عبد المنعم الشنتوف
كانت صوفيا بردا قارصا وغيما كثيفا وطائرة تشبه الغراب وامرأة جاوزت السبعين تدعي ناديزدا وإلينا اليونانية ذات الملاحة اللذيذة التي كانت تلتهمني بعينيها الواسعتين. الصوت الجاف ليس سواه والساعات الخمس وعلبة السجائر والرائحة الأنثوية الحريفة والقبلتان الرصاصيتان التي جادت بهما إلينا قبل أن تبتلعني الطائرة. لم تأت ميرا الجميلة لتودعني بالأمس رغم علمها بتاريخ الرحلة، واللقاء الأخير الذي جمعنا في مقهي سيروف علي بعد أمتار من قصر الثقافة الذي بناه الشيوعيون البلغار في ظرف ثلاثة أشهر انتهي بما يشبه لغوا فاقعا وحركات وشت باحتضار غير معلن. قد تكون الجميلة علي حق في عزوفها؛ فاللقاء المذكور لم يخل من وقاحات أتيتها عامدا وعن طيب خاطر. بدأ الأمر حين صعودنا إلي الترام الذي اكتظ حتي ما من مزيد بالركاب. ولأنني اضطررت إلي الانحشار بين كهلين كانت تفوح منهما رائحة الفودكا القوية، ولأنني أوشكت أن أقذف بما في أمعائي، فإنني لم أفطن وأحد المقاعد يخلو في المحطة اللاحقة إلا وأنا أندفع نحوه لأستلقي في دعة واطمئنان ضاربا عرض الحائط بأصول اللياقة. الوقاحة الثانية جرت أطوارها حين استوي بنا المجلس في مقهي سيروف. كانت النادلة ذات الامتلاء المثير تضع فناجين القهوة فوق الطاولة حين زاغت عيناي دون أن أدري إلي نهديها المتراقصين بفعل الحركة. وإلينا التي كانت أشبه بمن يحلم بعينين مفتوحتين لم يبد عليها أنها فطنت إلي شيء، لكن ميرا كانت تحدجني بنظرة ماكرة وهي تمج من سيجارتها. أما أم الوقاحات جميعها، فكانت حين سألتني ميرا وقد أحاطتها جدتها علما بسفري الوشيك عما سوف أحمله معي من صوفيا من صور ووجوه وأفكار، فإنني أجبت وابتسامة واثقة تتخايل علي شفتي إنني تذكرت للتو فولتير وحكايته كانديد. ولأنني عاينت علي قسماتها آثار الجهل البين بالعزيز فولتير، فإن ثقتي تعاظمت وأنا أسوق طرفا مما رواه عن همجية البلغار في الزمن الغابر وإتلافهم للحرث والنسل، ثم قفيت بصورة الكهلين السكيرين والأب الهارب وشارع أرشوت والممرضات القاتلات. ولأنني كنت علي بينة مما أتيت، فإنني تجنبت بالأمس ونحن نتابع أحوال العالم باللغة البلغارية سؤال السيدة ناديزدا. الكلب شاري الذي أدمن مصاحبتي له في جولاته المسائية تارة بمفردي وتارة أخري صحبة ميرا أو إلينا لم يستجب لوصلات التودد التي جدت بها. ويا ليت الأمر اقتصر علي ذلك؛ إذ ما أن نهضت السيدة ناديزدا لتلوذ بغرفتها حتي تبعها اللعين دون تردد ودون أن يلتفت خلفه ولو مرة واحدة.
كانت الساعة تشير إلي الثالثة بعد الزوال حين ابتلعتني الطائرة تماما. أخبرنا الربان واسمه نيكولاي ّ أن الطائرة سوف تتوقف في مدينة الجزائر قبل أن تواصل رحلتها إلي الدار البيضاء. عبثا أجهدت عيني في النظر من خلل الكوة الزجاجية إلي تفصيلة أحملها معي. كنت علي يقين من أن ميرا الجميلة لن تبخل علي هذا المساء في حضرة الجدة وإلينا بما تيسر من الكلام القارص. آن لي أن أقول من جديد إن صوفيا كانت صوتا جافا وعتمة موحشة وطائرة تشبه الغراب، وغيما كثيفا ووجوها هلامية وساعات تتدفق دون رحمة.. لو لم تكن إلينا لما كان سيفيريس ولياليه الست في الأكروبوليس. العبارة ها هنا واضحة ولا مدخل فيها للاستعارة أو ما شابه ذلك من ضروب المجاز. الأكروبوليس نفسه لم أره رأي العين، وكان علي أن أقرأ الليالي الست بعد أسبوع من وصول إلينا وأن أصغي إلي محاورات لونغوميناس وسالومي ونونداس وستراتيس بين الأعمدة والسواري لكي أراه فيما يري النائم، أعني أن أتخيله. إلينا نفسها لم تكن تعرف سيفيريس، أو هذا ما أفضت به إلي ذات مساء ونحن نتسكع في أزقة حي القصبة. كل ما فعلته والمعول علي روايتها أنها ذهبت قبل يومين من سفرها إلي طنجة إلي مكتبة لا فناك ببروكسيل. وبعد أن اشترت سيرة كازانتزاكيس التي أوصتها بها، فإنها وقعت نهبا لنوبة كرم عاتية، فاشترت ليالي سيفيريس بعد أن ألح عليها يقين قاطع من أنها دليل سياحي لا أقل ولا أكثر. لم أعرف أيضا أن إلينا قد رتبت باتفاق مع أمها وإحدي صداقاتها البلغارية القديمة لسفري إلي صوفيا إلا بعد عودتها إلي بروكسيل. رن جرس الهاتف في الساعة العاشرة والنصف ليلا؛ ولأنني لم أكن أتوقع أن تكون هي المتصلة، فإن دهشتي كانت مضاعفة حين تناهي إلي صوتها القوي والدافئ في آن. لم تستغرق المكالمة إلا دقائق معدودة فجرت فيها قنبلة السفر قبل أن تمطرني بسيل من المعلومات عن السيدة ناديزدا صاحبة الدعوة نسيت أغلبها في خضم الدهشة. كان علي إذن أن أتخذ قرارا بالقبول أو الرفض في أسرع وقت ممكن؛ وهو ما أكدته إلينا بنبرة متوددة. الظرف الأصفر الذي توصلت به بعد أسبوع من المكالمة والذي حوي وثيقة الضيافة ورسالة من عشرة أسطر يبدو أن إلينا كتبتها ثواني فقط قبل إيداعها في صندوق البريد لم يترك لي هامشا لكي أري وجه العملة وقفاها. هكذا وجدتني أنبعث ذات صباح وفيما يشبه السحر قبالة البوابة الخضراء للسفارة البلغارية. كنت قد فكرت بطبيعة الحال في الحجة الوجيهة التي سوف أقدمها بين يدي الموظفة الحسناء دون شك، وأعترف بأنني لقيت في هذا المسعي من العنت أشده؛ إذ لم أجد بعد التفكير الملح حجة لا مدخل فيها للطعن. وبعد أن خيل إلي إنني صائر لا محالة إلي الفشل قفزت إلي ذهني صورة جين آور أو جين بولز. الحق أنني تذكرت فيما يشبه الإشراق الأصول البلغارية لصاحبة السيدتين الرصينتين. الإشراق كلمة كبيرة أعترف بأن استعمالها في هذا المقام لا يخلو من الشطط، لكن ما حيلتي وأنا راغب في تصوير الحالة وتفاصيلها. الذي حدث بعد ذلك أنني عفوت عن الفكرة؛ إذ لم أكن لأضمن أن لا يصدر عن القنصل أو سكرتيرته الحسناء كما أتخيلها تصرف غير لائق حين أخرج العزيزة جين من قبرها الإسباني لأقدمها كحجة وجيهة. قدرت أن القنصل سوف يسألني عن العلاقة بين جين بولز والسيدة ناديزدا ودعوة السفر، وخمنت أنني سوف أجيبه برغبتي في إشعار ما تبقي من عائلتها بموتها القديم وغربتها في القبر الإسباني. وجدتني حينها نهبا لسيل من الصور تتفاوت جرعة الوقاحة والإمتاع فيها. رأيت جين وهي تضحك كعادتها بقوة كاشفة عن أسنانها البارزة، ثم رأيتها وهي ترضخ لنزوات صديقتها الشريفة وتعاني من أشرها القبيح، ثم رأيتها في الأخير وهي في غيبوبتها العميقة وبجوارها السيد بولز. قلت في نفسي: ما أقبح ما سوف أفعله! أن أعبث بروح جين كي يرضي السيد القنصل وسكرتيرته. هكذا انزاح الإشراق الذي لاح لي وأزمعت أمري أن أجيب السيد القنصل عن سؤاله المفترض: عليك بسؤال إلينا أو السيدة ناديزدا، أما أنا، فلم أفعل سوي أن استلمت الدعوة وجئت بها إليك.. عينا السيد ديميتري ليكوف لم تكونا لتحيدان عني، ورغم المناورات المكثفة التي أتيتها في هذا المسعي، فإنني لم أفلح. وحين سألت إلينا بعد يوم من وصولي الميمون، فإنها أجابت بحركة غامضة من رأسها الوديع. نسيت أن أقول إن السيد ليكوف مات منذ ثلاثين عاما بالتمام والكمال إثر مرض عضال لم ينفع معه علاج. وقد خلف حينها أرملة في الثانية و الأربعين من عمرها وطفلتين. ولأن الراتب الزهيد الذي خلفه من عمله في وزارة الزراعة لم يكن يكفي لأكثر من أسبوع؛ فإن المرأة احتالت بأكثر من طريقة إلي أن أفلحت في الحصول علي إذن بالسفر إلي أثينا لتحصل علي عمل ولتترك الطفلتين في كفالة أحد أشقائها. والمرأة التي كانت تدخن بالتذاذ وهي تداعب الكلب شاري و تفضي إلي بما اعتقدتُ أنه شؤون عائلية حميمة أشعرتني بالحرج. هكذا عرفت أن الابنة الكبري أنيطا تدير متجرا للملابس النسائية في سوق صوفيا المركزي وأنها أنجبت من علاقة عابرة ابنا يبلغ من العمر سبعة عشر عاما ويعاني من خلل عقلي فادح، فيما هاجرت أولغا والدة الجميلة ميرا بعد سنة من تبخر زوجها إلي بروكسيل لتعمل نادلة في أحد مطاعمها. هذا ما قالته لي الأم ناديزدا قبل أن تسهب في الحديث عن حفيدتها، أما الحقيقة التي أسرت لي بها إلينا ونحن في الغرفة أن أولغا تعمل منذ رحيلها إلي بلجيكا في شارع أرشوت الذي يتميز بارتفاع دائم في درجة الحرارة. قلت لإلينا علي سبيل التفكه إنه سيان عندي أن تعمل في هذا الشارع أو ذلك، أو في فرن عمومي أو مصنع للثلج، ولكن يهمني أن اعرف مثلا السر في ولع العجوز ناديزدا بالتدخين ووجهها المغضن الغائب خلف غلالة كثيفة من الدخان وصوتها المشروخ وهي تعدد عيوب الزعيم زيفكوف وفضائح الشيوعيين البلغار ومحنة زوجها السيد ليكوف إثر اكتشاف الأجهزة السرية تردده خفية أيام الآحاد علي إحدي الكنائس، وبهجتها الغامرة حين عودة الملك السابق سيميون من منفاه والرسالة التي بعثت بها إليه بعد عودته من المنفي والجواب الذي ما زالت تحتفظ به في خزانتها. وحين لاحظت ركون إلينا إلي الصمت وهي تخلع ملابسها قطعة تلو أخري، فإنني تساءلت قائلا: هل تعرف ميرا حقيقة عمل أمها؟ حينها أومأت إلينا مجددا برأسها قبل أن تجيب قائلة: نعم؛ بيد أنها لا تحقد علي أمها. ثم رأيتها وهي تمد يدها صوب علبة السجائر الموضوعة فوق الطاولة، لكنني أوقفتها بحركة من يدي وشت دون شك بجرعة ضافية من الفحولة. لم تسألني إلينا بالأمس عن تفاصيل الرحلة، كما إنني التزمت من جهتي أن أضرب عنها صفحا وأن أقذف بنفسي في أغوار المدينة التي وصلتها ليلا. ولأنني لم أر منها إلا مطارها الموحش وأنوارها البعيدة وسائق سيارة الأجرة من طراز سيمكا الذي أثارت انتباهي عيناه الزائغتان وأنفه الضخم المغمور بآثار الجدري وشعره الأصهب الأشعث، فإنني لم أفطن وأنا أتلقي دعوة إلينا بعد الانتهاء من الإفطار والتهام السجائر والثرثرة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا إلا وأنا أكاد أخرج من جلدي فرحا. وقالت لنا السيدة ناديزدا وهي تشيعنا بعينيها الدامعتين دائما: سوف تجدان ميرا بانتظاركما عند المحطة النهائية للترام، وهي تتقن الإنجليزية. كانت تلك أول مرة أري فيها الفتاة بعد أن استأثرت بالأمس بقسط كبير من ثرثرة جدتها. وقد علمت حينها أنها تقترب من عامها العشرين وأنها تدرس الأدب الروسي في جامعة صوفيا، وأنها تقيم بمفردها في الشقة التي تستأجرها أمها، وأنها ذات طباع عجيبة. أعترف بأنني كنت أتخيلها قبل اللقاء ذات سمت وقور بفستان طويل ذي ألوان باردة وشعر مضموم إلي الخلف وحقيبة جلدية ذات لون أخضر غامق. لكنني ما أن نزلت من الترام ويد إلينا البضة تمسك بيدي حتي رأيت فتاة أخري تندفع نحونا في حماسة وتمطرنا بالقبل في تلقائية مثيرة أشعرتني بالخجل لأول وهلة. قلت إنها فتاة أخري غير تلك التي تخيلتها من حديث الجدة؛ إذ كان مخبرها بتفاصيله الأكثر إمعانا في الدقة يشي بطفلة اكتشفت أنوثتها علي حين غرة. ربما جديلتاها الراقصتان والقرطان الضخمان اللذان كانا يتدليان من الأذنين وسروال الجينز الضيق والقميص الأضيق بألوانه الضاحكة والسترة الجلدية وسجائر المارلبورو. وحين سألتها إلينا التي لم تكن تقل عني دهشة عن السر في تعرفها علينا بسهولة خصوصا وأنها ترانا لأول مرة، فإنها أجابت ضاحكة وهي تشير إلي: كان يكفي أن أري صديقك المغربي وأن أستحضر أوصاف الجدة. وصوفيا التي بدأت تشف من خلال العينين ذاتي الزرقة السماوية لم تعد بالغريبة أو هذا ما خيل إلي، وأمواج البشر التي كانت تخترقنا والأزقة المتناسلة بأسمائها الغريبة، وصوت ميرا وضحكاتها المسجوعة التي تقفو تعليقاتها المتدافعة كشلال والتي لا تخطئ شاذة أو فاذة. مقهي سيروف التي انتهينا إليها بعد ساعتين أو يزيد من المسير، وميرا التي خاضت في الحديث عن أبيها الذي اختفي بعد مولدها بشهور قليلة والذي لا تعرفه إلا من خلال الصور اليتيمة التي أفلتت من اليد الغاضبة لأمها. وكعادتها في إلقاء الكلام دون كابح، أسرت لنا وضحكتها تجلجل إنه قد يحدث أن تلتقي أباها ذات صباح أو مساء وأنها قد لا تتعرف إليه وأنها قد تستسلم له إذا… ونابوكوف الذي اقتحم الجلسة عنوة. قالت ميرا ووجهها يشرق بابتسامة إنها قرأت بإيعاز من أحد أساتذتها كل ما كتبه صياد الفضائح كما كانت تدعوه، ثم أفاضت في الحديث بسلاسة عجبت لها. وأنا الذي لم أكن قرأت إلا لوليتا وجدتني عاجزا عن مسايرتها، ولذلك، اكتفيت بالإنصات وهز رأسي دلالة الموافقة أو الإعجاب. الأيام الأخري حملت نابوكوف إلي الذروة، وميرا التي كانت تسوقه من تلابيبه بمناسبة أو غير مناسبة لكي تصور هذه الحالة أو تلك كانت تتسرب إلي داخلي دون أن يعرف أحد بالأمر.
لو لم تكن إلينا لما كان سيفيريس ولياليه في الأكروبوليس ولولا نابوكوف لما كانت ميرا الجميلة. ولولا الوقاحات التي أتيتها في الترام ومقهي سيروف لجاءت الجميلة لوداعي. والتفاصيل التي لم أحملها معي إلي الطائرة الغراب جاءت بها إلينا بعد سنوات من ذلك التاريخ إلي بروكسيل. عرفت أن العجوز ناديزدا ماتت دون أن تعرف بوجود ابنتها أولغا في شارع آرشوت، وأن ميرا الجميلة كفت عن الحديث عن أبيها وعن صياد الفضائح بعد حصولها علي وظيفة محترمة في وزارة الخارجية واقترانها برجل محترم وتحولها إلي امرأة وقور تضم شعرها إلي الخلف وتحجب عينيها ذاتي الزرقة الصافية نظارتان طبيتان. نابوكوف نفسه مات قبل ثلاثين سنة بالتمام والكمال بعيدا عن روسيا وأمريكا. وحدها لوليتا كانت تظهر وتختفي بجديلتيها الراقصتين وضحكاتها المسجوعة وتفاصيلها الأخري.. بروكسيل 2007كاتب من المغرب