مطاع صفدي
يقال إن من مزايا الديمقراطية أنها تسمح بإظهار عيوبها. لكن المشكلة في الديمقراطية الأمريكية أن تظهير العيوب لا يعني إصلاحها، بقدر ما يخترع (النظام) أسلوب التعايش معها.
ولا يزال المفكرون ورجال الفقه السياسي والقانوني والباحثون الأكاديميون يصدرون مئات أو آلاف الدراسات والمجلدات التي تتناول مختلف جوانب الحياة العامة بالملاحظات والتحليلات والفرضيات المطلوبة للمعالجة، هذا عدا غابة من المؤتمرات والندوات وفرق التفكير والدرس. وهي كلها قد تدخل صنف الجهود النظرية، لكنها المؤثرة والفاعلة خاصة في أوساط النخب. أما ما هي هذه الفعالية فيمكن الكشف عنها فيما تحاول ثقافة النخب أن تستخلص من الفيض النظري هذا فيضاً آخر من المعلومات تساعدها علي وضع السيناريوهات الخاصة بمجال أعمال نفوذها. فهذا المستوي العجيب من عديد مراكز البحث وخلايا التفكير والجامعات الخاصة والمتخصصة، والتي تتميز بها أمريكا حتي عن بريطانيا مثلاً، أقرب دول أوروبا إليها؛ كما أنها بالتالي تتفوق بالطبع كماً ونوعاً علي الاتحاد الأوروبي. ونحن هنا لا نتكلم عن المساحة الواسعة من العلوم المتقدمة والتقنيات العالية التي يشغلها القطاع البحثي، وهي ساحة الاختصاص المحوري المعروف عن الولايات المتحدة اعتباراً من نهاية الحرب العالمية الثانية؛ بل نخص بالانتباه تلك المساحة الأخري التي يشغلها الاهتمام الاستراتيجي الذي يصل إلي حد بناء صناعة فكروية للاستراتيجية الشاملة والمتخصصة معاً. هنالك إيديولوجيا كليانية باطنية متفق علي مبادئها من قبل أُولي الأمر في هذه المجالات، وهي جعل صناعة الاستراتيجية رديفة لصناعة الأمة. إذ صار ينبغي ألا تحيا الأمة دون التفكر الدقيق في يوميات هذه الحياة، ومتابعة تطوراتها واستباق المصائر السائرة نحوها، من أجل التدخل العقلانوي المؤدلج في توجهاتها، بالتنبيه والتصحيح والتعديل الممنهج. فالمجتمع الحداثوي حسب النموذج الأمريكي ليس متروكاً لقوانينه وتفاعلاته الذاتية التلقائية. إنه المجتمع المنتج لمؤسسة الرقابة العقلانوية ما فوق مؤسساته المفصلية. والمقصود من هذا المصطلح ألا تظل العقلانية هدفاً لذاتها، فلا بد من استيعابها في هدفية أوسع منها. إنها (المصلحة العامة) المفهومة أو المأخوذة دائماً علي نحو إرادة المنتفعين بها أولاً. وهؤلاء يؤلفون القلة القليلة الذين ليسوا هم من الحاكمين بالضرورة، بل من المتحكّمين الفعليين في الشأن العام. ديمقراطية أمريكا في عهد البوشية فقدت قدرة التمييز بين الحاكم والمتحكّم، بين السلطة والتسلّط. وقد ساعد صناع الاستراتيجية في مراكز الأبحاث علي تسويغ الالتباس، ومحو المسافة النوعية الفاصلة بين الممارستين: الحكم والتحكّم. ومن هنا جاءت ازدواجية الخطاب السياسي الذي انتهي أخيراً إلي مجرد خطاب دعاوي. فلن يهتم بكل أوصاف الكذب والخداع والضلال التي تلاحقه، وتُلقي عليه من منابر بلده، ومن أقصي أطراف المعمورة وأدناها.
الخطاب الدعاوي علي الطريقة البوشية المتمادية، أرسي قاعدة الاهمال التام للواقع المضاد لنصه. لا يضيره كونُ الواقع الأصلي الحقيقي يكذبه في كل آن، وأنه قائم وماثل بكل حقائقه، وأنه ليس ثمة قدرة للتضليل علي محوه وإزالته. لكن الخطاب البوشي أمسي منذ بداية الحرب علي الإرهاب، يتبع عالمه الخاص المنسوج أصلاً من الاعتقاد بوهم القوة العظمي. وأنه بالتالي كل ما تفعله هذه القوة يأنف من أي تسويغ أو تبرير يستمده من خارج منطقه. ومن هذا المنطلق يعلن بوش رفضه الانسحاب من العراق، بعد جلسات الكونغرس التي تعتبر من تقاليد الديمقراطية الأمريكية فيما تتيحه عادة من مسرحة الأحداث العامة التي هي موضوع خلاف مطروح علي مستوي مؤسسات الدولة، ويكون من شأنها اتخاذ قرارات مصيرية ينبغي أن يشارك فيها الرأي العام الذي يتابعها، وإن لم تكن له وسائله المباشرة للتدخل في مجراها. فقد ينقلب إلي مجرد جمهور متفرج، لكنه مشارك فقط من خلال صيغة الاطلاع علي بعض العناصر المسموح بإعلانها من المشكلة المطروحة. فبعد جلسات الاستماع إلي التقريرين السياسي والعسكري عن حالة الغزو الأمريكي أمام لجان الكونغرس المعنية ومن قبل السفير وقائد جيوش الاحتلال، والمناقشات المثارة من قبل بعض نواب الحزب الديمقراطي، بعد هذه المسرحة الديمقراطية التي كان من المفترض والمنتظر أن تفرض علي الرئاسة حيثيات قرار معين، صار مطلوباً تشريعياً وشعبياً، فقد فاجأ بوش الجميع بإصراره علي استمرار الاحتلال، مع السماح بعودة بضعة آلاف من الجنود فقط، وبقاء جحافل الجيش الكبري إلي ما بعد نهاية عهده الأسود.
هذه الظاهرة تؤكد من جديد أن الديمقراطية الأمريكية عاجزة حقاً عن عكس إرادة الأغلبية طالما أنها ليست مؤهلة لضبط النظام الرئاسي الذي يدّعي تجسيدها. فالمستوي التشريعي في هذا النظام يظل أضعف من المستوي التنفيذي، خاصة فيما يتعلق بقرارات المصائر الكلية كالحرب والسلم. فلم تنسحب أمريكا من حرب فييتنام إلا تحت ضغط شعبي كاد يبلغ حد الثورة والتمرد، بمعني أن القرار لم تصنعه آلية الديمقراطية عـــلي مستـــوي مؤسسات الدولة. وهكذا بالنسبة لإشكالية الاحتلال لبلاد الرافدين، فلا بد أن الانقسام الحاد في الكونغرس ومعارضة الحزب الديمقراطي الذي يمتلك أغلبية أعضائه، لن يكون هذا الوضع منتجاً للقرار المضاد في الانسحاب الفوري والمبرمج من العراق، علي المدي القريب ما دامت إدارة بوش قد اخترعت مخططاً جديداً قائماً علي ما تسميه بالانسحابات التكتيكية بديلاً عن الانسحاب الكامل والحقيقي. فهنالك حرب أخري بين التقارير المتزاحمة علي تقييم الوضع في العراق، وآخرها صدر عشية الانتهاء من جلسات النقاش النيابي العلني. وهو يدحض التقريرين السابقين، السياسي والعسكري للسفير وقائد الجيوش المحتلة، وقد اعتُبرا ممالئين للسلطة. هذا فضلاً عن الفيض المتنامي من المقالات والدراسات التي تتسابق وسائل الإعلام علي نشرها. وهي في مجملها تتجاوز مواقف المعارضة إلي حد الاتهامات والهجومات اللفظية المباشرة ضد رجال الإدارة وحواشيها. فما هي هذه الديمقراطية حقاً التي، وإن كانت لا تقمع المعارضة بالقوة، لكنها تحبط أفاعيلها، وتجعلها كما لو أنها غير قائمة أصلاً.
ليست إدارة بوش هي الموغلة في نزعة الاستئثار بالأوامر المطلقة، لو لم يكن هنالك نظام رئاسي قابل لتحريفه نحو الديكتاتورية تبعاً لمزاجية القيادة. فيغدو النظام الرئاسي أشبه بعباءة تتسع أو تضيق حول جسم القائد الذي يرتديها، فتنتفح بانتفاخه، أو تنحسر بانحساره. وهكذا لا يمكن عزل النظام الرئاسي عن محصلة الشخصية الرئاسية التي تقوده، مهما حاول مشرعوه تقييده بآليات المؤسستين التشريعية والقضائية. خاصة إذا ما أُطلقت أيدي الرئاسة في الشؤون الخارجية، كما ينص الدستور الأمريكي.
جلسات النقاشات (الديمقراطية) التي تجريها لجان الكونغرس، يُراد منها التعويض عن المشاركة الشعبية الفعلية في صناعة القرارات العليا باختلاق مشاركة رمزية، لن تتجاوز مؤثراتها جدران الكونغرس. وعلي هذا ليس ثمة حدٌّ أو برنامجٌ لاحتلال أمريكي يصير هزيمة مستديمة، ولا لنكبة العراق المتفرعة إلي نكبة عربية شاملة. فمن سخرية الظروف وليس الأقدار، أن يصبح الاحتلال ضرورة، أن تُعاد صياغة الاحتلال، علي مستوي المفهومية، كإيديولوجيا تتمتع بأحقية الضرورة منطقياً وواقعياً. وأن يتشارك في الصياغة والتبني عيّنات فصيحة من مختلف أفرقاء النكبة أمريكياً وعراقياً وعربياً. أسطورة هذه (الضرورة) تجد تسويغها المباشر في أدلة الخراب العراقي وهزيمة الاحتلال معاً. فالخراب أصبح له قانونه المستقل عن إرادة محدثيه أنفسهم كما يدعون. وبالتالي تتطلب (الضرورة) بقاء الاحتلال للحد من أضرار الخراب وليس من أجل القضاء علي أسبابه. بوش الغازي يرفض أن يتحول إلي الجندي الهارب المنسحب. لن يكرر تراجيديا الهروب الأمريكي المفاجئ من فيتنام. وهو يريد أن يجعل طبقة الحكم، العالية ما فوق الديمقراطية الرئاسية نفسها، تعتقد أن خسارة العراق مدخل تاريخي لخسارة الشرق الأوسط. وأن الفوضي التي أحدثها الاحتلال يمكن السيطرة عليها ضداً علي الفوضي الكبري التي قد تفجر العراق والمنطقة من حوله، في حال صار انسحاب الاحتلال محسوماً. هذا الضرب من الأدلجة (الديمقراطية) ألا يمكنها أن تقبل بالمبدأ القائل أن رئيس الحرب قد يغدو رئيس السلم، بل علي العكس، وكما تأمر به العقيدة البوشية، لا يمكن بناء الإمبراطورية إلا بوسيلة القوة الغازية المستديمة. لذلك يرفض بوش أن يجعل من نفسه الإمبراطور المنهزم بالتخلي إرادياً عن الاحتلال الذي يمثل انتصاره التاريخي. وهنا يبرز التباس الديمقراطية الأمريكية الكبير، إذ يصبح أهم قرار مصيري للأمة كلها متوقفاً علي مزاج رئاسي، كان مشكوكاً في أهلية صاحبه للمنصب الأول في الدولة الأعظم، ثم بات مشكوكاً في صحته النفسية أو العقلية أخيراً، مع هذا العناد الديكتاتوري إلي حد اللامبالاة بأن يصبح الرئيس المنتصر وهماً لأمة مهزومة واقعاً.
غير أنه لا شيء يدل في المستقبل القريب أن الديمقراطية الأمريكية يمكنها أن تصحو من تلقاء ذاتها لتتفادي واحدة من أخطر أزماتها الدستورية بل البنيوية المعاصرة، إذ أصبح يتعلق الأمر أخيراً ليس بقرار رئاسي أو انتظار تغيير الرئاسة نفسها، بل بالاختيار الأيديولوجي الأكبر: هل يمكن لأمريكا ألا تكون إلا دولة الحرب الأولي في هذا العالم، وإلي متي يمكنها أن تتحمل أعباء إمبراطورية موهومة، تدفع أكلافها المادية الفلكية والإنسانية المفجعة، وهي لا تزال وهماً إمبراطورياً فحسب، وتنهار تمارينه الأولي البربرية الفاشلة واحداً بعد الآخر قبل أن تقوم له قائمة بعد في الصورة التي يرسمها اليوم الليبراليون الجدد، وقد ترسمها فئات أخري تأتي مع إدارات الرئاسة القادمة. إن خيارات الأدلجات الأمريكية لا تلزم دولتها فقط، لكنها تمسي أشبه باستراتيجيات كونية مفروضة علي العالم.
ولذلك يتابع الرأي العام العالمي إشكالية الذروة في مشروع الحرب الدائمة التي انخرطت فيه أمريكا، المتمثلة في قرار الانسحاب أو البقاء العسكري، وما يعنيه في هذه الحالة المرشحة للتحقق طيلة ما تبقي من العهد البوشي البائس في البيت الأبيض، ما يعنيه استمرار الاحتلال من تفجير الحروب الأخري المقررة ـ بوشياً علي الأقل حتي الآن ـ في المشرق، مع تصاعد موجات الإرهاب، التي أمست مرتدة نحو مجتمعات الداخل العربي والاسلامي، دون التخلي عن المحيط الدولي.
أليست العلة الحقيقية هي في الديمقراطية الأمريكية واعتلالها الدستوري المزمن، والتباسها المقصود مع النظام الرئاسي القادر دائماً علي إلغاء كل مسافة عقلانية بين الحكم والتحكّم، بين السلطة والتسلّط.