من فاز بانتخابات المغرب؟

حجم الخط
0

محمد الهاشمي

لا يبدو الجواب علي هذا السؤال ممكنا في حالة الانتخابات التشريعية التي أجريت في المغرب في السابع من ايلول (سبتمبر) الجاري، خاصة اذا كان الجواب المبحوث عنه جوابا كلاسيكيا عن سؤال كلاسيكي في انتخابات كلاسيكية. وبمعني آخر، فاذا كانت وظيفة الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية آلية تمكن الشعب من اختيار أغلبية تحكم وأقلية تراقب الأغلبية، فان الانتخابات المغربية لا تزال بعيدة عن لعب هذا الدور، فبعيدا عن الخطاب الرسمي الذي يختزل علاقة الانتخابات بالبناء الديمقراطي في مسألة نزاهة وشفافية الاقتراع، يمكن تسجيل مفارقة صارخة في السياق السياسي العام الذي أجريت فيه هذه الانتخابات وتتجلي في وجود اطار قانوني وتنظيمي جد متقدم بالمقارنة مع تجارب أخري في المنطقة العربية، يضمن اجراء عمليات انتخابية تنسجم في الكثير من الجوانب مع الحدود الدنيا للمعايير المتعارف عليها دوليا، لكن مقابل ذلك فان المؤسسات المنبثقة عنها تبقي ذات صلاحيات هزيلة تجعلها ابعد ما تكون عن لعب الدور المنوط بمثيلاتها في الأنظمة الديمقراطية وهذا ما يضعنا أمام مفارقة أخري ناخبون ينتخبون برلمانا ليس من المؤكد أن تنبثق عنه حكومة، واذا تم ذلك فانها حكومة لا تطبق بالضرورة البرنامج الذي انتخبت علي أساسه وتنفذ سياسات لم تشارك في صنعها. ان النتائج السياسية التي ترتبت علي هذه المفارقة علي مدار تاريخ الانتخابات بالمغرب والتي لم تتأثر بالاصلاحات التي أدخلها العهد الجديد كانت لها انعكاسات سلبية علي تمثل المواطن المغربي لكل ما له علاقة بالسياسة، يمكن رصد تجلياتها بوضوح علي مستوي الانتشار الكبير لظاهرة عدم التسيس dژpolitisation خاصة في شكله الحزبي لدي أغلب فئات الشعب المغربي وخاصة الشباب الذي أصبح يفضل الانخراط في العمل الجمعوي التنموي بدل الانخراط في الأحزاب السياسية. ولذلك فخلافا لما قدمه البعض من تفسيرات جاهزة لارتفاع نسبة العزوف التي بلغت 63% حسب الاحصائيات الرسمية دون احتساب 19% من الأصوات الملغاة، والتي تختزل ظاهرة العزوف في أسباب تقنية كالجهل بطريقة التصويت وارتفاع نسبة الأمية أو عدم تمكن العديد من الناخبين من سحب بطائقهم الانتخابية فاننا نعتقد أن المسالة أعمق من هذا بكثير، فالاختلال الكبير في درجة التساوق بين ايقاع تطور الذهنيات في المجتمع المغربي وبين ايقاع تطور بنياته السياسية زاد في عدد الغاضبين علي هذه البنيات والمنسحبين منها وساهم في ظهور حزب جديد يشكل الحزب الاغلبي الحقيقي الذي عجزت كل الانتخابات السابقة عن اعطائه موطئ قدم في المؤسسات المنتخبة وهو حزب المقاطعين، ورغم أن هذا الحزب يفتقر الي مقر رسمي وبنية تنظيمية كلاسيكية الا أنه مع ذلك يبقي الحزب الأكثر تجذرا وجماهيرية، ويضم ملايين المنخرطين يتوزعون علي كافة الفئات العمرية وعلي كافة الطبقات الاجتماعية بالمغرب، ويتميز عن باقي الأحزاب بكونه لا يحتاج الي فنادق الخمس نجوم لعقد مؤتمراته لأنها مؤتمرات مفتوحة دائمة الانعقاد في المقاهي وفي المدونات علي الانترنت وعلي صفحات الصحافة المستقلة.

ويمكن القول في هذا الصدد ان الدولة كانت أقل غباء من الأحزاب السياسية حينما استشعرت خطورة الانفلاتات اللامؤسساتية التي قد تترتب عن اختلال التوازن بين الذهنيات والبنيات في المجتمع المغربي وسارعت الي خلق جمعية 2007 دابا كذراع جمعوية تدافع عن مقاربة الدولة للاصلاح وتعمل علي تعبئة الشعب لدعم هذه المقاربة. واذا كانت هذه الجمعية قد فشلت في مهمتها فانها علي الأقل قد نجحت في فضح الأحزاب ونخبها التي اكتفت بلعب دور التلميذ النجيب الذي يحرص علي تعلم فنون التواصل في فصول المناظرات الجهوية الديمقراطية التي نظمتها هذه الجمعية.

وعلي العموم فان المناخ العام الذي أجريت في اطاره هذه الانتخابات وتداعياتها علي مجري الحياة السياسية بالمغرب ستشكل بدون شك حقلا خصبا للملاحظة السوسيولوجية، وفي انتظار ان يتضح المنحي الذي ستاخذه الحياة السياسية في مرحلة ما بعد الانتخابات يمكن ابداء مجموعة من الملاحظات الأولية: ـ أولا: أن ارتفاع نسبة المقاطعين في البوادي والتي ناهزت 59% دون احتساب الأوراق الملغاة تعتبر مؤشرا علي بداية نهاية مقولة الفلاح المدافع عن العرش وأصبحت تهدد التوازنات السوسيوديمغرافية التي تضمن استقرار النظام، ذلك أن انقلاب المعادلة الديمغرافية لفائدة الساكنة الحضرية لأول مرة في تاريخ المغرب مع بداية الألفية الثالثة يمكن أن تترتب عنه تحولات كبيرة في سلوك الناخبين غير أن وزارة الداخلية أبانت عن حس استباقي كبير في قراءة هذه المعطيات وهو ما يتجلي في اعتمادها علي تقنية التشتيت Geremandring في التقطيع الانتخابي وذلك عن طريق الدمج بين المناطق الحضرية والقروية في تشكيل الدوائر الانتخابية من اجل اضعاف تأثير التحولات الديمغرافية علي نتائج الاقتراع.

ـ ثانيا: يلاحظ أن التضخيم الاعلامي للنتائج التي حصل عليها اللامنتمون يروم الامعان في تحقير الأحزاب التي لم يستطع أي منها تحقيق النتائج التي حققتها لائحة الكرامة والمواطنة التي قادها كاتب الدولة السابق في الداخلية. والواقع أن الفوز الساحق لهذه اللائحة لا علاقة له بعدم انتمائها سياسيا أو ببرنامجها بقدر ما هو ناتج عن طبيعة شخصية وكيلها الذي أضفي عليه قربه من الملك صفة مرشح سيدنا سواء قصد استعمال هذه الصفة أم لا، وبالتالي فان شبه الاجماع الذي حصلت عليه لائحته يعتبر امتدادا للاجماع الموجود لدي المغاربة علي دينامية الملك الشاب. اضافة الي ذلك فان تركيبة اللائحة التي تضم سليلة عائلة القائد العيادي أحد أعيان المنطقة جعلت العامل العائلي والقبلي حاسما في هذه النتيجة.

ـ ثالثا: أن اليسار دفع غاليا ثمن التناقضات الواضحة بين طريقة تفكيره وبين تصريف هذا التفكير علي شكل مواقف، وهو التناقض الذي زاد من تعميق الهوة بين اليسار كفكر واليسار كتنظيمات، حيث بادرت الأحزاب اليسارية الي المشاركة في انتخابات يشكك العديد من معتنقي الفكر اليساري جدواها، اضافة الي أن ضعف التنسيق علي مستوي ترشيح القيادات (محمد الساسي وأحمد بنجلون في دائرة الرباط المحيط) جعل هذه الأحزاب تظهر بمظهر الأحزاب التي لا تهتم سوي بالمقاعد. ويمكن القول ان الخاسر الأكبر في العائلة اليسارية هو حزب الطليعة الذي تراجع عن شروطه القبلية للمشاركة ليخرج خاوي الوفاض من هذه الانتخابات التي ستفقده المشاركة المجانية فيها الكثير من مصداقية خطابه الذي أصبح أقل راديكالية.

ومن جهة أخري فان النتائج الضعيفة لليسار سيكون لها بلا شك تأثير علي مطلب الاصلاح الدستوري الذي يشكل معطي أساسا في خطابه السياسي وبالمقابل فان هذه الهزيمة ستقوي طروحات الأحزاب اليمينية المحافظة التي لا تؤمن بالاصلاح الدستوري كمدخل للاصلاح السياسي أو تلك التي تتبني خطاب التأجيل المستمر للاصلاحات الدستورية.

ـ رابعا: ان الاتهامات المتبادلة بين الأحزاب حول فساد الانتخابات باستعمال المال تنطوي علي رغبة العديد من القيادات الحزبية في الاصطياد في الماء العكر والتهرب من تحمل مسؤولية الفشل فاذا كانت كل الأحزاب تعتبر نفسها ضحية استعمال المال فمن الذي يستعمل هذا المال اذن؟ ان المفارقات التي يخلفها الجواب علي هذا السؤال لدي المواطن العادي هي جزء من العوامل التي تخلق لديه النفور من العمل السياسي الحزبي وبالتالي حدوث هذا التسونامي من المقاطعين. ومن زاوية أخري فان الخطاب حول استعمال المال لا يخلو من نزعة تبريرية تروم اخفاء الأسباب الجوهرية للازمة السياسية التي ليست ظاهرة العزوف عن المشاركة في الانتخابات سوي أحد أعراضها، ذلك أن محاربة الغش واستعمال المال لا يمكن اختزاله في مسألة قوانين ومراقبة وردع بقدر ما هي مسألة غياب للمناخ الديمقراطي الذي وحده ما يعطي للمؤسسات معناها، فلو كان البرلمان يقوم بوظيفته الحقيقية المتعارف عليها في الأنظمة الديمقراطية ولو كانت العلاقات بين الفاعلين علاقات ممأسسة خالية من أي اعتبارات شخصية ومن المحسوبية والزبونية لفكر العديد من الأشخاص ألف مرة قبل الاقدام علي تقديم ترشيحاتهم لولوج البرلمان فبالأحري أن يدفعوا أموالا طائلة مقابل ذلك.

من الواضح اذن انطلاقا من كل هذه الاعتبارات أن الجواب علي السؤال المطروح أعلاه لن يكون جوابا كلاسيكيا. لأن الفائز الحقيقي فيها ليس هو الحزب الذي حاز علي أكبر عدد من المقاعد، والذي يقل عن سدس عدد مقاعد المجلس، بل الفائز الحقيقي هو الاستمرارية أو statut quo الذي رعاه النظام المخزني ليتمكن من التحكم في الحياة السياسية، فاللعبة هي نفسها رغم تغيير قواعدها، فبالأمس كانت الداخلية تعمل علي التحكم والمراقبة بواسطة التزوير واليوم تتكلف القوانين الانتخابية بتحقيق الهدف ذاته. وفي انتظار اصلاحات ديمقراطية حقيقية تعطي للانتخابات معناها الحقيقي، ستبقي الانتخابات المغربية ضربا من العبث يجعلها أشبه ما تكون بمباراة في كرة القدم يخوض غمارها لاعبون لكنها تنتهي بفوز الحكم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية