بعد الحسم العسكري في غزة باتت حماس تعاني من أزمات ايديولوجية، فكرية، سياسية وتنظيمية ومفاهيمية.. مواقف بعض الفصائل الفلسطينية من الدين وان اتسمت بالفجاجة الا ان التيار الديني تعامل معها بانغلاق
د. فايز رشيد في مثل هذه البنية التنظيمية، المتعددة الأفكار والاتجاهات السياسية، التي كان يجري التعبير علناً عن خلافاتها وتناقضاتها، كان من الطبيعي الوصول الي حالة من الشوفينية الجهوية، القائمة علي الفردية، ومن ثم الفردية للقائد في اتخاذ القرارات، والنزعة التسلطية في النظرة للفصائل الأخري من خلال: الاصرار علي صيغة (النصف+1) في التحالفات السياسية في المجالات المختلفة، في مؤسسات منظمة التحرير، وكافة الهيئات التابعة لها.
هذا النهج البعيد عن الفهم الحقيقي لمبدأ (الشراكة) مع الفصائل الفلسطينية علي قاعدة (التحالف والصراع) سيؤدي بالضرورة الي الانحراف السياسي، والي الغاء ونفي اشتراطات الانتصار في مرحلة التحرر الوطني، وأبرزها: الجبهة الوطنية العريضة علي قاعدة الديموقراطية الحقيقية في أوساط الفصيل نفسه، وفي تعامله مع الفصائل الوطنية الأخري، وهو الأمر الذي كان مغيباً في أوساط هذا التنظيم.
العمل في الوسط الشعبي العربي لدي أصحاب هذا الاتجاه، انطلق من مفهوم السيطرة علي أحزاب وقوي هذه الأوساط، ان في النظرة الي الذات الفلسطينية المتضخمة بـ (الأنا) واشتراطات تأثيرها في قرارات هذه القوي، أو خلق قوي جديدة من داخل هذه الأوساط، تكون موازية للأخري القديمة، وبخاصة اذا امتلكت الأخيرة وجهات نظر معارضة، للجهة الفلسطينية المتنفذة، ونتيجة للمسلكيات الخاطئة والقاتلة مع الجماهير العربية التي تواجدت الفصائل الفلسطينية علي أراضيها، وما يعنيه ذلك من فقدان حقيقي للحاضنة العربية للكفاح الفلسطيني. هذه السلسلة من الأخطاء والممارسات، ستؤدي بالضرورة الي نفس السياق التعاملي مع الجماهير الفلسطينية. ولذلك من الطبيعي والحالة هذه، وفي استغلال واضح لعصبيْن مهمين: المال والاعلام، أن تنسحب الأخطاء علي مظاهر قاتلة في الثورة: الفساد، الافساد، الاثراء غير المشروع، التمايز القيادي المحسوبية، اضافة الي تضخيم الذات وعدم الاعتراف بالخطأ من خلال المراجعة النقدية الدورية للمسيرة السياسية، وكل ذلك يعبر عن أزمات متصلة بنيوية، فكرية، تنظيمية، سياسية، مسلكية… وهي بالحتم ستؤدي الي اخفاق كامل للمشروع الوطني الفلسطيني، ان استمر أصحاب هذا الاتجاه كعامل مقرِّر في الساحة الفلسطينية.
علي صعيد فصائل الاتجاه القومي:
ان أزمة الفكر السياسي لديها هي امتداد لأزمات تنظيماتها الأم، والتي تمكنت في بعض الأقطار من تسلم السلطة، وقد سبق وأن تطرقنا لهذا الجانب عند استعراض سمات الواقع العربي، وفشل الأنظمة القومية في انجاز مهمات مرحلة التحرر الوطني الديموقراطي لشعوبها. يبقي القول، أن الفصائل الفلسطينية من التنظيمات الأم لم تنجح في انتهاج سياسات فلسطينية خاصة بها، بل بقيت كامتدادات، للتنظيمات الرئيسية، بكل ما يستتبعه ذلك من أخطاء سياسية مسلكية، ان في ادراك طبيعة الواقع الفلسطيني وخصوصيته، ومن ايجاد سياسات مستقلة وفق ما تقتضيه متطلبات هذا الواقع، وفي محطات كثيرة من الكفاح الفلسطيني، انقلب بعض هذه التنظيمات علي سياساته المعلنة، الي الحد، الذي مارس فيه الاقتتال ضد فصائل أخري، وضد الجماهير الفلسطينية في هذا القطر العربي أو ذاك… بالتالي، واضافة الي أزمات أنظمتها، فان هذه الفصائل أضافت أيضاً الي حصيلتها: الأزمات الفلسطينية.
علي صعيد اليسار الفلسطيني بداية يمكن توصيف حالة اليسار في المرحلة الراهنة، بأنها في انحسار متدرج، ذلك يمكن الاستدلال عليه من شواهد كثيرة… لقد مثلّت احدي تنظيمات اليسار، القوة الثانية في الساحة الفلسطينية… واقتربت من موازاة القوة الأولي، رغم امساك الثانية بكل عناصر امكانية الامتداد، وصولاً الي حد قول بعض القادة الاسرائيليين بأن الجبهة الشعبية تحكم غزة في الليل، وبأن الاسرائيليين يحكمونها نهاراً، كان ذلك في السبعينيات. وبمقارنة تلك الصورة مع الواقع الراهن… يتضح الفرق. ومن الشواهد أيضاً: ما حققته فصائل اليسار من نتائج في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في الضفة الغربية وغزة، وهي نتائج متواضعة كثيراً، بالنسبة لما كان يجب أن تحرزه من نتائج. ثم، ان الشاهد الأكبر علي هذا التراجع، هو، النجاحات التي أحرزتها القوي الدينية، وحماس تحديداً، والتي احتلت (المقعد) الثاني من حيث حجم الفصائل الفلسطينية (ان لم تكن القوة الأولي؟)، وأخيراً، التأثير المتواضع لقوي اليسار الفلسطيني في الحدث السياسي الفلسطيني…. ذلك كله…. تعبيرات عن أزمة سياسية، تنظيمية، فكرية… أي أنها أزمة بنيوية، عناصرها الأساسية: أزمة الوعي وأزمة التطور الديناميكي وفقاً لحركة الأحداث في الساحة الفلسطينية.
باستثناء الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي انتقل الي هذا الاسم بعد هزيمة عام 1967، وبعد انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، وبعد أن أصبح الشيوعيون من أصل فلسطيني في الحزب الشيوعي الأردني، يتساءلون عن دورهم في قضية شعبهم والحزب بقي جزءاً من عموم واقع الأحزاب الشيوعية العربية في نظرته الي القضية الفلسطينية، بالرغم من تشكيله لقوات الأنصار، لفترة زمنية بسيطة، الأمر الذي أدي الي انشقاقات في أوساطه… فان اليسار الفلسطيني تبلورت رؤاه الأيديولوجية في الأعوام القليلة بعد عام 67. اليسار الفلسطيني هو امتداد لارهاصات نظرية فكرية كانت تجري في حركة القوميين العرب، وبخاصة في السنوات الأخيرة ما قبل عام 1967، وقادت الي تسريع بلورة الأيديولوجيا، أحداث الهزيمة، واخفاق الأنظمة القومية التقدمية العربية في انجاز مهماتها، بل الأدق تعبيراً هو (هزيمة برامجها)، وتداعيات ذلك علي الفكر القومي العربي، وعموم النظرة اليه. كما ساهم في بلورة اليسار أيضاً، انشقاق أحد التنظيمات عن التنظيم الأم، وهروع الأول الي التبني النظري للماركسية، الأمر الذي جعل التنظيم الأساسي، واضافةً الي كل ارهاصاته السابقة، يسرِّع من هذا الاعتناق.
انها خطوة في منتهي (الشجاعة) تلك، التي أدت الي اعتناق اليسار الفلسطيني للأيديولوجيا الماركسية، وبخاصة في واقع عربي (وبضمنه الفلسطيني في معظم مواقعه ومع احتفاظه بخصوصياته)، كان أميل الي الدين بحكم ظروفه التاريخية وإرثه، وما شكله هذان العاملان وغيرهما من وعي سليقي لديه. كان المجتمع العربي في غالبية مواقعه في حالة من التفاعل شديدة الالتصاق بالفكر القومي العربي، بحكم التجربة الناصرية آنذاك، وتداعياتها في المد القومي العربي، التحرري في الجزائر وجنوب اليمن وبعض مناطق الخليج العربي. كانت الجماهير العربية تتعرض الي عملية (غسل دماغ) حقيقية بالنسبة الي الفكر الماركسي والمفاهيم الشيوعية، كما ساهم في انتشار هذه المفاهيم الخاطئة، مواقف الأحزاب الشيوعية العربية من القضية المركزية العربية الأولي (القضية الفلسطينية) ومن الوحدة العربية، وقضايا مفصلية أخري، والتي تمثلت في تحليل كان وراء قرارات اتسمت بالسلبية تجاه هذه القضايا، وبالتالي ردود الفعل الجماهيرية السلبية تجاهها. وبرغم الوتائر المتسارعة لامتداد التنظيم الأم أفقياً وعمودياً في الساحة الفلسطينية، ونجاحات كبيرة حققها في الساحة العربية، مستغلاً مجموعة من الميزات التي توفرت له: أنه جاء امتداداً لتنظيم قومي عربي كبير في الساحة العربية أثبت كفاءته النضالية، وانتصر في بعض المواقع (جنوب اليمن)، المزاوجة بين النظرية الماركسية والكفاح المسلح، اهتداء بالكثير من تجارب حركات التحرر الوطني في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، الأمر الذي يعني (تعريباً) للفكر الماركسي، وتداعيات ذلك علي اليسار العربي، وبخاصة في لبنان، ومجمل التغييرات الجذرية في رؤية الحزب الشيوعي اللبناني (علي سبيل المثال) تجاه الكثير من القضايا في مؤتمره الثاني عام 1968، استطاع هذا التنظيم وبرؤية بعيدة النظر طرح استراتيجية وطنية ارتباطاً مع العمق العربي وبأفق انساني تحالفاً مع قوي التحرر في العالم والبلدان الاشتراكية، والشعوب المضطهدة (بفتح الطاء) في كل مكان، الممارسات المسلكية لهذا التنظيم تميزت بالنقاء في محاولة الوصول الي الطهارة الثورية النضالية، دقة التحليل النظري لأسباب الهزيمة والخروج من مأزقها، الدرجة الكفاحية العالية التي تمتع بها في محطات كثيرة، انْ في الأراضي المحتلة، أو في الخارج من خلال شعار (وراء العدو في كل مكان ) وتداعيات ذلك في الانتباه الدولي للقضية الفلسطينية وعدالة حقوق شعبها، دقة الشعارات السياسية التي طرحها في مراحل سياسية كثيرة، اضافة الي عوامل عديدة أخري. ولكن من الزاوية الأخري… كان من المفترض الاجابة علي تساؤلات كثيرة، أبرزها: هل جاء هذا الاعتناق العقائدي استجابة لتطورات موضوعية في الساحة الفلسطينية؟ أم أنه تبنّ قسري، الأمر الذي كان يحمل بين أحشائه (وبخاصة في سنواته الأولي) نوعاً من الانفصام بين الايمان النظري وبين جوانب أخري تقود بدورها الي تساؤلات اضافية: قدرة كوادر الحزب وأعضائه علي الاستيعاب العميق للنظرية الماركسية في فترة زمنية قليلة، وتداعيات ذلك في العلاقة مع الجماهير، ومدي تقبلها للفكر الجديد؟ كيفية الخروج من حالة اتسمت ولسنوات طويلة باعتناق الفكر القومي، وكان عليها الانتقال سريعاً الي الفكر اليساري؟ أحد تنظيمات هذا اليسار، حسم قضاياه من خلال طرح ما سُميّ بالبرنامج المرحلي في عام 1974، بما يعنيه ذلك من تحول استراتيجي من تحرير كامل أرض الوطن الي استراتيجية الدولة المستقلة، والتي هي الأخري بدأت تتناقص تدريجياً، وكان هذا التنظيم دائم التبرير النظري لسياسات اليمين، باستثناء بعض المراحل حيث كان يصعّد من حدة الهجوم عليه، كان يحدث ذلك في ظل نسج أوشج العلاقات مع اليمين، علي حساب العلاقة مع الفصائل اليسارية وضرورة التحالف معها، هذه المسلكية مورست من أجل تحقيق بعض المزايا الذاتية للفصيل وفي محاكاة بعيدة عن الموضوعية لاثبات مقولة: من هو التنظيم اليساري الأول في الساحة الفلسطينية! ومن اشكاليات فصائل اليسار الفلسطيني عموماً: بعض الفهم الميكانيكي عموماً للنظرية الماركسية، والاستشهاد في كثير من الحالات بأحداث التراث الماركسي، واهمال الجوانب التراثية في التاريخ العربي، والتوعية الذاتية، والتوعية الجماهيرية كانت من ضمن مفاهيم هذا السياق، وصولاً الي الحد الذي بدأ يحارب فيه الفكر القومي ورموزه، وعلي سبيل المثال لا الحصر (رفع صورة الرئيس عبدالناصر علي الحمير، في مظاهرة نظمتها قوي اليسار في عمّان- ابان تواجد الثورة فيها- في عام 1970، احتجاجاً علي موقفه من مشروع روجرز)، وصولاً الي الحد الذي كان فيه تقييم الكثيرين يتم في بعض جوانبه انطلاقاً من مدي تمكنهم من اجادة المصطلحات الماركسية، وتقييم الكتابات من مدي احتوائها واستشهادها بالتراث الماركسي وبالمصطلحات الصعبة الفهم بعيداً عن الواقع… الأمر الذي أدي في الكثير من الحالات الي بعض المراهقة اليسارية، فهماً ومسلكاً! وبدلاً من تطويع الماركسية لخدمة القضية الوطنية الفلسطينية، كان يجري ومن قبل الكثير من الكوادر النظرية (وبخاصة بعض أولئك الذين ذهبوا لتنمية معارفهم النظرية) تطويع القضية الوطنية للفهم الدوغمائي الجامد للنظرية. وفي بعض المراحل، رفع أحد تنظيمات اليسار شعار: السياسة تنبع من فوهة البندقية، وذلك في فهمٍ ملتبس للمزاوجة بين النضال السياسي والكفاح المسلح، وهما من المفترض أن يرتبطا عضوياً، ولعل أبرز دليل علي هذه المزاوجة، تجربة جبهة التحرير الوطني الفيتنامية، فقد كانت تصنع الحقائق علي الأرض، وتفاوض سياسياً في باريس…. بالرغم من الاختلاف في التجربة والظروف بين الجانبين. ولعل من القضايا الخاطئة، النابعة من عناصر الأزمة المبكرة للفكر السياسي الفلسطيني الموقف من مقاطعة فلسطينيي الخط الأخضر في الندوات والمؤتمرات الدولية (ذلك لأنهم يحملون جوازات سفر اسرائيلية، بالطبع لا باراداتهم، وليس الذنب ذنبهم، وانما بسبب ما تفرضه ظروفهم) والموقف من اليهود المعادين لاسرائيل والصهيونية، والذي تعرّض لفهم مختلف من قبل الفصائل الفلسطينية، فالبعض اعتبرها خطوة علي طريق السعي المتدرج للالتقاء فيما بعد بالاسرائيليين وبكافة ألوان طيفهم السياسي. لأسباب وعوامل كثيرة، فشلت كل صيغ توحيد اليسار الفلسطيني، وكان من المفترض وفي محطات مفصلية كثيرة أن يشكل بمجموع تنظيماته بديلاً سياسياً لليمين الفلسطيني، من خلال استقراء نظري-سياسي للمنزلقات التي قد يصل اليها هذا اليمين، وتداعيات ذلك علي المشروع الوطني. ولعل من الاشكالات أيضاً: التقصير في انتهاج الآليات المناسبة وفقاً لمقتضيات التطورات والمفاهيم المستجدة التي أدت الي الانحسار الثوري في مختلف المجالات للحفاظ علي استمرارية الذات أولاً، وفي استمرار العلاقة مع الجماهير من خلال امتلاك الوسائل التي تعمل علي تخفيف معاناتها الحياتية، وما يعنيه المال (خاصة في ظل محاربة أصحاب هذا النهج من قبل قوي كثيرة) وأهمية امتلاك مصادره الدائمة. كثيرة هي الأسباب التي أدت الي انحسار فصائله في الساحة الفلسطينية، ونري من الضرورة بمكان التطرق (ولو بايجاز) الي ما يمكن اعتباره آليات لتجاوز هذه الحالة، ولعل أبرزها: أهمية تعزيز الجوانب الديموقراطية في الحياة الحزبية لهذه الفصائل، والتشجيع المستمر لمتابعة التطور في مختلف المناحي عبر لجان حزبية متخصصة، تحاول الاستفادة الدائمة من كل جديد ملائم، تعكسه في آليات عملها كذلك، متابعة التطورات الداخلية والمتغيرات المجتمعية في جبهة العدو وحلفائه وفي مختلف المناحي أيضاً: السياسية، العسكرية، الأمنية، الاقتصادية، والاجتماعية، لأن مثل هذه المتغيرات واذا ما وضُعت بتفاصيلها أمام هيئات الحزب القيادية، فستكون قراراتها وشعاراتها السياسية المرفوعة مبنية علي أساس تحليلي دقيق لكل العناصر المؤثرة في الصراع. نفس الصورة تنطبق علي الفهم الدقيق للمتغيرات المجتمعية الفلسطينية في الأراضي المحتلة، وفي الشتات، وفي منطقة الخط الأخضر. ولا يقل أهمية عن كل ذلك: امتلاك الأطر التي تعمل جاهدة علي استمرار استقطاب الأصدقاء أو أولئك الذين غادروا (تركوا) التنظيم لسببٍ أو لآخر، علي قاعدة الاستفادة من تجاربهم ووفقاً لما يحددونه من أشكال في علاقة دائمة، وليست خاضعة الي الموسمية! الانتباه للحوارات الدائمة مع المثقفين والمفكرين الفلسطينيين والعرب ان في حلقات نقاشية تتطرق الي مواضيع نظرية وأخري سياسية، وايلاء الجهد الاعلامي والمجلات والأدبيات الجماهيرية أهمية فائقة، وبالشكل الدائم أيضاً. تطوير آليات العمل، والارتقاء الدائم بالخطاب السياسي، ومراجعة السياسات تجاه شكل المشاركة في المؤسسات الفلسطينية وبخاصة منظمة التحرر، والتي تحكّم فيها بشكل أو بآخر، الوضع السياسي، والتي تمثلت ردود الفعل علي معطياته، في مظاهر: الحرد، مقاطعة الاجتماعات، تعليق عضوية ممثلي الأحزاب في الهيئات المركزية لمنظمة التحرير، بما يعنيه ذلك من اصرار علي تطبيق مبدأ المشاركة الحقيقية (بديلاً عن الجوانب الشكلية التي سادت العمل الفلسطيني ولحقبة طويلة من الزمن)، والا فلا داعي لهذه المشاركة، ايلاء الاهتمام لامكانيات الأعضاء وبما يستطيع ابداعه كلٌّ في مجاله المعني، في نمط تخصصي للبعض دون الانقطاع النشاطي عن النضالات الأخري. ذلك لا يعني، تناسي ما انتهجه أحد تنظيمات اليسار علي أكثر من صعيد: اجراء المراجعات النقدية الشاملة بين الفترة والأخري، بما في ذلك الاعلان الجماهيري (وليس الداخلي فقط) عن الأخطاء التي مارسها في سياساته، الحرص علي التجديد في قياداته من خلال اضافة الكفاءات الشابة الحيوية الي هذه الهيئات، استقالة أمينه العام في حالة نادرة فلسطينياً وعربياً (والتي أصبحت وكأنها أصيبت بعدوي الدكتاتوريات العربية والأخري الشمولية) فاتحاً الفرصة لقادة جدد علي رأس التنظيم، الوقوف بين الفنية والأخري أمام آليات العمل، ومحاولة تجاوز الأخطاء، ومنها علي سبيل المثال: سياسة التفرغ الحزبي للعضو، وتداعيات ذلك، وما يشكله من ابتعاد عن المؤسسات الجماهيرية بالشكل الذي يناقض فعلياً سياسيات الحزب. ان التطرق لكافة هذه الجوانب (وان بنوع من التفصيل) هو انعكاس للقناعة الأكيدة بوجود الارتباط العضوي بين كل هذه الجوانب وأثرها علي أزمة الفكر السياسي علي صعيد اليسار الفلسطيني.
الاتجاه الفصائلي الديني هذا الاتجاه، ظهر متأخراً في الساحة الفلسطينية، مقارنةً مع التنظيمات الأخري، وهو في جوهره: امتداد للتنظيمات الدينية العربية، وبخاصة حركة الاخوان المسلمين. بعد هزيمة عام 1967، فان الاتجاه الديني الفلسطيني تمثّل في فريق يعتقد بوجوب انشاء دولة الخلافة الاسلامية قبل مقاتلة اسرائيل. لكن ومن زاوية أخري، فان الثورة الفلسطينية بكافة فصائلها، خلقت تساؤلات عديدة في الأوساط الدينية، الأمر، الذي أدي الي بلورة تنظيمية لدي أصحاب هذا الاتجاه، متمثلةً في حركتي: حماس، والجهاد الاسلامي. المشهد الفلسطيني علي هذا الصعيد، كان جزءاً من الانطلاقة المتسارعة الوتائر من حيث نمو هذه الظاهرة عربياً، وفي البلدان الاسلامية أيضاً، والتي تراوحت في سماتها بين الأصولية، والعقلانية، والأخري المتوائمة مع المخططات الغربية وبخاصة الأمريكية، حتي الاحتلالية منها (كما في العراق، وما نشهده من اسلام سياسي متعاون الي درجة كبيرة مع القوات الأمريكية وحلفائها)، لذلك أسبابه، التي تطرقنا الي بعضها سابقاً وبايجاز، في استعراض أزمة الفكر السياسي العربي. بعض القوي الدينية العربية كانت لها تجربتها الفريدة، التي تكللت بانتصارين حاسمين علي القوات الاسرائيلية في عامي 2000، 2006، كما تجربة حزب الله في لبنان، الأمر الذي أعاد الي الأذهان صورة الاسلام السياسي المقاوم، وتداعيات ذلك، علي المد الذي شهدته الاتجاهات الاسلامية المرتبطة بالمقاومة، وبخاصة الكفاح المسلح منها. جدير بالذكر أيضاً، أن الفصائل الفلسطينية ومنذ انطلاقتها، وبنسب متفاوتة في المسؤولية، لم تعمل علي استغلال الجانب الديني في الدعوة الي التغيير من أجل الانخراط في صفوفها… ليس ذلك فقط، وانما حملت في بعض أفكارها نمطاً من الفجاجة، وصولاً الي بعض من التحدي المباشر للوعي الديني المجتمعي، تحت شعار العقلانية، والعلمية، الأمر الذي سيؤدي بالضرورة الي تغييب فئات اجتماعية فلسطينية كبيرة، وطاقاتها المختزنة في معركة مجابهة العدو. من جانبها، فان القوي الدينية الفلسطينية وامتداداتها العربية، تعاملت مع الفصائل الفلسطينية (من يمينها الي يسارها) من خلال الفكر المغلق، دون الانفتاح الفكري عليها، وبالتالي، كان من الطبيعي (من وجهة نظر أصحاب الاتجاه الديني) ألا يروا في كل ما هو موجود من فصائل، صنعاً معبرة عن آمالهم وطموحاتهم وأهدافهم، التي كان ولا بد أن تتبلور في تنظيمات اسلامية الاتجاه تعكس كل تلك المعتقدات. كما ساهمت في تطور انطلاقتهم، البيئة الدينية الفلسطينية العامة الخصبة لانتشار الأفكار الدينية بين صفوفها، وبخاصة اذا ما ارتبطت بتحرير كامل التراب الفلسطيني، ليس من خلال المعتقد الايماني فقط، وانما تحويل هذا المعتقد الي واقع ونهج كفاحي تجري ممارسته فعلياً، الي جانب كل الشعارات الأخري: العدالة الاجتماعية، المساواة، الجهاد، الاستشهاد، الجنة وغيرها.
كان ذلك في ظل وجود صورة نقيضة، ان من حيث الفكر السياسي وعقم التسوية، أو الممارسات السلبية للسلطة، وفي ظل تراجع قوي اليسار، الأمر الذي يعني بالضرورة، اختراق الفكر السياسي لحماس، لقطاعات جماهيرية فلسطينية كبيرة، وهو ما جري التعبير عنه في الانتخابات الفلسطينية التشريعية الأخيرة…. وبخاصة اذا ما ترافق ذلك، مع ايلاء أصحاب هذا الاتجاه الاهتمام الكبير للجانب الخدماتي الحياتي للجماهير الفلسطينية في مواقعها، بالطبع في ظل الأموال الوفيرة المتوفرة بين يديه. ولكن، ومع تسلم أصحاب هذا الاتجاه لأحد فرعي (السلطة) من خلال (الحكومة)، منفردين، أو بالائتلاف مع قوي فلسطينية أخري، فان تناقضات كثيرة في مظاهر الفكر السياسي لأكبر تنظيم في هذا الاتجاه، بدأت في الظهور، ولعل أبرزها: التناقض في المواقف بين موقع الفصيل/ الحركة في المعارضة وبين موقعه في السلطة، التناقض بين ممارسة المقاومة بعيداً عن السلطة، والاقلال منها وصولاً الي وقفها أثناء التواجد في الشكل السلطوي؛ وبدء العمل بشعارات سياسية جديدة: هدنة طويلة الأمد مع العدو الاسرائيلي، امكانية القبول بدولة مستقلة في أراضي عام 1967، امكانية الحوار مع الغرب، وما يعنيه ذلك من توجيه رسالة ضمنية الي الولايات المتحدة، الحليف الاستراتيجي للعدو الصهيوني، التناقض بين الشعارات القديمة والأخري الجديدة، والتي جاءت كمتطلبات تسلّم السلطة (من وجهة نظر أصحاب هذا الاتجاه) في النظرة الي فصائل النضال الوطني الفلسطيني، فمن التعاون والتحالف الي التخوين والتكفير في فهم غيبي، سلفي، بعيداً عن مقتضيات المواجهة! وبعيداً عن قضية الحسم العسكري التي لجأت اليها حماس لحسم تناقضها مع الأجهزة التابعة للسلطة، فان ممارسات هذه الحركة بعد فرضها لسلطتها في غزة، بالنسبة لكافة فصائل النضال الوطني الفلسطيني تنطلق من فرض الشعارات والرؤي التي تنتهجها، بعيداً عن الديموقراطية والحريات السياسية والاجتماعية، وفرض القيود وكافة المظاهر السلبية الأخري، الأمر الذي ينم عن أزمات: ايديولوجية، فكرية، سياسية، تنظيمية، مفاهيمية اجتماعية، انغلاقية أمام التطور وأمام كل أصحاب الاتجاهات الفكرية السياسية الأخري، وهذا يعني في بعض جوانبه: امتلاك أجندة سياسية خاصة بها. من خلال استعراض واقع الفكر السياسي الفلسطيني بمختلف تلاوينه واتجاهاته، يتضح مدي عمق الأزمة التي تعيشها جماهيرنا وفصائلها الوطنية، ومجمل المشروع الوطني الفلسطيني… الأمر، الذي يجب تداركه من كل الفصائل الفلسطينية، أياً كانت أيديولوجياتها وأفكارها السياسية… فالأزمة في مظاهرها الأخيرة هي أزمة وعي، أزمة تطور، أزمة فصائل… وأزمة بديل، وهي أيضاً: أزمة مجتمع!7