ام حسنين امرأة عادية، من عامة النساء المصريات، حملت عبء اسرة ضخمة، وقامت بواجبها خير قيام، واخيرا ودعتنا قبل ايام الي العالم الآخر بعد عمر يناهز التسعين عاما!
هي امرأة مجهولة، لا يعرفها المجلس الاعلي للمرأة، ولا المجالس الاخري التي تدعي دفاعا عن المراة وحقوقها ومساواتها بالرجال، ورفض الختان، والميراث وفقا للشريعة الاسلامية، وتعدد الزوجات، ولكنها اثبتت بفطرتها البسيطة، انها اذكي وافضل واعظم من كل المجالس العليا والسفلي التي تتشدق باسم المرأة ومصير المرأة.
لقد انجبت اربعة عشر رجلا وامرأة، من ضمنهم ولد غير شقيق كان يعدها امه الحقيقية، وكان ولاؤه لها قبل امه الاصلية، فقد ربته مع اخوته ورعته وزوجته وفرحت بابنائه واحفاده ايضا.
لقد حملت عبء الحياة العائلية مبكرا حين فقدت زوجها الرجل البسيط الذي كان متعهد صحف في باب اللوق، وكان الحاج مدبولي ـ الناشر المعروف الآن ـ من ضمن من عملوا معه، وتعلموا منه، حتي صار علامة لدي مثقفي الحظيرة وخارج الحظيرة، في مصر والعالم العربي علي السواء.
انها ام الاستاذ حسنين كروم ـ الصحافي المعروف، ومدير مكتب جريدة “القدس العربي”، وام زوجتي ايضا، وجدة ابنائي وبنتي، وقد تركت من الاحفاد وابنائهم ما قر عينها واسعدها في حياتها، مع كل ما عانته من متاعب الدنيا ومصاعبها واحزانها.
ولعل القاريء يسألني لماذا تشغلنا بامر هذه المرأة البسيطة؟ الم يكن اجدر بك ان تكتب لنا في موضوع عام يهمنا ويشغلنا في غمرة الحوادث التي لا تنجلي، ومعمعة الهموم التي لا تهدأ ولا تتوقف؟
واقول للقاريء الكريم، انني اتناول موضوعا عاما من خلال هذه السيدة البسيطة التي تكشف عن معدن الشعب المصري واصالته في مواجهة المحن والهموم.
لقد كان ابناؤها ممن انشغلوا بهموم الوطن وقضاياه، بحكم اقترابهم من القراءة وتعاملهم مع الكلمة المكتوبة او المقروءة، وكان عمهم الاكبر ابراهيم كروم ـ احد فتوات بولاق ـ الذين لعبوا دورا سياسيا في اواخر العهد الملكي واوائل عهد العسكر، عرض عليه الشيخ حسن البنا، الانضمام الي الاخوان المسلمين، فسأله عن الاسلام و الفتونة، فاجابه الشيخ بالايجاب، فطوح عصاه والقي بها علي الارض قائلا: اللهم صل علي اجدع نبي! وصار فتوة بولاق المشهور، واحدا من اهم اتباع حسن البنا، وحين قامت حركة الجيش عام 1952، كان عنصرا مهماً من عناصر دعمها علي النحو الذي تكلم عنه بعض الباحثين.
ابناء ام حسنين، كانوا علي الدرب ذاته برؤي متغايرة، حسنين ومحمد، ناصريان حتي النخاع، وفصل الاول من عمله الصحفي قبل حرب رمضان بسبب انتمائه، نصر كان عضوا في جماعة التبليغ التي رعاها الشيخ ابراهيم عزت ـ رحمه الله ـ ودفعت به الاقدار الي دخول المعتقل ليقضي سبعة عشر عاما، ويخرج بقايا انسان، بعد التعذيب والمعاناة، ليري امه قبل وفاتها باسابيع قليلة، ومن المفارقات ان ابنه محمد القي به في معتقل الواحات احد عشر عاما وهو صبي لما يبلغ الخامسة عشرة، فيصاب بامراض فتاكة ويكتب عمه حسنين راجيا نقله الي احد معتقلات القاهرة حتي تمكن معالجته وزيارته، ولكن لا استجابة من النظام البوليسي الفاشي، الذي القي الغلام في قعر مظلمة دون محاكمة بعد مشاجرة علي احد المقاهي في حي بولاق!
الآخرون من ابناء ام حسنين، عاشوا متاعب مختلفة بسبب السياسة وواقع الحياة، وكانت الام في صبرها وجلدها، مثالا للتحمل والصلابة، مع ما اصابها من امراض الضغط والاعصاب، وهشاشة العظام في اواخر ايامها حتي صارت تتحرك علي كرسي!
ام حسنين صورة مصغرة لمصر في بذلها وعطائها، دون مّن ولا اذي، حيث يعترف بفضلها البعض، ويجحده الآخر، ولكنها في كل الاحوال، لا تنتظر من احد جزاء ولا شكورا، الا الدعوات ممن احبوها، وعرفوا قدرها وقيمتها.
تري هل يمكن ان تعيش مصر في ظل الغلاء المتوحش والقهر البشع والاستعداد القبيح، لولا امثال هذه المراة، التي نسيت نفسها، وراحت تغدق كل ما تملكه من عطف وحنو ورحمة بابنائها واحفادها، وهي تعايش مشكلاتهم ومتاعبهم واحزانهم وافراحهم ونجاحاتهم ومسراتهم، كانت تقطع المسافة من القاهرة الي قريتي ـ نحو مائتي كيلومتر ـ لتطمئن علي ابنتها واحفادها، وتقدم المساعدة والنصح والخبرة، وتفعل ذلك مع بقية البنات، عدا تلك التي تزوجت في تركيا، ولا تستطيع الوصول اليها الا عبر الهاتف او تنتظر زيارتها.
اي ام تلك التي تهتم باحفادها، ومطالبهم، وتسأل عنهم وتتابع اخبارهم، كان ابني محمود احد الاحفاد الذين يمارسون شقاوتهم الزائدة عن الحد، لدرجة انه كان يوقظها من النوم لتتحدث معه وتحكي له، ويسألها عن قصة قرابتها للقاريء الشهير الراحل الشيخ محمود الحصري ـ رحمه الله ـ وكانت تهدد احيانا بالعودة الي القاهرة اعلانا عن غضبها منه، ولكنها حين تسافر وتتصل هاتفيا، يكون اول سؤال لها عن محمود، وعندما كبر محمود وتخرج هذا العام بعد الجامعة كان هو المفضل لديها، وهو الذي يجلس معها، ويحكي لها وتحكي له.
يتساءل الناس عن سر بقاء مصر دولة قائمة علي الارض ـ واقول لهم: ان السر يكمن في امثال هذه المراة الطيبة التي فقهت معني الحياة بفطرتها البسيطة، فاعطت بلا حدود، وحصدت حبا بلا حدود ايضا، واثبتت ان المرأة المصرية الحقيقية، ليست ضمن مجالس المرأة القومية او القطرية او المحلية، ولكنها موجودة في اعماق الشعب البائس تمده بشريان الحياة والامل، رحم الله ام حسنين وجعل الجنة مثواها.
ا. د. حلمي محمد القاعودمصر6