حسين مجدوبي
جرت الانتخابات التشريعية يوم الجمعة 7 ايلول (سبتمبر) الجاري ولم يعد المراقبون يهتمون بالترقبات التي كانوا ينتظرونها وتتجلي أساسا في مدي تقدم الخطاب الانتخابي الاسلامي ونسبة المقاعد أو النسبة المئوية التي كان سيحققها حزب العدالة والتنمية وكل ما أثاره من جدل بسبب المقارنة مع نظيره التركي، بل كانت المفاجأة القاتلة لكل المؤسسات وبدون استثناء، الحاكمة والحزبية هي نسبة الامتناع التي اتخذت طابع مقاطعة حقيقية وصامتة من طرف أغلبية الشعب المغربي. وترتب عنها ضعف مصداقية ومشروعية البرلمان الجديد والحكومة التي ستنبثق عنه، ويبقي الحل هو اصلاح دستوري حقيقي والدعوة الي انتخابات مبكرة. وكشفت وزارة الداخلية أن نسبة المشاركة كانت 37%، أي حوالي خمسة ملايين من أصل 15 مليون ونصف، وهي أضعف مشاركة في تاريخ الانتخابات المغربية. واذا كان الجميع قد أعرب عن القلق الشديد جراء هذه النسبة المتدنية، فالواقع أكثر مرارة أو يجب أن يدعو الي قلق أكبر. فقرابة مليون صوت من أصل الخمسة ملايين صوت المعبر عنها تعتبر ملغاة في الانتخابات، ومن جهة أخري، هناك أكثر من أربعة ملايين مغربي يحق لهم التصويت لم يتسجلوا في اللوائح الانتخابية. وعليه، فالنسبة الحقيقية للممتنعين تقارب 82% من مجموع المغاربة الذين يحق لهم التصويت. ومن جهة أخري، فالملاحظ أن الغالبية العظمي من الناخبين المغاربة الذين توجهوا الي صناديق الاقتراع يمكن تصنيفهم ضمن الناخب غير الواعي الذي لا يمكن الرهان عليه لاحداث تغيير حقيقي. في هذا الصدد، تبقي نوعية الناخبين في انتخابات 7 ايلول (سبتمبر) هي كالتالي:
ـ الملتزمون مع الأحزاب السياسية سواء بسبب عضويتهم أو تعاطفهم السياسي، وهم قلة وسط المشهد الانتخابي. فنسبة الانخراط في الأحزاب السياسية في المغرب متدنية والأضعف من نوعها في دول الجوار التي تعيش تعددية سياسية.
ـ الملتزمون مع ابن القبيلة، وهذا النوع كان هو الطاغي في القري، حيث أن الناخب يحاول أن يكون الممثل عنه في البرلمان ابن قبيلته دون السماح لأي أجنبي باقتحام القبيلة. فبعض القبائل أغلقت مجالها بالقوة في وجه مرشحين لا ينتمون الي القبيلة. ويذكر أن الناخب القروي أو الريفي شكل 60% من نسبة المشاركة مقارنة مع الناخب الحضري، فالانتخابات التشريعية المغربية تبقي انتخابات ريفية بالأساس وتتميز بطابعها القبائلي.
ـ الناخبون الذين يتوجهون الي صناديق الاقتراع بهدف الحصول علي تعويض مادي من طرف المرشح الذي يعدهم بذلك أو الحصول علي رضا أعيان القرية أو الحي. فتقارير المراقبين المغاربة تحدثت عن استعمال المال الكثير لشراء الأصوات. المسنون الذين يعتبرون أن التصويت واجب وطني والا تعرضوا لغضب الادارة كما كان يحدث في الماضي، فنسبة المصوتين الكبار في السن أكثر بكثير من المصوتين الشباب الذين لم يتوجهوا الي صناديق الاقتراع. الناخبون الأميون الذين لا يقرأون وبالتالي لا سبيل لهم للاطلاع علي برامج الأحزاب، وهذه سمة أخري للانتخابات المغربية. فنسبة الأمية وسط الشعب المغربي هي 60%. وفي المقابل، هناك أسباب كثيرة دفعت الناخبين الي العزوف عن التصويت ولكن هذا لا يعني رفضهم للممارسة السياسية. بعض هذه الأسباب تبقي سياسية وأخري اجتماعية وثالثة مرتبط بنوعية المرشح، وكذلك عدم توظيف الاعلام بطريقة مناسبة. فالمغرب شهد خلال الثلاثة عقود الأخيرة وخاصة ابتداء من منتصف التسعينات حركة انتقال واسعة للمواطنين من منطقة الي أخري ومن مدينة الي أخري، هذا جعل الارتباط السياسي للشخص بمكان عيشه الجديد هشا وغير قوي، ومن نتائج ضعف هذا الارتباط عدم المبالاة بنتائج الانتخابات وبالتالي عدم التصويت. في الدول الغربية مثل اسبانيا، رغم انتقال الشخص الي منطقة أخري أو العيش في دولة أخري، يستمر في التصويت عبر البريد علي المرشح في مكان ولادته أو المكان الذي تسجل فيه ويرغب التصويت فيه. في الوقت نفسه، فطبيعة بعض المرشحين للبرلمان تدفع الكثير من الناخبين الي العزوف عن التوجه الي صناديق الاقتراع. ففي منطقة الريف، ترشح بعض المشتبه في ارتباطهم بالمخدرات، ونددت جمعية الريف لحقوق الانسان في بيان مفصل بهذه الظاهرة. كما يتساءل المواطنون كيف يصبح برلماني بين ليلة وضحاها صاحب ممتلكات علما أن راتبه لا يتجاوز ثلاثة آلاف دولار؟ والمثير أنه رغم تورط البرلمانيين في الكثير من ملفات الفساد، فالقضاء ما زال يمنحهم حصانة تعتبر في الواقع بمثابة تشجيع علي الاجرام. والبرلمان الذي يعتبر نظريا وعمليا مكان التشريعات التي تقود البلاد أصبح في أعين الرأي العام بمثابة وكر للفساد. ومن ضمن تجليات هذه المشاعر أن بعض رؤساء مكاتب الاقتراع كشفوا أن الكثير من الساخطين تركوا في أوراق التصويت عبارة جميع البرلمانيين لصوص. ومن جهة آخري، النظام المغربي لم يسمح للأحزاب باستعمال كبير للاعلام الرسمي رغم توفر المغرب علي خمس قنوات تلفزيوينة وعدد من محطات الراديو الجهوية، واطلاع الناخب علي برامج الأحزاب كان محدودا للغاية. ويبقي الوعي السياسي العامل الرئيسي لتفسير المقاطعة الانتخابية. فجل المغاربة يرددون أن البرلمان بدون سلطة وأن جميع السلط في يد ملك البلاد محمد السادس، وفي غياب اصلاح دستوري لا جدوي من الذهاب الي مراكز الاقتراع. نتائج الانتخابات التشريعية يوم 7 ايلول (سبتمبر) الجاري سيكون لها انعكاسات قوية وفي مجملها سلبية علي الحياة السياسية والمجتمعية في البلاد، وان كانت بعض الانعكاسات قد بدأت تظهر بوادرها. في المقام الأول، افتقاد مؤسسات الدولة والأحزاب للمصداقية في أعين الرأي العام، فالمغاربة امتنعوا عن الانخراط في الأحزاب السياسية، ورغم أن العاهل المغربي الملك محمد السادس توجه مرتين الي الشعب المغربي في عيد العرش 27 تموز (يوليو) وثورة الملك والشعب في 21 آب (أغسطس) بنداء يناشد المغاربة الاقبال علي مراكز التصويت، فكما صرح وزير البيئة والأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي أن المغاربة لم يلبوا نداء الملك، في اشارة الي أنه حتي نداءات الملك لم تعد تنفع في اقناع المغاربة. فالمؤسسات الحزبية والرسمية بما فيها الملكية فقدت من مصداقيتها الكثير في هذه الانتخابات. في المقام الثاني، افتقاد البرلمان المقبل والحكومة التي ستنبثق عنه للمصداقية والتشكيك في مشروعيتها، الأمر الذي سيجعل الكثير من التشريعات والقرارات الحكومية لا تحظي برضا المغاربة التي أصبحت تحتقر هذه المؤسسات. في المقام الثالث، بدأ نوع من روح التمرد يسري وسط فئات عريضة من الشعب المغربي، ويتجلي في البحث عن حركات احتجاجية تنشط خارج اطار المؤسسات الرسمية. وهذا المعطي قد يساهم في ضرب الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد. فالانتخابات لم تسجل نسبة امتناع مرتفعة وانما مقاطعة حقيقية، والمغاربة لا يعزفون عن السياسية بل لا يثقون في المؤسسات القائمة ويبحثون عن ممارسة السياسة في الجمعيات الحقوقية أو في التنظيمات الرافضة لهذه المؤسسات مثل حركة العدل والاحسان الاسلامية التي تبقي الرابح الكبير بعد 7 ايلول (سبتمبر). ويبقي أبرز معطي في انتخابات 7 ايلول (سبتمبر) المقاطعة التي أعرب عنها الشعب المغربي، وهي رسالة الي الحاكمين بأن البلاد في حاجة ماسة لاصلاح دستوري وسياسي حقيقي وليس اصلاحات الواجهة. في هذا الصدد، أوضح وفد المراقبين الدوليين الذي أشرف علي الانتخابات المغربية في تقريره الخطاب الواضح الذي أرسله الناخبون من خلال نسبة الامتناع المرتفعة أو التصويت الاحتجاجي يعتبر عائقا للتطور الديمقراطي في المغرب ويجب علي السلطات المغربية مباشرة الاصلاحات السياسية لتشجيع مشاركة المواطنين في المسلسل السياسي. هذه الاصلاحات يجب أن تهدف الي منح سلطة للناخب وشفافية أكثر للنظام. أغلبية السياسيين وأغلبية الرأي العام تعتبر أن البرلمان فاقد للمصداقية ومشكوك في مشروعيته بسبب المقاطعة الواسعة للشعب لاستحقاقات 7 ايلول (سبتمبر)، وما ينطبق علي البرلمان ينطبق علي الحكومة التي ستنبثق عنه. وعليه، يبقي الحل هو التفكير في انتخابات تشريعية سابقة لأوانها في ظرف سنة أو سنتين، شريطة أن يسبقها تعديل دستوري حقيقي يجعل من الحكومة ذات صلاحيات وليست اشبه بجمعية غير حكومية في حين أن الصلاحيات الحقيقية واتخاذ القرارات تبقي محصورة علي الملك ودائرته الضيقة.