الياس خوري
اعترف انني اخطأت، فالشاعر احمد دحبور لم يعتقل في غزة، كما كتبت في مقالي صباح الثلثاء الماضي. اذ اوضح دحبور المسألة في مقال نشره في صحيفة الحياة الجديدة الخميس 13 ايلول (سبتمبر) الجاري. وقد عزا الشاعر الفلسطيني الأمر الي التباس وقع في الأسم، فأحمد دحبور الذي اعتقل هو غير احمد دحبور الشاعر. كتب دحبور في مقاله: اخذت النبأ علي محمل الالتباس الناجم عن تشابه الأسماء، لا سيما وانني اعرف ثلاثة اشخاص يحملون اسمي… ولعلي وقعت في شر غفلتي عن ضرورة نفي النبأ.
دحبور تأخر كي ينفي النبأ، فأوقعني واوقع غيري في خطأ كبير. والحقيقة انني في بيروت لا املك وسيلة للاتصال الهاتفي بالاراضي الفلسطينية المحتلة. فمن شروط رفض التطبيع اننا لا نستطيع ان نتلفن الي فلسطين، بينما يستطيعون هم ان يتصلوا بنا، لأن اسرائيل لم تقفل رموز الاتصال الهاتفي بلبنان وسورية، فصار الأمر مثيرا للسخرية. وجلّ ما حققته سياسة اقفال الرمز الهاتفي لفلسطين انها منعتني من الاتصال بغزة، مما اوقعني في الخطأ.
التراجع عن الخطأ ضروري، وهذا ما افعله الآن، غير ان هذا لا يكفي في رأيي. اذ ان خطأي وخطأ بعض زملائي، يعود الي التباس الاسماء، وهو جزء من تركيبة اسم العلم في الثقافة العربية القديمة والحديثة.
التباس الأسماء مسألة لا نهاية لها، يكفي ان نتصفح كتاب الأغاني لنكتشف ان الكثير من اسماء الشعراء اختلطت بسبب تشابه الأسماء، من امرئ القيس الي آخره. هذه الظاهرة انتفت في العصر الحديث مع شيوع اسم العائلة. صحيح ان هناك عشرات الألوف من الذين يحملون اسم احمد او محمد او حسن… لكن اسم العائلة او الكنية الذي يصاحب الاسم يحميه ويميزه، اذ لا مجال اليوم للالتباس بين احمد دحبور واحمد عبدالمعطي حجازي، او بين علاء الديب وعلاء الاسواني… غير ان المسألة تتخذ بعدا آخر حين نصل الي اسماء العائلات المرتبطة بالمهن: نجار، حداد… وخصوصا عائلة خوري التي انتمي اليها، بحيث يفقد اسمك، وخصوصا اذا كان شائعا مثل اسمي، صفته كاسم علم. وهذا ما تنبه اليه شاعران كبيران، بشارة الخوري حلّ مشكلة التباس اسمه، وخصوصا انه سيتطابق مع اسم رئيس جمهورية الاستقلال في لبنان، بأن اتخذ لنفسه لقب الأخطل الصغير، ورشيد سليم الخوري اطلق علي نفسه اسم الشاعر القروي. رئيف خوري لم يجد نفسه مضطرا الي هذه اللعبة، لأن والده جنبه هذه المشقة عندما اختار له اسما غير شائع.
اما انا فيا للهول. بدأت مشكلتي في مقاعد الدراسة الابتدائية، حيث كان في صفي ولد يدعي ايضا الياس خوري، وكان هذا محل تندر المدرسات والمدرسين، ورافقتني المسألة حتي نهاية المرحلة الثانوية. ثم لم يعد الأمر يعنيني، اذ ان انخراطي في العمل السياسي شبه السري الذي اجتاح اوساط الشباب اللبنانيين، بعد الهزيمة الحزيرانية، اراحني من اسمي. اذ كان التقليد ان نتخذ لأنفسنا اسماء مستعارة، ولم نعد نبالي.
لكنني حين بدأت انشر لم اتنبه الي المسألة، نشرت مقالاتي ورواياتي باسمي الصريح، ولم يخطر في بالي ان هذا الاسم سيرتب مضايقات في المطارات العربية، او سيخلق التباسا كأن ينشر صحافي سوري يحمل الاسم نفسه مقالات في الصحف السورية تمجد النظام!
اعتقدت ان المسألة وصلت الي نهايتها وانني زمطت باسمي، الي ان وقعت علي موسوعة للأدب العربي الحديث اصدرها معهد الاستشراق الالماني في بيروت، تنسب الي كتابة رواية لم اكتبها تحمل عنوان عكا والرحيل. هرعت الي المكتبة لاكتشف ان الرواية موجودة، (وهي بالمناسبة رواية ممتعة وجيدة)، واكتشفت ان كاتبها فلسطيني يعيش في سورية، وان لا صلة قربي تجمعني انا البيروتي به. بعد ذلك تدارك الكاتب الآخر الأمر وصار يوقع باسمه الثلاثي، الياس انيس الخوري. اراحني هذا بالطبع، ومن المؤكد انه اراحه ايضاً، غير ان الالتباس لا يزال قائما، وآخر تجلياته كان في الاسبوع الماضي في مخيم البداوي قرب طرابلس، حيث دعيت لالقاء محاضرة عن الادب الفلسطيني، وفوجئت بمقدم الندوة يدرج رواية عكا والرحيل من ضمن مؤلفاتي! قمت بايضاح الأمر واقنعت نفسي بأن من يقع في هذا النوع من الأخطاء لم يقرأ تلك الرواية، والا لاكتشف انها لا تمت بصلة الي اسلوبي السردي ومناخات رواياتي.
لا شك ان الفضائية العربية، التي نقلت عنها الصحف خبر اعتقال احمد دحبور، وقعت في خطأ التباس الأسماء المطابقة، وهي معذورة في ذلك. لكن خطأي انني لم اشكك في الخبر، وهذا يعود الي ان كل شيء صار ممكنا في هذا الزمن العربي الأسود. فحين يُقتل الكتاب وتُمنع الكتب، وحين تصير مجتمعاتنا سجنا كبيرا يهيمن عليه الخوف، عندها يصير كل شيء قابلا للتصديق، لأن الحرمات تنتهك في كل يوم.
رغم تفسيري للخطأ الذي وقعت فيه، لا بد من الاعتذار عن الخطأ غير المقصود، ولذلك اعتذر.