تعيش باكستان هذه الايام ظروفا صعبة للغاية، فلا يمر يوم دون وقوع تفجير هنا وآخر هناك، وتبذل الولايات المتحدة الامريكية جهودا خارقة من اجل ابقاء الرئيس برويز مشرف ونظامه في الحكم لاطول فترة ممكنة، وهذا ما يفسر قيام ادارتها بدور الوسيط بين مشرف والسيدة بنازير بوتو رئيسة الوزراء السابقة، في محاولة لاضفاء وجه مدني شبه ديمقراطي علي نظام عسكري بات مرفوضا من الشعب.
الباكستانيون وصلوا الي حالة من السخط علي النظام العسكري الحاكم بلغت ذروتها، عندما اظهرت استطلاعات الرأي ان شعبية زعيم تنظيم القاعدة الشيخ اسامة بن لادن اكبر من شعبية الجنرال مشرف في اوساط الباكستانيين، ويعود هذا التحول في اتجاهات الرأي العام الي عدة اسباب ابرزها ارتماء هذا النظام بالكامل في احضان الولايات المتحدة، وتنفيذه الاعمي لسياساتها في المنطقة، دون ان تحقق باكستان اي مكاسب حقيقية في المقابل، باستثناء بعض المساعدات المالية.
وربما يأتي الاختبار الحقيقي لنظام الرئيس مشرف عندما تقدم الولايات المتحدة علي شن غارات علي مناطق الحدود الباكستانية مع افغانستان، بعد تزايد التقارير التي تؤكد ان تنظيم القاعدة اقام مراكز تدريب فيها تستقطب متطوعين عربا ومسلمين من مختلف انحاء العالم لشن هجمات انتحارية ضد قوات حلف الناتو في افغانستان علي غرار الهجمات الحالية في العراق، ولتشكيل خلايا يتم تصديرها الي اوروبا والولايات المتحدة.
فالادارة الامريكية لم تكن سعيدة باتفاق عدم الاعتداء الذي وقعته الحكومة الباكستانية مع قادة القبائل الحدودية، لان هذا الاتفاق خلق ملاذا آمنا لتنظيم القاعدة المتنامي عددا وقوة في هذه المنطقة. ولكن اي هجوم تقوم به القوات الامريكية منفردة علي هذه المنطقة الحساسة ربما بشكل بداية النهاية لنظام الرئيس مشرف.
المشكلة الرئيسية التي تواجهها ادارة الرئيس بوش في باكستان هي عدم وجود بديل للجنرال مشرف في حال الاطاحة به، او تحول البلاد الي دولة فاشلة تعمها الفوضي علي غرار افغانستان والعراق، وهذا ما يفسر سعيها لتمهيد الاجواء لعودة السيدة بوتو الي اسلام اباد بعد انتهاء شهر رمضان المبارك بحيث تتولي منصب رئيسة الوزراء، ويقتصر دور مشرف علي منصب رئاسة الجمهورية، واسناد قيادة القوات المسلحة الي جنرال من اتباعه يحظي بتأييد الادارة الامريكية ومباركتها.
اختيار بنازير بوتو وليس نواز شريف رئيس الوزراء المنفي حاليا في السعودية، يعود بالدرجة الاولي الي حماس الاولي للحرب علي الارهاب التي اعلنتها الادارة الامريكية وخاضتها بعد احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر). فالسيدة بوتو معروفة بعدائها الشديد لتنظيم القاعدة والجماعات الاسلامية الباكستانية التي حاولت اغتيالها اكثر من مرة بمساعدة من المجاهدين العرب الافغان، مضافا الي علاقاتها الوثيقة مع الادارة الامريكية.
نواز شريف الذي اظهرت استطلاعات الرأي بانه يحظي بتأييد 65% من الباكستانيين ربما يأتي الفائز الاكبر في حال تضعضع مكانة الجنرال مشرف وحكمه، فقد ادت عملية منعه من العودة الي باكستان تنفيذا لقرار المحكمة العليا، الي زيادة شعبيته بشكل كبير، فالقاعدة الذهبية في باكستان تقول ان الباكستانيين يحبون من تكرهه الولايات المتحدة الامريكية، ويكرهون من تحبه، ومن المؤكد ان هذه القاعدة تنطبق بقوة علي السيد شريف الذي اعيد الي منفاه في السعودية بالقوة فور هبوطه في مطار اسلام اباد قبل اسبوع.
الاسابيع المقبلة في باكستان ستكون مثيرة علي الصعد كافة، والشيء الوحيد الممكن الجزم فيه هو ان ايام الجنرال مشرف باتت معدودة.