تأملات في الأموية الجديدة واستقالة المفكر الإسلامي في السودان

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي

أحرص دائماً علي متابعة إسهامات المفكر والأكاديمي السوداني المغترب محمد وقيع الله رغم عدم معرفتي الشخصية اللصيقة به، وذلك لأني أراه من البقية الباقية من المفكرين الإسلاميين في السودان الذين ما زالوا يستخدمون عقولهم ويؤدون فرض الكفاية في إبقاء جذوة الفكر التي كادت تخبو في كثير من مناحي الحياة في السودان حية.

ولا يعني هذا بالضرورة أنني أوافقه فيما يقول، بل لمجرد التقدير لمن يساهمون في رفع مستوي الحوار مهما كان خلافنا في الرأي معهم، وهو ما أشرت إليه في تعليقي علي مساهمات الدكتور منصور خالد وقبل ذلك الدكتور فرانسيس دينج. فنحن أحوج ما نكون في هذا الأيام إلي إحياء فريضة التفكير وإعمال العقل والاشتغال بالتأمل العميق في أمور دنيانا وآخرتنا.

وليس هناك عندي تفريق مع ذلك بين الجدية في إعمال العقل والالتزام الأخلاقي. أولاً لأن الجدية الفكرية بما تتطلبه من صرامة في إعمال المنطق والتزام جاد بتحري الصدق والموضوعية والبحث المضني عن الحقيقة هي في حد ذاتها التزام أخلاقي. وثانياً لأن المفكر الذي يستحق الإسم هو الذي يبعد نفسه عن الشبهات، وأبرزها شبهة النفاق أو التربح أو الخيانة لأمته وشعبه. أما من خلا من ذلك فإنه لا يستحق صفة المفكر ببساطة لأنه لن يتورع عن لي عنق الحقيقة ليرضي السلطان أو يحقق مكاسب شخصية. ونحن نسير في ذلك علي سنة السلف الصالح الذين كانوا لا يأخذون العلم أو الحديث أو الفقه عن أي شخص عرفوا عنه شبهة تهاون أخلاقي مهما بدا تافهاً.

تصوروا إذن صدمتي حين تابعت مساهمتين متتاليتين للأخ وقيع الله خلال الأسابيع القليلة الماضية أعلن في أولاهما استقالة أخلاقية عن إصدار الأحكام، وفي الثاني استقالة فكرية ـ أخلاقية حين صرح برضوخه المعلن لما وصفه الدكتور الطيب زين العابدين بعسكرة التنظيم الإسلامي في السودان وتحويله إلي ميليشيا تأتمربأوامر الأجهزة الحكومية. جاءت المداخلة في معرض رثائه للقيادي الإسلامي الراحل مجذوب الخليفة عليه رحمة الله. وكما لاحظ القراء فإنني لم أعرض لسيرة مجذوب عقب رحيله بتعليق لأنني لم أسعد بمعرفته سوي لقاء عابر لم يتم فيه تعارف. ولكن ما أفاض به العارفون به من مديح له أثار قلقي، خاصة ما ورد في التعليق المتسفيض للأخ الدكتور غازي صلاح الدين من تعريض بماكيافيليته التي يبدو أنها اشتهرت بين أقرانه. ولكن الأخ وقيع الله عاد فأكد هذا الانطباع، وزاد بأن أعطاه تأصيلاً إسلامياً رفع هذا المسلك إلي أعلي سلم القيم الإسلامية.

وبحسب وقيع الله فإن مجذوباً اعترض علي نقده للدولة الأموية في محاضرة ألقاها في مصر في عام 1985، مذكراً إياه بأن جهاد الأمويين الذي تواصل لأكثر من قرن من الزمان في سبيل نشر الإسلام يغفر لهم كل ما قد يؤخذ عليهم من أخطاء، ولو كانت من قبيل الخطايا الجسام. ثم قال إن كثيراً مما ينسب إلي الأمويين من الجرائر والمظالم والمفاسد هي أساطير من نسج خيال خصومهم العباسيين وأقوال الغلاة القالين من زمر الروافض والخوارج.

ويضيف وقيع الله: وقد صدق الدكتور فيما قال فهذا ما حدث فعلاً في التاريخ، إذ أن تاريخ الأمويين لم يكتبوه هم، وإنما كتب بأقلام خصومهم غير المنصفين، ولا يمكن للمرء أن يقبل علي دراسة مثل هذا التاريخ إلا بتحفظ شديد وبدراسة تفاصيله علي ضوء النتائج الباهرة لعهد الأمويين. لقد كانت ملاحظات الدكتور الخليفة سديدة حقاً، وقد اقتنعت بها فيما بعد واستفدت منها كثيراً في تعديل موقفي من الأمويين. وعندما اتيح لي قبل سنوات قلائل أن أقوم بتدريس تاريخ الدولتين الأموية والعباسية في الجامعة استفدت من ملاحظات الخليفة هذه وهدتني كثيراً في البحث والتأمل ومراجعة التاريخ علي ضوئها. وقد انتهيت من مراجعاتي لتاريخ الأمويين إلي أن أجدي ما فعله سيدنا معاوية رضي الله عنه هو أن أوقف دورة الخلافة الراشدة، ذلك أن المجتمع الإسلامي أخذ يحترب من حولها حرباً شديدة طاحنة بما أنذر بتمزيق المجتمع الإسلامي وتبديده وإخراجه من دورة التاريخ. لقد ألغي سيدنا معاوية دورة الخلافة الراشدة عندما انقضي أجلها، ولم يعد المجتمع الإسلامي يرتفع إلي آفاقها العليا، وشيّد ملكاً ركيناً حصينا ثبّت به دعائم الوضع السياسي الإسلامي، ومهّد به سبل انتشار الإسلام في الآفاق، وفتح بحالة الاستقرار السياسي التي أرساها ورسّخها مجالات نضج الحضارة الإسلامية وتقدمها ورقيها، ولم يك كل ذلك ممكناً من دون استقرار وملك قوي كملك الأمويين.

ولم ينس وقيع الله أن يذكرنا بدوره ـ وهذا هو بيت القصيد ـ بأن هذه الفكرة التي ذكرها الدكتور الخليفة يوم ذاك تلخص جوهر موقفه السياسي العملي الواعي. فالسياسة عنده ليست شعارات ولا أوهاما ولا مثاليات معلقة يتغني الناس بها بينما هم في الأوحال غارقون. إن السياسة عنده فن الممكن في خدمة الناس، وليس فن الممكن في التشبث بالحكم، وهو في كل ذلك ملتزم بقيد الأخلاق لا ينفك عنه طرفة عين.

قبل التعليق علي هذا الرأي لا بد أن نضيف مداخلة تالية للأخ محمد وقيع الله وردت في مقابلة أجرتها معه شبكة المشكاة الإسلامية (لا يوجد تاريخ علي النص المنشور في الموقع) جاء فيها: أعتقد أن الحركة الإسلامية التي تقودها الدولة الانقاذية في السودان هي حركة واسعة المدي وحركة تحول اجتماعي بمعناه الواسع، وهي الان تؤسس مجتمعا إسلامياً من كافة النواحي ثقافةً وأدباً وسلوكاً، وتبذل محاولات جادة تشمل تأسيس اقتصاد إسلامي وبنوك إسلامية، وتجري محاولات لا بأس بها لأسلمة المناهج التربوية والإعلامية. وعموما أعتقد أن المشروع الانقاذي الإسلامي مشروع قوي وناجح وفاعل.

وهنا تساءل المحاور قائلاً: في إجابتك نري بعض التداخل والتضارب. فمن يقود الآخر: الحركة الإسلامية تقود الإنقاذ أم العكس؟! . أجاب وقيع الله لا فض فوه: الذي يدرك دواخل الأمور يعرف لا محالة أن الدولة الإنقاذية تقود الحركة الإسلامية. فهي أقوي من الحركة الإسلامية، وهي تؤدي من وظائف الحركة الإسلامية حتي علي المستوي التربوي أكثر مما تؤديه الحركة. الإسلامية ومن ناحية عامة يمكن أن أقول باطمئنان إن الحركة الإسلامية لا سلطان لها علي الإنقاذ، ولا يوجد لديها خيار إلا أن تقوم بدعم الإنقاذ. هذا هو خيارها الوحيد ولذا فإن علي منظري الحركة الإسلامية الصغار أن يكفوا عن لغوهم ومزاعمهم أن الحكومة والمؤتمر الوطني قد سلباها القياد، وعليهم أن يدركوا أن الحركة الإسلامية الحقيقية هي الحكومة وجيشها وقوات أمنها لا هم.

هنا نري التسلسل المنطقي للإشادة بالانقلاب الأموي وتمثله فكراً وسلوكاً في رموز حكم الإنقاذ، وهذه الدعوة الواضحة للاستقالة الفكرية والأخلاقية من قبل كل مفكر إسلامي صغير، الذي ما عليه بحسب الأخ محمد وقيع الله سوي أن يقدم نفسه للتمام وأن تصرف له بدلة عسكرية (كما فعل الكثيرون حقيقة لا مجازاً) ثم ينتظر أن تصرف له الأوامر من الجيش والأمن عن كيفية التفكير وموضوع التفكير. فالمفكر بحسب وقيع الله يجب أن يكتب بالأوامر، ويصل إلي نتائح تفكيره بالأوامر. وإذا قالت القيادة الإنقاذية إن أمريكا قد دنا عذابها سار في الشارع مع الهتافة والمنشدين، أما إذا قالت نفس القيادة إن التعاون الأمني مع المخابرات الأمريكية فرض عين علي كل مسلم ومسلمة، سارع بتقديم التبريرات لذلك. أما إذا ارتكبت المجازر في دارفور وغيرها وهجر الملايين وعرض الوطن (وحكومة الإنقاذ نفسها) للخطر، فإن واجب المفكر أيضاً هو التسليم والبحث عن الأعذار في المؤامرات الأمريكية التي سمعنا قبل قليل أنها الصديق الصدوق الذي لا يضن عليه بسر ولا خدمة.

إن من حق من شاء أن يستقيل من فريضة التفكير وواجب إصدار الأحكام الأخلاقية، ولكن هذا لا يمكن أن يكون مطلباً يفرض علي الآخرين في أمة الشهادة التي أمر الله تعالي كل فرد فيها بأن يكون من الشهداء بالقسط القوامين لله. ولأمر ما لا نأخذ اليوم ديننا عن معاوية ولا المأمون، وإنما نأخذه من الخلفاء الراشدين أو البقية الباقية من أهل الصدق من المحدثين والفقهاء الذين قتلهم أو قاتلهم أمراء السوء. وهناك فرق بين التماس العذر لمعاوية وغيره ممن قصر عن قيم الإسلام، وبين الاستنتاج الماكيافيلي بأن هذا التقصير هو الغاية التي يجب أن يسابق إليها المتسابقون.

