نهج اللوبي الاسرائيلي في امريكا وخضوع النواب والشيوخ لضغوطه القوية عبر السنين كان ضارا لاسرائيل
لا يتوجب علي منتقدي كتاب جون مرشهايمر وستيفان وولت اللوبي الاسرائيلي وسياسة الولايات المتحدة الخارجية، ان يُفاجأوا من أن الهجمات علي الكتاب من قبل نشره قد ساعدت في ايصاله الي قائمة الكتب العشرة الأكثر مبيعا علي موقع الأمازون في شبكة الانترنت. والأكثر من ذلك ان اسمي وولت ـ مرشهايمر قد اشتهرا مثل أسماء الاشخاص الذين يظهرون علي صفحات مجلة الناس، وهو وضع غريب بالنسبة لباحثين متواضعين في العلوم السياسية في جامعتي شيكاغو وهارفرد.
هذا فقط يُظهر ما الذي يمكن للضجيج والمبالغة ان يتسببا فيه، ولم لا؟ هذا كتاب هام يعتمد علي مصادر ووثائق كثيرة وهامة (108 صفحات من الملاحظات الجانبية) كُتب علي يد اثنين من المحاضرين الأكثر احتراما في الولايات المتحدة والقادمين من أفضل جامعتين فيها. الكتاب يتمحور حول تحديد السياسات في الشرق الاوسط في الفترة التي ازدادت فيها مشكلات الولايات المتحدة في المنطقة وفاقت مشكلاتها في أي مكان آخر. وهذا كتاب جدي يتعلق بمسألة استفزازية بصورة خاصة، ورواية موسعة ومحسنة للمقالة الأساسية التي نشرت في لندن ريفيو أوف بوكس.
الكتاب يتساءل عن مدي قوة اللوبي المؤيد لاسرائيل في امريكا. رد المؤلفين علي السؤال أكثر من اللازم وامريكا واسرائيل علي حد سواء تعانيان نتيجة ذلك. هذه مسألة يمكن التجادل حولها والكثيرون يفعلون ذلك بلا شك. هذا ايضا أحد تلك الكتب التي لا يتوجب عليك أن توافق علي كل عبارة فيها (وأنا بلا شك لا أوافق) حتي تحصل علي المنفعة والفائدة من قراءته.
المؤلفان لا يدعيان أن هناك شيئا سيئا في فكرة وجود لوبي مؤيد لاسرائيل. وهما يدركان لكونهما باحثين في العلوم السياسية أن مجموعات الضغط هي ميزة امريكية خالصة. هما يعرفان أن للوبي دورا هاما تقريبا في كل مجالات صناعات القرار في الولايات المتحدة، في المسائل الداخلية والخارجية، كما انهما لا يدعيان أن اللوبي المؤيد لاسرائيل يتجاوز الحدود عندما يستغل تأثيره لصالح اسرائيل.
سؤال لهما هو هل يُستغل هذا التأثير لدفع سياسات نافعة للولايات المتحدة أم لاسرائيل؟ جواب المؤلفين هو لا. هما يعتقدان أن التدخل الامريكي الفظ الذي سيتمخض عن التوقيع علي اتفاق فلسطيني ـ اسرائيلي حسب ما يطلق عليه مسار كلينتون سيكون لصالح الدولتين. اسرائيل ستنسحب تقريبا الي خطوط حزيران (يونيو) والدولة الفلسطينية ستقام والأمن الاسرائيلي سيُحفظ من خلال ضمانات قوية جدا والفلسطينيون سيتخلون عن مطالبهم الاقليمية المستقبلية من اسرائيل. هما يعتقدان أن اللوبي هو الذي منع الولايات المتحدة من الضغط بقوة لتحقيق هذا الهدف رغم حقيقة أن رئيسين وهما كلينتون وبوش قد عبرا عن دعمها لذلك. خلال عشرين عاما تقريبا كنت مساعدا برلمانيا، وعلي أساس تجربتي هذه، استطيع ان أشهد بأن الشيوخ والنواب يخضعون لضغوط دائمة لتأييد السياسات التي تحافظ علي الوضع القائم في اسرائيل. ليس صدفة أن اعضاء الكونغرس يتنافسون فيما بينهم علي اضافة شروط أكثر علي المساعدات المقدمة لاسرائيل، ومن الذي يكون السابق منهم في مهاجمة مبادرة السلام السعودية، ومن الذي يحظي بلقب المؤيد المركزي لقرار لا جدوي فيه ضد الفلسطينيين.
ايضا ليس صدفة انه لم يجر أبدا نقاش حقيقي في الكونغرس حول السياسات في المسألة الاسرائيلية الفلسطينية. أضف الي ذلك، كل رئيس يعرف بأن كل محاولة هامة للتوصل الي اتفاق اسرائيلي ـ فلسطيني يرتكز علي تسويات من الجانبين تثير معارضة صاخبة واحيانا هستيرية في مجلسي الشيوخ والنواب. وولت ومرشهايمر يقيدان نفسيهما بالأساس في مسألة تدارس قضية كون كل ذلك جيدا للولايات المتحدة (وبدرجة أقل لاسرائيل ايضا). السؤال الذي اسأله اليوم، وليس للمرة الاولي، هو هل يعتبر هذا النوع من التصرف جيدا لاسرائيل.
بعد حرب حزيران (يونيو) بأربعين عاما، ما زال الاحتلال مستمرا، والمقاومة ضده تتعاظم، وعدد متزايد من الاسرائيليين يتساءلون اذا كان هناك مستقبل للدولة اليهودية. هل أدت الادعاءات المؤيدة لاسرائيل بصورة ثابتة الي نتائج مفيدة لاسرائيل؟ في عدة منعطفات لم يكن هناك شك انها لم تؤدِ الي ذلك.
هل كان من الجيد لاسرائيل التوسط لدي ادارة نيكسون في عام 1971 لتأييد رفض اسرائيل بعرض أنور السادات بالسلام مقابل الانسحاب الاسرائيلي لخمسة كيلومترات عن ضفاف قناة السويس؟ نيكسون خضع للضغوط وتراجع، فبقيت اسرائيل حرة في قرارها برفض اقتراح السادات. بعد ذلك بعامين هاجم السادات اسرائيل وفقدت ثلاثة آلاف جندي في حرب كان من الممكن تجنبها لو قبلت مبادرته. اسرائيل لم تربح شيئا من الحرب وأعطت السادات كل المناطق التي أرادها وأكثر من ذلك في نهاية المطاف. وهل كان من المفيد لاسرائيل ايضا تشجيع ادارة ريغان علي تأييد الاجتياح الاسرائيلي للبنان في عام 1982؟ هذه الحرب علي نتائجها الدموية امتدت 18 عاما بعدئذ. آخر جندي اسرائيلي خرج من لبنان في عام 2000 فقط بعد أن قُتل هناك ألف جندي. بعد ايام من الاجتياح الاسرائيلي قامت القوات المسيحية اللبنانية بذبح ألف فلسطيني تقريبا في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين. الحرب لم تحقق شيئا في نهاية المطاف، واسرائيل انسحبت من دون شروط. وهل كان من الجيد لاسرائيل فرض شروط كثيرة بهذا القدر علي المساعدات المقدمة لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الامر الذي لم يُمكّنه من الاظهار لشعبه بأنه رئيس معتدل يعترف من دون شروط بحق اسرائيل في الوجود وقادر علي تحقيق الامتيازات التي لا يمكن لحكم حماس أن يحصل عليها؟ السياسة الامريكية (والاسرائيلية) القائمة علي استخدام العصي من دون الجزر أدت كما هو متوقع الي هزيمة عباس أمام حماس، والي وقوع غزة تحت سيطرة حماس التي استأنفت هجماتها علي المدن الاسرائيلية. وهل كان من المفيد لاسرائيل منع ادارة ريغان وبوش الأب وكلينتون وبوش الابن من الاصرار علي تجميد البناء في المستوطنات أو علي الأقل الازالة الفورية للبؤر الاستيطانية غير القانونية؟ الاغلبية الحاسمة في اسرائيل في نهاية المطاف تعتبر المستوطنات عقبة في طريق السلام كما رأي ذلك كل رئيس امريكي منذ أن أُقيمت المستوطنة الاولي.
اسئلة مشابهة يمكن أن تطرح بصدد الادعاءات المؤيدة للحرب في العراق، من خلال الافتراض بأن هذه الحرب ناجعة لامريكا ولاسرائيل (بينما توقع المنتقدون بصورة دقيقة انها ستكون حربا كارثية بالنسبة للدولتين)، ويجب أن تُسأل ايضا بصدد الهجمة المستقبلية علي ايران.
مع الانتخابات الرئاسية الوشيكة ترتفع إلحاحية هذه الاسئلة. المرشحون يقولون مرة اخري ان الفوز بوسام المؤيد لاسرائيل يلزمهم بتبني الوضع القائم. عندما يُسألون عما سيفعلونه بصدد الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني، يتوجب عليهم أن يصرحوا عن دعمهم غير المشروط للسياسة الاسرائيلية، وعليهم أن يُلقوا باللائمة كلها عن فشل المفاوضات في السنوات الأخيرة علي الفلسطينيين، وعليهم أن يُظهروا انه رغم تأييدهم للسلام إلا انهم لن يتبنوا نهجا هجوميا من اجل السلام كما فعل جيمي كارتر وبوش الأب وكلينتون، ومن المحظور عليهم أن يستخدموا مصطلحات مثل بصورة متوازنة أو وسيط نزيه. النهج السليم (والموثوق) بالنسبة لاغلبيتنا، الحريصين علي سلامة اسرائيل، هو المهانة. بهذه الطريقة يتجنب المرشحون التورط في المشكلات مع أقلية صغيرة في الجالية المؤيدة لاسرائيل التي تعتقد ان اسرائيل تستطيع أن تبقي كدولة يهودية وأن تواصل الاحتفاظ بالمناطق، ولكن اغلبية اليهود الامريكيين يخالفونهم الرأي تماما. المرشحون الذين يمتنعون عن قول ما يؤمنون به خشية التصادم مع مجموعات الضغط التي برهنت مرة تلو الاخري عن خطأ رؤيتها، لا يتصرفون بالمرة بما يصب في مصلحة اسرائيل. ولا يتوجب اعطاؤهم جائزة وسام المؤيد لاسرائيل. ليس هناك أي شيء مؤيد لاسرائيل في دعم السياسات التي تضمن بقاء جيل كامل من الأمهات الاسرائيليات في ظل الخوف من اليوم الذي سيبلغ فيه ابنهن سن الثامنة عشرة. مقابل ماذا يتوجب علينا أن نكون ممتنين لهم؟.
م. ج روزنبرغرئيس مركز السياسات في واشنطن التابع لـ منتدي سياسات اسرائيل (هآرتس) 19/9/2007