مدينة الأموات ..!

حجم الخط
0

عبد العزيز محمود

غ1ف كلما رأيت قرص الشمس الدامي يهبط رويدا رويدا في الأفق البعيد ليختفي وراء مياه البحر الكبير تذكرت دورة حياتنا نحن البشر علي هذا الكوكب البائس والتي تبدأ بالميلاد وتنتهي بالموت ثم تعجبت لهؤلاء الحمقي الذين يرفضون الاعتراف بشيء اسمه الغروب!

غ2فمن الجائز أنه رحل فعلا وربما ما زال علي قيد الحياة لكن الغريب في الأمر أنه لا أحد يكترث بعد أن أصبح غيابه ووجوده سواء. فمنذ أن ظهر التلفاز لم يعد أحد يكترث بصندوق الدنيا الذي كنا نستمتع من خلاله بمشاهدة الأراجوز. وبالأمس قابلت صاحب الصندوق العجيب يسير بصعوبة علي الطريق المحاذي للترعة حاملا علي كتفيه أعباء السنين ثم رأيته يتواري خلف شجرة جميز رافعا جلبابه ليقضي حاجته في هدوء!

غ3فعندما خرجوا من شبه الجزيرة القاحلة المقفرة علي صهوات الجياد باحثين عن أراض جديدة يفتحونها ويعيشون فيها ناشرين ما يعتقدون من قيم لم يكونوا يعتقدون لحظة واحدة أنهم سيخلفون أحفادا سوف يكونون نماذج في الانبطاح.

غ4فسألتني الفتاة الصغيرة هل حقا أنا قادم من مدينة الألف مئذنة التي يتغني بها الشعراء منذ قديم الزمان فأخبرتها أنني بالفعل قادم من هناك لكن الشعراء لم يعودوا يصدحون بالغناء للأميرة الجميلة النائمة في قصرها المسحور منذ قرون. وعندما سألتني صغيرة السن عن السبب في اختفاء الغناء حاولت التهرب ثم اعترفت لها بالحقيقة قائلا انه الجوع!

غ5فحين رأيت الهرم لأول مرة وقفت مندهشا حائرا من ضخامة وروعة بنيانه العملاق الذي تحدي الزمن عشرات القرون. وعندما عبرت مدخله الحجري أجبرني انخفاض السقف علي الانحناء اجلالا ثم تابعت رحلتي عبر الممرات الهابطة والصاعدة وصولا الي غرفة الدفن. وهناك حيث يختفي الزمن رأيت تابوت الفرعون يتربع بجلال علي الأرض الحجرية للغرفة التي يفوح منها عبق التاريخ.. عندئذ أسرعت الخطي لأنظر ما في التابوت لكنني لم أجد بداخله سوي الفراغ! غ6ف يطلون علينا من شاشات الفضائيات عابسين متجهمين يغرقوننا بسفسطة الكلام حول ما هو جائز وما لا يجوز معتقدين أنهم حاملو أسرار الكون والوجود. وحين تتأمل بعقلك ما يقولون تراهم يحولون كل ما يتفق مع الفطرة الي غابة معقدة من الأحكام التي يتوه فيها الانسان. وكما فعل البيزنطيون حين حوصرت بيزنطة يظل هؤلاء يرددون سفسطاتهم بينما أعداؤهم يخترقون القلاع ويسيطرون علي الحصون!

غ7فكان رجلا جادا لا يعرف المزاح حتي سافر الي القطب الشمالي في مهمة علمية لمدة عامين عاد منها رجلا لا يعرف في الحياة غير المزاح. وهكذا ذهبنا اليه جميعا لمعرفة سر هذا التحول الغريب فاخبرنا أنه اكتشف في قمة الأرض المتجمدة وسط الثلوج أن الحياة أقصر من أن تضيع في الكآبة وعدم الانبساط!

غ8فيصدعون رؤوسنا بأغانيهم التي لا تتوقف في حب الأوطان مختزلين عشق الوطن في أغنية أو بضع أغنيات ثم يواصلون مهمتهم غير المقدسة في نهب الثروات بدعوي أن ما ينهبونه مكافأة طبيعية علي تفانيهم طربا في الغناء للأوطان!

غ9فلم أر في حياتي رجلا متقلبا مثله يترنح ذات اليمين وذات الشمال في رحلته عبر دروب الحياة.

في الماضي كان متصوفا لا يفارق خلوته الا لكسب لقمة العيش ثم اختفي ذات يوم ولم نعرف أين حملته رياح الأقدار. وبعد سنين قابلته بالصدفة في حانة صغيرة علي أطراف العالم في البلدة الواقعة في أقصي الشمال فسألته أين كان خلال غيبته الطويلة فأخبرني أنه كان غارقا في أنهار النبيذ وأحضان الحسناوات بحثا عن معني الوجود!

غ10ففي البدء كان سائق حافلة سياحية تمضي بالقادمين من الشمال وسط الأطلال للاستمتاع برؤية مخلفات القرون الغابرة حتي أطل الارهاب بوجهه القبيح لتختفي الحافلة بركابها ذات يوم في انفجار مخيف لكنه رغم التشوه الذي أصاب وجهه كان من الناجين. ثم سمعنا بعدها أنه لجأ الي المقاتلين في الجبال بعد أن فشل في العثور علي عمل جديد! غ11فخطفت قلبي بذكائها وجمالها وقدرتها علي قراءة الأفكار لدرجة أنني اعتبرتها توأم الروح وبالفعل صارت صداقة عميقة حتي فرقتنا الغربة والجري وراء لقمة العيش. وبالأمس وبينما كنت أشاهد التلفاز فوجئت بعجوز حمقاء طاعنة في السن تتحدث عن عالم الجان وعندما دققت النظر فوجئت بأنها توأم الروح! غ12فكانوا محشورين فيه كأنه علبة سردين في طريقهم من ميدان التحرير الي مقابر المجاورين حيث يرقد الأحباب رقدتهم الأبدية التي لا عودة منها الي الحياة. الأتوبيس كان أشبه بقبر جماعي يتحرك علي الطريق وفي داخله عشرات الأحياء المتجهين بغير ارادتهم الي مدينة الأموات.

وعندما وصل محطته الأخيرة نزلوا جميعا متجهين الي مساكنهم وسط القبور حيث الأحباب الذين يرقدون أيضا بغير ارادتهم هناك! كاتب وصحافي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية