انتخابات العبث و افساد مذاق السياسة: القبيلة والعقيدة والمال

حجم الخط
0

عزيز الحدادي

اخلعوا هذا الرجل عن كرسيه فهو ممتلئ أقذارا وسموما فما أسعد من يجاور هذا الحكيم هكذا تكلم زرادشتاذا كان من المسلم به أن الديمقراطية تنبت في تربة تكون محاطة بعناية السياسة الفاضلة، سياسة النبل التي يغذيها حب الوطن واقتسام الارادة الطيبة مع المواطنين، فان السياسة الفاسدة، هي سياسة القبيلة والعقيدة والمال التي تغتال آمال الديمقراطية والحداثة، ولعل هذه السياسة قد أصبحت من اختصاص أهل القحة والخبث الذين يبيعون الوطن والمواطن في المزاد العلني ويقتسمون مع الأطفال اليتامي قوت يومهم، هؤلاء السذج الذين يجلسون علي كراسي البرلمان، تجدهم عمداء ورؤساء للبلديات ووزراء في نفس الآن قد نبتوا كالأعشاب الضارة في تربة تغذيها ديمقراطية الوصفة السحرية للحاكم التي تتبخر خلسة كأحلام الصباح اللذيذة. الواقع أن هذه الديمقراطية لا ترتكز علي أسس متينة، انها عبارة عن قنطرة فوق الهاوية تتجلي من خلال سياسة فاسدة يحترفها الأشرار من الناس ما أبعدهم عن سياسة الفضيلة والأخلاق النبيلة، لأنه لا توجد سياسة حقيقية بدون أخلاق، ولا أخلاق نبيلة بدون سياسة تسعي الي تدبير المدن والدول تدبيرا فاضلا يتعالي عن عقلية القبيلة وتسمو بالعقيدة لتنال الروح وتحرضها علي العبادة، وليس في استغلالها من أجل استمالة البسطاء والأبرياء في المساجد للتصويت علي تيار الظلاميين أو باعتبار المال كطريق يؤدي الي شراء مقعد في البرلمان كما هو الحال في هذا البلد.

والحقيقة أن المغرب يعيش تجربة الفراغ السياسي ويتذوق أهله مرارة ديمقراطية أيام الأحد، أي ديمقراطية الدعاية المغلطة، لأنه كيف يمكن أن تستمر الدولة في بلد ماتت فيه السياسة ولم تعد نافعة، وانقرض فيه المواطن بالمعني الحقوقي للكلمة؟

ان المغرب الراهن يوجد في مفترق الطرق، فهناك طريق يقوده الي المصالحة مع التاريخ ومع ذاته، حينما يتم الالتفات الي بؤس السياسة التي تدبر مدننا ومأساة البرلمان الذي يشرع لبلادنا ومهزلة الحكومة التي تسير الشأن العام خاصة وأن سماسرة الانتخابات وأباطرة المال وأبناء الأعيان الذين أصبحوا الآن في موقع يسمح لهم بالارث في التوزير والنيابة في البرلمان، ولذلك تجدهم يودعون بعضهم البعض في نهاية كل ولاية برلمانية، وهم علي اقتناع بأنهم سيلتقون في الولاية المقبلة الي درجة أنك تجد بعضهم بدون مهنة قارة، بل يدعي بأنه كاتب فرع الحزب وعضو مركزيته النقابية وعمدة مدينة الأبقار الملونة، ونائب في البرلمان. لكن ما هي مهنة هذا الرجل؟ هل يحترف سياسة الفراغ يعيش من خلالها نعمتها والكل يعرف حجم هذه النعم؟

ان الحزب ليس مهنة يعيش منها الانسان، انه عمل تطوعي، بيد أن هؤلاء وغيرهم هم علة ومرض المجتمع الذي سيتم القضاء عليه قريبا. وللخروج من هذا العبث بأسمي علوم الانسان، أي السياسة التي تتحكم في مصير الناس وتدبر مدنهم وتتحكم في معيشتهم وتشرع لمستقبلهم، لا بد من وضع حد لهذه الطفيليات ومراجعة أحوال تدبير الشأن العام في البلاد، واشراك النخبة المثقفة والسياسة الحقيقية وجمعيات المجتمع المدني بجميع تجلياتها في صياغة دستور جديد يليق بالمغرب الراهن الذي يسعي الي اقتحام شفافية الحداثة ونور الديمقراطية الذي يقضي علي ظلام الاستبداد والقهر، ويمنح الحرية والكرامة بمعناها الصحيح للمواطن وليس كرامة الشعارات الانتخابية. أما الطريق الثاني، فانه يقود بالضرورة الي الصراع بين طبقات المجتمع فقراء أكلهم الفقر والزمان، وأغنياء يمتلكون المغرب بكامله بحرا وبرا، ويتحكمون حتي في المقابر. ولعل نتيجة هذا الصراع غالبا ما تتجلي من خلال الانتفاضات الشعبية والثورات، أو قد تؤدي الي الطائفية، حيث تطالب الأقليات بحكمها الذاتي، كما هو الحال مثلا مع منطقة الصحراء، أو منطقة الريف.

أجل، اننا نغور في الشرور… لقد تلاشت ثقتي بنفسي، يقول نيتشه، منذ بدأت بالطموح فيدحض حاضري ما مضي من أيامي، لا نريد أن يراعينا خيرة أعدائنا كما لا نريد أيضا أن يراعينا من نحبهم من صميم الفؤاد.

دعوني أعلن لكم الحقيقة أنني أحبكم من صميم الفؤاد أيها الرفاق في المعارك فما أنا الآن الا كما كنت في الأمس جندي مثلكم.

لم أكن أتوقع بأننا سنتحول ذات يوم الي أعداء لوطننا، ننظر اليه من خلال الكراهية والحقد ونسعي الي تدمير الوطن والذات، والسبب يكمن في الاستبداد السياسي الذي يعبث بالبلاد والشعوب. ان ما يقع في المغرب الآن علامة علي أننا سننهار قريبا، لأن الفساد قد تحول الي مؤسسة تسير البلاد لوحدها. صدقوني أيها الاخوة، ان الجسد قد تملكه اليأس من الأرض، فسمع صوتا يناديه من قلب الوجود، فأراد أن يخترق برأسه أطراف الحواجز، بل حاول العبور منها الي العالم الثاني، غير أن العالم الثاني جد خفي عن الناس، لأنه بتخنثه وابتعاده عن كل صفة انسانية.

لكن لنتساءل: ما الذي نتوقعه من هذا البرلمان الذي انبثق عن انتخابات فاسدة تحكم في مصيرها المال والمخزن؟ هل يمكن للمواطن أن يتفاءل عن الحكومة المنبثقة عنه؟ وكيف ستكون هذه الحكومة التي ستنبت في تربة السماسرة وأهل القحة والخبث؟

باب الحكومة ان الشعب لا يفهم ما هي الحكومة، بل هو ينفر منها كما ينفر من العين الساحرة. لعل ما أثارني وأنا أتأمل هذه الأشكال الهندسية التي فقدت عمق ومعني الوجود وأصبحت تلهث وراء السلطة من خلال ممارسة الخداع والكذب والمكر في أسمي تجلياته خلال بهرجة الانتخابات الأخيرة واختلط فيها أيضا أباطرة السمسرة والظلاميين الذين يستغلون المساجد والجنائز لنشر قهرهم، هو رأي الناس في الحكومة التي ستسير البلاد، أو علي الأصح التي ستسير بها الي الهلاك والاندثار. وفي هذا الصدد يقول الحكيم عن الحكومة: وما أوجدت الحكومة الا لخدمة الفضوليين الدخلاء علي الحياة، انظروا الي هذه الحكومة كيف تجتذب اليها الدخلاء فتضمهم الي صدرها وتشبعهم عناقا وتقبيلا، بل اكثر من ذلك أن الحكيم يذهب أبعد من ذلك حين يقول: ان هذه الأكاذيب تجد مصدقين لها واأسفاه حتي بينكم أنتم، يا من تجول فيكم النفوس الأبية، لأن الحكومة تعرف أن تدغدغ قلوبكم الطافحة بالمكارم الطامحة الي الجود فهي تعرف أنكم تعبتم من الكفاح، فتستخدم ملالكم لعبادة الصنم الجديد.

والحقيقة ان علاقتنا بالحكومة هي علاقة خصام، لأنها تحكم نفسها بنفسها، والشاهد علي ذلك القطيعة التلقائية للانتخابات الأخيرة والتي أرغمت المواطنين علي الهروب من مدنهم وقراهم لكي لا يرغموا علي التصويت من قـــبل ميليــشيات مافيا الانتخابات، الا في البوادي والمناطق المهمشة كما هو الحال مع التراكتور ومفاتيح الجنة.

يقول الحكيم معلقا علي أشباح السلطة: انظروا اليهم انظروا الي هؤلاء القرود يتسلق بعضهم البعض الآخر فيتدافعون متمرغين في الأوحال علي الشفير، انهم يطمحون الي التقرب من العرش، وقد عراهم جنون التوصل اليه، فكأن لا سعادة الا علي مقربة منه؟

أجد نفسي مضطرا لأعلن عن رفضي للبرلمان الذي يستقبل السماسرة والأميين وفقهاء الظلام من أجل التصفيق وملء المقاعد واجترار التلعثم بأسئلة مبتذلة لوزراء لا يملكون القرار. انهم صورة زائفة لسلطة القهر الخفية يأتـــون بأوراق مكتوبة، يقرأونها بــــصعوبة كبيرة الا من أخذ الله بيده.

فطوبي للفقراء الذين ينتظرون الانتظار… سارع الي عزلتك يا صديقي، فقد أورثك الصداع صخب عظماء الرجال وآلمتك وخزات صغارهم. ان جلال الصمت يسود الغاب والصخور أمامك… لا يظهر الانسان الأصيل في الحياة الا حيث تنتهي حدود الحكومات الزائفة وبرلمان الأشباح.

لا يسعني في النهاية الا أن أهديكم هذه الصرفة العميق من فيلسوف الانسانية. يقول: أعيروني أسماءكم لأخاطبكم عن موت الشعوب، ليست الحكومة الا أبرد مسخ بين المسوخ الباردة، فهي تكذب بكل رصانة اذ تقول: (أنا الحكومة أنا الشعب). اياكم تصديق ما تقول، فما كوّن الشعوب الا المبدعون الذي نشروا الايمان والمحبة، فأتوا بأجل خدمة للحياة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية