إلي أين تذهب أموال العرب؟

حجم الخط
0

د. علي محمد فخرو

قراءة كتاب الصحافي والروائي الفرنسي دينيس روبرت المعنون السيطرة علي العالم تثير في الذهن أسئلة محيّرة بشأن ثروات دول البترول العربية. الكتاب هو خليط من الخيال الروائي وحقائق الواقع، ولا يستطيع القارئ أن يتأكد من أين يبدأ الخيال وينتهي الواقع. المؤلف يتناول موضوع الفساد في أوساط مؤسسات المال الدولية في شكل روائي ويحكي قصة صحافي يكتشف وجود مؤسسة استثمارية في لوكسمبورغ تستلم يومياً تحويلات عن طريق بنوك العالم تقدر بمليارات الدولارات فتحيلها عن طريق التلاعب بنظام تسجيل هذه الأموال علي الكمبيوتر إلي أرقام سريُة متشابكة تدخل تلك التحويلات في ظلام معلومات دامس يجعل من المستحيل علي أي فرد أو جهة مراقبة أو حكومة أن يعرفوا مصير تلك الأموال أو الطريق الذي ستسلكه في المستقبل. بمعني آخر تصبح هذه التحويلات البنكية الهائلة في خلال ساعات وكأنها لم توجد في الواقع علي الإطلاق وليس لها مالكون أصليون. تلك التحويلات المالية هي في أغلبها تحويلات من قبل المتعاملين بتجارة البغاء والمخدرات وشراء وبيع الأسلحة أو من قبل المافيا أو ناهبي ثروات بلدانهم إبان فترات حكم التسلط والفساد وغياب الشفافية. وتنتهي القصة بفشل بطلها الصحافي في إقناع أحد بأهمية اكتشافاته، سواء أكانت صحافة أم مؤسسات قضائية أم قوي سياسية معارضة. الكل يقف مرعوباً أمام جبروت وآلة المال الذي هو المهيمن علي العالم. مؤلف الكتاب هو بالفعل صحافي في جريدة ليبراسيون الباريسية ومسؤول عن صفحة المال والاستثمار فيها. من هنا تختلط الحقائق التي من المؤكد يعرفها ويتابعها الصحافي بالخيال الروائي الذي قد يكون أراده الكاتب كحماية لنفسه من كل أنواع المساءلة.

من ضمن الذين يحولون تلك الثروات الهائلة إلي الظل، حيث تختفي أثار حركة تلك الأموال والمرافئ التي سترسو فيها، أسماء شخصيات ومؤسسات وبلدان عربية ومسؤولين حكوميين كبار في تلك البلدان. من هنا مشروعية التساؤلات التي تستوجب الطرح.

فأولاً، لا يوجد شك أن تحويلات مالية هائلة تتم يومياً من دول البترول العربية إلي الخارج. المحولون كثيرون: مسؤولون كبار وصغار من مختلسي الثروات بصور غير مشروعة أو من المستفيدين من صفقات شراء الأسلحة، مغامرون من المتلاعبين بأسعار الأسهم والأراضي، مستفيدون من المتعاونين مع تبييض الأموال من قبل مافيا أوروبا الشرقية وتجار المخدرات والرذيلة، وغيرهم كثيرون. هؤلاء لا يحتاجون إلي أكثر من بنك محلي أو دولي متعاون، ومن مسؤولين حكوميين يغضون الطرف، ومن بنوك ومؤسسات استثمار دولية تستلم التحويلات وتحيلها إلي أرقام سرية تختفي في ظلام رأسمالية النهب والجرائم والفساد والتواطؤ العولمية الجديدة.

وثانياً، فان في البلدان العربية المغلوبة علي أمرها تغيب كل رقابة ومحاسبة فالمجالس النيابية إما صورية أو مزورة ومشتراة، ودواوين المحاسبة تحت سيطرة السلطة التنفيذية، والقضاء غير مستقل وفي كثير منه مخترق، والمعارضة السياسية والصحافة المحاسبة شبه معدومة أو كسيحة.

وثالثاً، فان دولاً كثيرة تعتمد في استقرار اقتصادها وعملاتها الوطنية علي تدفق مثل تلك الأموال إلي أسواقها بصورة منتظمة. فالولايات المتحدة الأمريكية مثلاً تحتاج إلي تحويل ما بين المليارين والثلاثة مليارات دولار يومياً إلي أسواقها لتستطيع دفع ديونها الخارجية واستقرار دولارها والصُرف علي مغامراتها العسكرية. ومن المؤكد أن جزءاً من هذه الأموال هي من أموال الحرام والنهب والتبييض. وهذا يجعل إنتقال الأموال العربية، الشرعية وغيـر الشرعية، جزءاً من لعبة دولية كبري لها أسرارها وخباياها.

السؤال: كم من الأموال العربية البترولية وغير البترولية تنتهي بأن تصبح أرقاماً سرية وكأنها لم توجد قط؟ صورة الفاجعة تكتمل بأنه في الوقت الذي يزداد فيه عدد فقراء العرب تكبر وتكبر تحويلات أموال وطن العرب إلي خزائن بنوك ومؤسسات الاستثمار المشبوهة لتضيع ربما إلي الأبد. هل لنا من أفراد أو مؤسسات يمتلكون القدرة والشجاعة لمتابعة موضوع النهُّب المنتظم لثروات أرض وفقراء العرب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية