العتبة اعتبرت هذه الاحزاب في بلاغات رسمية او مقالات كتبها ناشطوها بأنه صفعة وهزيمة للاتحاد الاشتراكي الذي دافع عن مقترح العتبة بصفته جزءا من الاغلبية الحكومية والتزاما منه بما يتم الاتفاق عليه، رغم ان احزابا مشاركة بهذه الاغلبية تبنت في اعلامها موقفا معارضا. لكن معاداة احزاب اليسار للاتحاد الاشتراكي لم يكن العامل الوحيد في تراجع الاتحاد، اذ هناك عوامل تتعلق بادائه الحكومي، فاذا كان من الطبيعي ان يفقد أي حزب الكثير من التأييد بعد عشر سنوات من تدبيره الشأن العام، وهو ما حصل في اسبانيا للحزب العمالي الاشتراكي الاسباني (اليسار) الذي حكم اسبانيا من 1983 الي 1994 ومن بعده الحزب الشعبي (يمين) الذي حكم من 1994 الي 2004، فإن التماهي بين الاتحاد الاشتراكي والحكومة التي يدرك ان الرأي العام معبأ بخلاصة ان الحكومة ضعيفة ولا تحكم وان الانجازات والايجابيات تجير كلها للقصر وهي تتحمل كل ما يعتبر عجزا او تقصيرا، والدفاع عنها رغم انه احد اطرافها وليس الطرف الرئيسي فيها، كل ذلك حمله وحده من بين الاحزاب المشاركة بالحكومة عبء السلبيات المسجلة لدي الرأي العام ويدفع الثمن باهظا بعد ان تمحور عليه كل النقد والهجوم الذي تعبئ به الاحزاب الاخري مؤيديها او الذي تشنه الصحف علي العمل الحكومي وتذكر بمواقف واراء الاتحاد الاشتراكي المعارض قبل 1998 والمدبر للشأن العام بعد ذلك، بعد ان كان المواطن قد راهن علي الحزب كمحقق لطموحاته. وكان مهاجموا الاتحاد الاشتراكي يدركون ويعلمون واقع البلاد واليات اتخاذ القرار وتنفيذه، لكنهم كانوا يتعمدون تجاهل كل ذلك وتحميله مسؤولية واقع لم يصنعه وليس وحده المكلف بتغييره. ومشاركة الحزب في الحكومة وتماهيه معها حرمه من فاعلية العشرات من كوادره واطره الذين كلفوا بمهام حكومية او رسمية الذين فقدوا عمليا صلاتهم الحزبية او علاقتهم بهموم من يقولون انهم يدافعون عن قضاياهم.

علي الصعيد الحزبي، اصيبت القاعدة الحزبية، بانشغال اطرها الرئيسية، بالوهن وخفوت الحماس، ان كان في التفاعل داخل الحزب او في التفاعل في الاوساط الشعبية التي تركت لاستقطاب التيارات الاصولية او الحياد السلبي بالابتعاد عن العمل السياسي وعزوفها عــن التــصويت بنسبة اشعرت كل الفــاعلين في الحياة السياسية بمخاطر تهـدد مستقبل العمل السياسي في البلاد.

هذه الحالة ولدت ايضا داخل الحزب صراعات ومماحكات وتنافسات لم تبق سرا ووصلت الي حد التشهير تصاعدت مع بداية الترشيحات للانتخابات التي افرزت الكثير من المعترضين واذا كان بعضهم اكتفي بالابتعاد عن النشاط فإن جزءا منهم تولي العمل ضد مرشحي الحزب في الدوائر الانتخابية.

واحزاب اليسار الاخري لم يكن وضعها الداخلي احسن حالا فرغم التحالف الانتخابي الذي اقيم بين الحزب الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة والمؤتمر الوطني الاتحادي، فإن التنافس بين قيادات الاحزاب الثلاثة علي الترشيح لمقاعد مضمونة حسب اعتقادهم وشن نقد لاذع بحملة تعبئة قاسية ضد مرشحي بعضهم والحملة التي شنها حزب النهج الديمقراطي الماركسي الراديكالي لمقاطعة الانتخابات وضع كل احزاب اليسار المغربي في موضع خارج دائرة المرشحين الممكن التصويت عليها، ما دام حالها حال الاحزاب الاخري، مع كثافة استعمال المال في شراء الاصوات او استعمال المال لعدم التصويت ومن يذهب للتصويت فيختار الشخص الاقرب اليه بغض النظر عن انتمائه الحزبي.

الاتحاد الاشتراكي الذي خاض الانتخابات وكل الجبهات، بما فيها حلفاؤه الطبيعيون، اليسار، وقفت في جبهة الخصم له، يعرف حراكا داخليا باتجاهات متعددة، اتجاهات تعتبر النتائج ليست بتلك الدرجة من الكارثية قياسا مع اوضاع الحزب والاوضاع العامة في البلاد ونتائج الاحزاب الاخري واتجاهات تعتبر ما جري للحزب هزيمة يجب ان تتلوها خطوة اساسية وهي العودة الي صفوف المعارضة لاسترداد الانفاس واعادة بناء الحزب وهيكلته واتجاهات تدعو الي استقالة قيادة الحزب وتحميلها مسؤولية النكسة التي اصيب بها الحزب واخري تدعو لمؤتمر استثنائي لتقييم اداء الحزب في الحكومة او في الانتخابات ونتائجها وعلي ضوء هذا التقييم توضع استراتيجية المرحلة القادمة. واذا كان هذا الحراك قد عرفه حزب الاستقلال بعد تشريعيات 1997 والنكسة التي اصابته باحتلاله المرتبة السادسة، وهو حراك انتج مؤتمرا استثنائيا للحزب يتخذ قرارا بعدم المشاركة في افرازات تلك الانتخابات التي كانت تمهد لحكومة التناوب الاولي بقيادة حليفه الاتحاد الاشتراكي، لكن نكهة الحراك الاتحادي مختلفة، اذ كانت النكسة بالنسبة للاستقلاليين نتيجة تزوير ضده في الانتخابات عقابا له من السلطة علي تحالفه مع الاتحاد الاشتراكي وتبني مواقف لم يكن القصر يتوقعها من الحزب في حين يقر الاتحاديون بكل اتجاهتهم ان تزويرا لم يقع، وان كان بعضهم يتحدث عن استعمال المال لشراء الاصوات، لكنه لا يحمل السلطة مسؤوليته باستثناء فساد الجهاز الاداري الذي اغمض عينه او ساعد علي تفشي هذه الظاهرة.

اليسار المغربي بكل تياراته يدرس اسباب وتداعيات الهزيمة التي اصيب بها، لكن من منطلقات تختلف باختلاف الرؤي التي حكمت كل منها خلال السنوات الماضية، وهي رؤي لن يؤدي استمرارها الا الي المزيد من الشرخ في صفوف ووهنه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية