عبد الرحمن مجيد الربيعي
من اصغي لتقريري السفير الامريكي ببغداد كروكر وقائد القوات الامريكية في العراق الجنرال بترايوس لن يجد فيهما جديدا، فقد تم تسريب كل ما فيهما قبل ان يقدما. ورأي عدد من المراقبين ان هذين التقريرين كأن صاحبيهما قد لقّنا بهما ليأتيا متطابقين مع رؤية الرئيس الامريكي وما يصر عليه من تفاؤل رغم ان البلد قد محق وتحولت احياء بغداد الي كانتونات طائفية بعد عمليات الفرز المرعبة التي لا حرمة فيها للانسان (ذكر لي صديق عراقي التقيته في بلد عربي انه وزيادة في التنكيل كانت تتم خياطة رؤوس كلاب علي اجساد بشرية قطعت رؤوسها!). وفي اواخر الاسبوع الماضي ظهرت الاحتجاجات علي شكل مظاهرات وطنية احتجاجا علي الشروع ببناء جدار طائفي عازل (اسوة بالجدار العنصري في اسرائيل ما دام المنهل الانتقامي واحد) بين محلتين شعبيتين كبيرتين من محلات بغداد هما الشعلة والغزالية باعتبار الاولي (شيعية) والثانية (سنية) وما هما كذلك.
لقد تنادي ابناء المحلتين وانطلقوا في مظاهرة احتجاج عارمة ضد هذا الجدار وكتبوا علي ما بني منه شعارات الاستنكار لكون ابناء هاتين المحلتين عراقيين اولا وهم عرب ايضا ولن تفرقهم صراعات العملاء وفتاوي العمائم الوافدة.
اعود الي تقريري كروكر وبترايوس فهما مليئان بالتفاؤل، ولا يدري المرء كيف يتفاءل هذان المسؤولان المطالبان بقول الحقيقة للعالم وللشعب الامريكي وللكونغرس وان يعلنا ان الاحتلال دمر بلدا آمنا لا علاقة له بالمرة بما جري لامريكا في الحادي عشر من ايلول (سبتمبر). لقد ضرب الامريكان في عقر دارهم وبدلا من ملاحقة من خطط لكل هذا انتقموا من العراق رغم ان نظام الحكم في العراق ـ وهذا ليس دفاعا عنه، بل اقرار بحق ـ هو بين اكثر الانظمة عداء للقاعدة فهو نظام يحكمه حزب عربي علماني.
لقد دفع العراق ثمن فعلة لم تكن له يد فيها، ولم يكن مؤيدا لها بالمرة ورغم كل ما سببته امريكا من تدمير في حرب الخليج الاولي وما تلاها من حصار حرمت منه حتي اقلام الرصاص عن اطفال المدارس لم يشمت احد بما حصل للشعب الامريكي ابدا، بل وجدنا هناك تعاطفا قويا معه في محنته رغم ان نظامه السياسي هو الذي اكسبه هذا العداء المتطرف الذي صرفت المليارات من اجل تغييره ولم تأت بنتيجة، لا بل ان الكراهية تزايدت.
ولسائل ان يسأل: لماذا يقابل المسؤولون الامريكان، من الرئيس الي نائبه الي بعض وزرائه بمظاهرات الاحتجاج اينما ذهبوا؟
ألا يستحق هذا الوضع مراجعة للسياسات القائمة؟ ومن ثم معرفة الجواب الحقيقي للسؤال الامريكي الملح والمتكرر: لماذا يكرهوننا؟ فيعرفون ان العالم يكرههم لافعالهم، ولغطرستهم ولسيطرة منطق القوة علي سياستهم تجاه الشعوب الاخري.
ألم يكن قرار غزو العراق قرارا امريكيا لا علاقة لمجلس الامن به؟
ان تقريري المسؤولين الامريكيين تزامنا مع ذكري 11 ايلول (سبتمبر) ثم تلاهما تعليق الرئيس الامريكي في خطابه صبيحة يوم 14 ايلول (سبتمبر)، وبدلا من التركيز علي تنظيم القاعدة الذي ما زال قادته طلقاء ويظهرون بين فترة واخري في اشرطة مسجلة تبثها الفضائيات وفي تصعيد شديد اللهجة تجاه امريكا يجري الحديث عن تنظيم القاعدة في العراق، وكيف اصبح العراق ملاذا له، ويعود المراقب ليسأل: ما الذي جاء بهذا التنظيم للعراق؟ وليس هناك الا جواب واحد علي هذا السؤال هو ان امريكا هي من جاءت به، ما دام اعداء امريكا يلاحقونها الي كل مكان تتواجد فيه قواتها، ووجود هذا الكم من القوات في العراق يغري القاعدة وغيرها من التنظيمات المسلحة بالمجيء لتصفية الحسابات معها، وهكذا صار الشعب الامريكي يدفع يوميا عددا من ابنائه الجنود والضباط قتلي نزعة الهيمنة والعنجهية.
وعندما زار الرئيس الامريكي قاعدة الاسد الامريكية في العراق تقصد استقبال الشيخ عبد الستار ابو ريشة وظهرت صورتهما المتلفزة معا، لا بل انه بدا وكأن هذا الشيخ انجازه الذي يتباهي به لذا ركز كل من كروكر وبترايوس في تقريريهما عليه، وارادت الادارة الامريكية ان تجعل منه نموذج شيخ القبيلة السني المتعاون والصديق في اكثر مناطق العراق رفضا لاحتلالهم الذي يجري الاعداد لتعميمه في المناطق الثائرة الاخري، نينوي، ديالي، صلاح الدين.
لكن ظهور الشيخ ابو ريشة السافر مع الرئيس الامريكي قد قصّر من اجله فتم اغتياله بعد اقل من عشرة ايام علي لقائه ذاك مع الرئيس الامريكي. وهكذا اجهض هذا (الحلم الامريكي) ليتحول الي درس لكل من يتعامل مع الاحتلال.
اما العنوان الذي وضعته لموضوعي هذا علي صيغة سؤال (من قتل الشيخ ابو ريشة )؟ فالجواب عليه هو ان هناك عدة احتمالات ولكن ليس بينها ما هو اهم من احتمال كون الامريكيين هم المتسببين فيه اذ بالغوا في دوره وما قام به، وكأن انحيازه لهم نهاية المأساة العراقية، لكن الشيخ ابو ريشة في الوضع الذي جعله الامريكان عليه اصبح مستهدفا من اكثر من جهة، فالقاعدة تستهدفه هو بالذات، وقد تعامل مع الجيش الامريكي ضدها، وقد اعترفت بتنفيذ مهمة قتله.
والحكومة الحالية المنصبة برئيس وزرائها الطائفي نوري المالكي لم تنظر بعين الرضا لهذا التقارب الامريكي مع الشيخ ابو ريشة خاصة وان امريكا امدته بالمال الكثير والسلاح الكثير. وقد تحرك المالكي معلنا عدم رضاه عن تسليح هذه القبائل فمعني هذا تشكيل ميليشيات سنية تقابل الميليشيات الشيعية.
اما فصائل المقاومة العراقية فلا ننسي انها اكدت في كل بياناتها انها لا تستهدف قوات الاحتلال فقط، بل والمتعاملين معها ايضا سواء كانوا داخل الحكومة المنصبة الحالية او الحكومات التي سبقتها، او من بقية العراقيين.
وهكذا كانت مأساة هذا الشيخ الذي دفع من اجلها حياته، ولا بد للاحتلال من ان يبحث عن آخرين وان عثر عليهم لن تكون خاتمتهم اقل مأساوية من نهاية الشيخ ابو ريشة!8