ولكن دعنا في هذا المقام من الحديث عن المثاليات وعن العودة إلي النقاش المتعمق في دروس اندثار الخلافة الراشدة والانقلاب الأموي، فهذا أمر يحتاج إلي نقاش منفصل نعد بالتطرق إليه في مقالة قادمة إن شاء الله. ولنكتف هنا بتأمل عبر الماضي القريب، ولنأخذ تجارب يبدو أنها متضاربة، ولكنها سارت كلها علي طريق واحد. فهناك أولاً تجارب الأحزاب الشيوعية التي قامت بدون استثناء بتسليم قيادها إلي طغمة أمنية ـ عسكرية حولت الحزب إلي فرع لجهاز الأمن (وحولت كثيراً من الأحزاب الشيوعية حول العالم إلي فرع من هذا الفرع). وعلي هذا النهج نهج آخرون، هم قريبون منا مكاناً وثقافة، متمثلين في الحركة اليسارية ـ القومية في العهد الناصري والحركات القومية في العراق وسورية. في كل هذه البلاد أسلم الحزب قياده لطائفة من الانقلابيين المحترفين، بينما تحول كل المفكرين والمنظرين (وما أكثرهم) إلي مجرد شعراء بلاط وضباط علاقات عامة في حضرة الدكتاتور الواحد. وكانت النتيجة بلا استثناء، وهي أن هذه الحركات اندثرت باندثار النظم التي أسلمت لها قيادها، ونالت كراهية الشعب الذي حملها أوزار ما ارتكبه جلاوزة النظام.

ونحن نحمد الله أن علماءنا ومفكرينا الأوائل لم ينتصحوا بنصيحة الأخ وقيع الله وأسلافه من النواصب الذين رأوا تأليه الحاكم ومرجعيته التي لا ترد في أمور الدين، بل تحركوا باستقلال عن السلطان لبيان مقتضي تعاليم الدين والقواعد الأخلاقية التي يقوم عليها، وإلا لكان الإسلام لحق بالشيوعية وبقية العقائد المندثرة، مثل الأديان الفرعونية والبابلية والساسانية التي انقرضت بانقراض الدول الراعية لها. ولا نقول جديداً أو نكشف مجهولاً حين نقول إن الإسلاميين في السودان، حتي لو لم يتبعوا نصيحة وقيع الله، في خطر عظيم من اندثار حركتهم التي ستتبعها اللعنات لأجيال قادمة لمجرد صمتهم عما يرتكب باسمهم من كبائر. ففي العراق مثلاً لم يدفع البعثيون وحدهم فاتورة نظام صدام القمعي، بل إن العرب السنة كلهم يقاسون تبعات ذلك رغم أن أكثرهم كانوا من ضحايا النظام، وذلك لمجرد أنهم استكانوا ولم يبكروا بالانضمام للمعارضة لذلك النظام الذي كان يحكم باسمهم زوراً وبهتاناً. ومايزال كثير من أبرياء الألمان والصرب والهوتو يدفعون فاتورة لا علاقة لهم لأن مظالم ارتكبت باسمهم.

هناك سبب قوي بأننا لا نسمع اليوم ـ علي كثرة المذاهب والنحل الإسلامية ـ من يزعم أنه علي مذهب معاوية بن أبي سفيان أو عبدالملك بن مروان، ناهيك عمن يتباهي بأنه علي مذهب يزيد أو الحجاج أو زياد بن أبيه. وبالمثل فإننا لن نسمع في المستقبل ـ ولا نسمع اليوم ـ من يفتخر بأنه من أتباع صلاح قوش أو من حواريي نافع علي نافع، إلا إذا كان الأخ وقيع الله ينوي أن يكون أول مؤسسي هذه المذاهب، رضي الله عنا وعنه. وبالنسبة للبقية من الإسلاميين فإنه ما لم ينتفضوا علي هذا الوضع وينأوا بأنفسهم عما يجترح باسمهم، فإنه لن يضرهم شيئاً أن يتبعوا وقيع الله في التعبد في محراب أهل السلطان، وأن يتخذوا قادة الأجهزة الأمنية أرباباً من دون الله جرياً علي أهل الملل السابقة ممن نعي عليهم القرآن اتخاذ أحبارهم ورهباناً أرباباً من دون الله. ذلك أن تعطيل العقل واتباع قيادات الضلال من غير هدي هو عين الشرك والظلم العظيم الذي لا يغتفره الله تعالي لإنسان.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية