مسرحيّة خمسون للفاضل الجعايبي وجليلة بكّار: وتنهال عصا قدّور علي أجساد رهائن !

حجم الخط
0

صابر عمري

المكان هو بلد في الحجم صغير و لكن في الاسم كبير والزمان هو خمسون بعدد السنين لو أردنا اعتبار الحساب أما الحدث فهو اللقاء علي خشبة المسرح ليجد المتفرج نفسه هذه المرة أمام مسرح سياسي يأبي الكثير أن يطلق عليه هذا الاسم فيكون مصطلح طرح ومناقشة القضايا العامة جزءا مهما في رسالة الفنان المسرحي وكذلك المسرح الذي سيظلّ علي الرغم من اختلاف الأزمان المتنفس بدرجات متفاوتة وحسب مساحة الحرية التي يجدها. فمسرحية خمسون للفاضل الجعايبي اخراجا وجليلة بكار نصّا تعتبر عملا جريئا يحسب لهما في مسيرة الأعمال الفنية خاصة وأن المسرحية قد كثر حولها الجدل قبل تمكينها من تأشيرة العبور.

وتعود أمل الي أرض الوطن تونس حاملة زهدا وتصوفا دينيا نهلت حلاوته في باريس بين حلقات الشيوخ والمفسرين الاسلاميين ضاربة عرض الحائط بموروث ماركسي تلقّّت أسسه من والديها المناضلين اليساريين، تعود أمل متحجّبة متلحّفة في جلبابها في شوق الي أهلها بعد أن أنهت دراستها الجامعية ليحتفي بها في بهو المطار بعد رسالة وجّهت الي مصالح الأمن الداخلي من قبل الفرنسيين روتين لا بدّ من فرضه علي كل من تسوّل له نفسه الاخلال بالواجبات تجاه وطنه الأم ولعلّ قساوة التّرحاب لم تكن أشدّ قسوة ووقعا علي أمل بقدر ما لقيته من عائلتها من رفض وامتعاض فالأم المتشبّثة بالمبادئ اليسارية صدمت لرؤية ابنتها علي ذلك المظهر ووصفتها بصورة الأخوات الببّاصات (Les soeurs). أما الأب المناضل علي مادية ماركس وزحف الطبقة الصاعدة فقد رفض رؤية ابنته فلذة كبده ليخلط مفهوم أن تحب جزءا من كيانك بمثل شدّدت عليها أمل بأن تصفها بأنها وهم وزائلة فتشبّعها برياحين تفاسير أهل الجنان وأصحاب الرضوان جعل من أدائها المسرحي غاية في الروعة علي خشبة المسرح لتهيم في تخميرتها علي طريقة الدراويش وتصعد بالمتفرج شيئا فشيئا نحو عالم بعيد عن كل ما هو مدنّس وزائل في مناجاة لخالق الكون دون سواه، كوريغرافيا من تصاميم نوال اسكندراني والتي أضفت علي أداء المجموعة طابعا خاصا من حيث الانسجام والتكامل. غير أن ما زاد النص رونقا هو عدم التعسّف عليه أو كما يقال اعدام الفكرة التي يحملها فبعد رفض الأم وصدّها لابنتها يتحرك جانب الأمومة لينطق بما لم يستطع الأب يوسف المناضل اليساري النطق به عند تلقّيه لرسالة ابنته وصورتها متحجّبة وتصرخ الام صرخة رافضة بشدّة أن تكون جسدا رهينة لتطرّف دينيّ متشدّد وتطرّف يساري رافض للاختلاف أو حتي الحوار، وكأنني بصاحبة النص أرادت القول بأن المشكل وأصل المأساة نابع عن انعدام لغة الخطاب والتّحاور والتّواصل سواء كان ذلك مع الذات أو مع الآخر فحرّية التعبير وطرح القضايا بأسلوب حضاري بعيد عن المغالطات والمزايدات هو ما تحتاجه مجتمعاتنا كي لا تتسرّب لها النماذج المعقدة المفاهيم فكلّنا يحبّ البلاد كما لا يحبّ البلاد أحد وكلّنا يحبّ بناء مستقبل تونس الي ما هو أفضل.

بقيت صرخة يوسف رهينة جسد ناضل لسنين ولعلّ اختيار سرطان الحنجرة من قبل صاحبة السيناريو ليس مصادفة وفي المقابل وعلي طريقة الكورّيدا أو مصارعة الثيران تنطلق أمل وكلّ من رفيقتيها في حلقات التفكير لاطلاق العنان الي اسلام جديد يسمح لنفسه أن يكفّر أمّ دفعت عائلتها الثمن غاليا بين الايقافات والسّجون فمن أب انتمي الي الحركة اليوسفية وشمله الاضطهاد الي أخ غبن في سجون 9 أفريل وبرج الرومي دون احتساب سلسلة الايقافات والشهور التي قضّتها الأمّ في السجن، كذلك ها هي تشهد اليوم وتعيش صدمة وصاعقة تتمثّل في نزول ابنتها أمل ضيفة مكرّمة علي جلاّدي آبائها وأعمامها وأخوالها وأصحابها في الكفاح لترسم لنا المسرحية منعرجا حاسما في تاريخ المجتمع التونسي والذي لا يزال حديث العهد بنشاز طرأ علي نوتته اثر أحداث تبنّتها جماعة سلفيّة ترمي علي عاتق الدّين الاسلامي المتسامح كل تطرّفها، غير أنّ معالجة ومواجهة الاختلاف كان دائما متشدّدا دون هوادة في الحساب ليعوّض الزّملاء شارع الحبيب بورقيبة الذي كان يعجّ بالنواورية، وانطلقت حملة الاستنطاقات والاستجوابات والتي يشرّع لها قانون مكافحة الارهاب كلّ الطّرق من أجل العثور علي أصحاب الخلط الفاسدة علي حد قول المحقق ليث.

يعتبر مثل هذا النوع من المسرح دعوة للتفكير في معني أن يكون للفرد الحق في المشاركة السياسية وابداء الرأي والتعبير بكلّ حرية مثلما هو الحال في أنّ له واجبا عليه القيام به واحترام ما ينصّ عليه الدستور المنظّم للبلاد، وأريد التّوقف أمام مشهد يدعو للتساؤل وهي اللحظة التي توجّه فيها جلّ الفريق المشارك في المسرحية نحو الجمهور مشيرين اليهم بأصابعهم وكأنّني بهم في هذا المشهد يشهدون كل مواطن ومكونات المجتمع المدني علي تحمّل مسؤولياتهم والتحرك تجاه واقع لا نريد له أن يتردّي أكثر فأكثر جرّاء ظواهر متطرّفة صارت تطبعه، وهنا استرجعت ذاكرتي ما قرأت لا ما عشت من خلال مسرحية غسّالة النوادر لفرقة المسرح الجديد سنة 1980 فوجدت صورة قريبة لهذا التصوّر الابداعي حسب رأيي، اذ يقول النّص: واللّي متّكي علي حيط يتفرج واللّي مصدّر ما عندو ما يعمل ما تتعدّي كان بماخذة الخاطر وسؤالي الي المخرج هل أنّ هذا الاصبع هو اصبع اتهام أم تحميل للمسؤولية؟ ويتواصل التلاحق وكأنّ أمّ أمل لا زالت تبحث عن ضالتها المنشودة وكأن الأمّ التي تسعي وراء استرجاع أمل بميدعتها الزرقاء ومحفظتها الحمراء قد أصيبت باليأس، لتكون رغبة أمل في شقّ طريقها بين رحلة الأربعين والاختلاء بالنّفس أقوي وأشدّ نفسا، غير أنّ حالة الدّوران ظلّت طاغية علي جلّ مشاهد العمل المسرحي لتجد كعبة يوسف أو زوجته ضالتها المنشودة يترنّح علي أرصفة الطرق يتبوّل تحت الحائط، وقد تحول لسكّير يعاقر الخمرة كل ليلة بعد أن خرج بخفّي حنين عقب تجربة طويلة قضّاها في خدمة الوطن يزاحم فيها الجلادين مستعرضا فيها شتيّ قدراته في فنون التعذيب. نعم هو قدّور بمسطرته الحديدية التي افتكّها من معلّم مسكين أظنّه كان نزيل ردهات قصره وقد كان يشهد له بالقوة فأذاق كلاً من اليساريّين والاسلاميّين ألوانا مختلفة من التّعذيب. ومثلما أبدع قدّور بمسطرته الحديدية التي تنهال علي ركبتي يوسف المسكين أبدع جمال مدني في تجسيد هذا الدور وتقمّص نفسيّة شخصيّة صعبة المراس، فجمال مدني له قوّة خاصة وتجسيم رائع ولعلّي سأسمح لنفسي بأن أعتبره مستقبل الرّكح المسرحي. وكانت عصا قدّور تنهال ولا زالت علي كلّ جسد يتجرّأ علي تبنّي أو حمل أي فكرة مخالفة للتّمشّي والتصوّر القائم ليكون الجسد ملجأ للكبت والاختناق الفكري وليكون العقاب بشتّي أنواعه نتاجا منطقيا لكلّ من يحاول اعمال الفكر ومن يتجرأ علي ذلك فساعد قدّور جاهز ليهوي بمسطرته ويهشّم ركبتي كلّ من تسوّل له نفسه تجاوز الخطوط الحمراء، فقدّور لا رأي له ولا قرار، لا في أحوال الطّقس ولا في الرياضة ولا في الأمور الدينيّة والدنيويّة، طريق واحد هو تنفيذ الأوامر. تواصل جليلة بكار محاكاة النفس المقهورة و الرجال المغلوبة لتتمكّن من جلب قدّور ووضعه في مواجهة مع يوسف اشارة منها الي اقامة نوع من التحالف بين السّلطة واليسار في محاولة أخيرة للحوار، وانطلقت أمّ أمل في سرد مذكّرات كتبها يوسف تصف فترات التعذيب وأشكالها والتي راح ضحيتها رفاق الدرب والنضال ولكن كما يقال العصا لمن عصا وقدّور علي استعداد دائم ومتواصل لضرب كل متمرّد مارق عن الصراط. جرأة في طرح المواضيع، تناسق في بسط الافكار لتترك كاتبة النص المجال رحبا لعشاق المسرح ومتلقي مختلف الفنون علي مراجعة الذات وتهذيب الذوق من أجل المطالبة كذلك بفن يرقي الي مفهوم أنّه لن يغيّر الله ما بقوم حتّي يغيّروا ما بأنفسهم أو لمفهوم أعطني مسرحا أعطك شعبا كبيرا.

ہ كاتب من تونس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية