توفيق رباحي
فقدَ التلفزيون الجزائري مذيعا فذا محترما ومفيدا للناس وعمله. اسمه رياض بوفجي (الصورة) واشتهر ببرنامج كل شيء ممكن الذي كان يقدّمه عن الغائبين والمختفين من بيوتهم.
وافاه الاجل الاسبوع الماضي بعد صراع مع مرض السرطان وعمره 58 سنة. عندما لاحظت مؤخرا ان سيدة تخلفه في برنامجه، قلت في قرارة نفسي انهم عزلوه او ملّوا منه او لم يتحملوا صدقه في عمله. كنت اجهل ان المسكين يصارع ذلك المرض الخبيث.
لم اعرف رياض بوفجي شخصيا، بل كمشاهد لبرنامجه. مع ذلك، سأسمح لنفسي بالقول انه المذيع الوحيد الذي كنت احترمه واحترم عمله وثقافته وتواضعه، رغم شكله الذي قد يوحي بالعكس. وسأسمح نفسي بالقول انني، اذا ادلي بهذا الرأي، فهو رأي مئات بل آلاف العائلات الجزائرية التي تآلفت مع المذيع الراحل وصدقه وبساطته واحترامه لنفسه.
هو الذي كشف للجزائريين عوراتهم، وبيّن لهم مدي عمق اخفاقهم، من الفرد الي العائلة الي المجتمع الي الدولة بمؤسساتها.
يتحدث الاخفاق عن نفسه مرة في الشهر في برنامج كل شيء ممكن عندما يستمع الجزائريون الي قصص مراهقات تركن دفء و أمن بيوت عائلاتهن واخترن برد ووحشية الشارع، واطفال يفعلون كذلك، ورجال يعبّرون عن كفرهم باوضاعهم بالهروب الي داخل الوطن او خارجه، ومجتمع لا يرحم ايا من هؤلاء، وسلطة سياسية تحتقرهم بتصرفاتها وسياساتها.
رغم كل شيء، رغم انني لم اسمع انه تطرق لالاف المختفين في التسعينات علي يد قوي الامن وعصابات الـ بولحية، يبقي كل شيء ممكن البرنامج التلفزيوني الوحيد العملي والمفيد. لا تهريج ولا بفضل رعاية وتوجيهات فخامته، ولا الوزير جمال ولد عباس وقرفه الذي لا ينتهي.
رحمه الله برحمته الواسعة وألهم افراد عائلته صبرا جميلا.
القيادة الكتومةـ اعتبرت في مرات سابقة بهذا المكان ان نشرات الاخبار المغاربية التي تبثها الجزيرة من الرباط مساء كل يوم، ليست موفقة تماما.
هناك اكثر من سبب موضوعي اذا شئنا البحث في الاسباب. منها غلق العواصم المغاربية في وجه هذه القناة حتي اصبح مصدر خبرها الوحيد، في حالة الجزائر مثلا، الصحف المحلية (ولا شيء في حالة تونس طالما ان الصحف ذاتها بحاجة الي مغيث). مشكلة الصحف الجزائرية انها غير دقيقة تماما في عملها، تفتقد لمصادر الخبر وللقدرة علي التحري حول صحة الاخبار من عدمها.
هذا واقع فرض نفسه منذ سنوات في الجزائر (وله هو ايضا مسبباته ومبرراته اذا شئنا مسايرة منطق التبرير)، ولا اعتقد انه يسبب او يثير مشكلة مهما كان نوعها. بل اصبح جزءا من ممارسة صحافية لا تزعج ولا تغيّر في واقع الامر شيئا.
لكن ان يصبح هذا الواقع مصدر إلهام تتغذي منه نشرات اخبار قناة مثل الجزيرة و ميدي1 سات الفرنسية ـ المغربية، فهذه مقامرة.
مناسبة هذا الكلام ان صحيفة الشروق اليومي الجزائرية جرّت القناة القطرية الي الخطأ الاسبوع الماضي في تعاطيها مع تقرير الخارجية الامريكية حول حرية الممارسة الدينية بالجزائر.
قالت الصحيفة ان عدد المسيحيين بالجزائر 500 الف شخص (بينما يتحدث التقرير عن ثلاثة الاف). ورغم ان التقرير متاح ومباح، وكان بامكان الجزيرة الاطلاع عليه من اكثر من جهة، الا انها يبدو انها فضّلت الحل السهل المتمثل في نقله عن الصحيفة الجزائرية، ومنها جعلت من الموضوع قضية وراحت تناقشه مع خبراء و محللين بنوا كلهم علي الخطأ طالما ان المعلومة الاساسية غير دقيقة.
هذا آخر ما هناك (ولن يكون الاخير). اذكر جيدا ان في شهر نيسان (ابريل) الماضي، تحدثت صحف جزائرية عن انزال عسكري كبير بجبال منطقة بجاية (القبائل) حتي اوهمت قراءها بانه انزال النورمندي الثاني، وبانه سينهي موضوع القاعدة او الجماعة السلفية الي الابد. امضي الناس اياما يقرأون عناوين عن هذا الانزال ولا تفاصيل. كل صحيفة تزايد علي الاخري بمعلومات و تحليلات غير دقيقة لا مصادر واضحة لها (في احيان عدة مصادرها صحف اليوم السابق). وفجأة حدث الهجوم الانتحاري علي قصر الحكومة ومخفر شرطة قرب المطار، فتوقف كل الكلام عن نورمندي بجاية. الكلام الوحيد الذي بقي هو ان القاعدة ضربت قصر الحكومة لتفك الحصار عن قادتها ورجالها في جباال بجاية. يجب ان يكون المرء غبيا حتي يصدّق هذا الكلام او يري فيه جديدا.
الاهم اننا لم نسمع المزيد عن عملية بجاية الي اليوم. ولا يعرف احد هل انتهت ام لا. بل يحق السؤال هل وقعت اصلا ام لم تقع.
ورغم ذلك، جعلت الجزيرة و ميدي1 سات من هذا الانزال موضوعا رئيسيا في نشراتها اكثر من مرة لاكثر من يوم.
مشكلة الصحف الجزائرية ان القيادة العسكرية كتومة جدا، لا تمدها بأخبار الا ضمن سياقات معينة قليلة ومحسوبة جيدا، وبقية الهيئات الرسمية لا تتعاون معها بل تنبذها (اخيرا تنازلت الحكومة وعيّنت ناطقا رسميا يلتقي الصحافيين بعد اجتماع مجلس الحكومة ليشرح لهم ما ناقشه ويسمح له بقوله. لكن هل سيكون هذا الناطق موجودا ومتعاونا خارج موضوع اجتماع مجلس الحكومة؟)، مما يجعل عملك كصحافي بالجزائر جهادا اكبر. وبعد شكاوي الصحافيين قابله اعتراف رسمي بان السلطة لا تعرف الاتصال والتواصل لا تسهّل عملهم، جاء حديث عن انفتاح الجيش علي الصحافة والمجتمع. لكن المقصود هنا تغطية زيارات عمل قائد الاركان او الوزير المنتدب للدفاع الي الخارج في التلفزيون، او الاستماع الي الناطق الحكومي يتحدث، ولا يقول لك شيئا، بعد اجتماع مجلس الخكومة (واراهن من يشاء ان موضوع الناطق باسم الحكومة سيعمّر اقل مما تتصورون). انتظرونا!
ـ اقترح علي القنوات الفضائية اللبنانية والخليجية ان تعيد النظر في ابداعاتها فيما يخص برامج صناعة الفنانين والنجوم مثل ستار أكاديمي واخوانه، والتوجه لأخذ العبرة والتجرية من التلفزيون الجزائري.
هذا الاخير يرعي برنامجا مشابها عنوانها ألحان وشباب (هو عنوان برنامج قديم انقرض منذ سنوات طويلة) يبحث عن فنانين ليجعل منهم نجوم المستقبل علي طريقة أم بي سي و أل بي سي.
انصح بأخذ العبرة لان البرنامج الجزائري من اروع ما وصل اليه خيال وفكر انسان: تنظيما وتحكيما وبثا تلفزيونيا، لكن خصوصا من حيث غناء نجوم المستقبل الذين لا شك، عندما يسطعون ان شاء الله، سيحجبون عن الجزائريين رؤية السماء. وأجمل ما في الموضوع ان وزيرة الثقافة خليدة تومي اعطت شخصيا اشارة انطلاق البرنامج الخارق للعادة برفقة فنانين ومسؤولين اعلاميين، وألقت خطبة من خطبها الخالدة التي تلقيها في مثل هذه المناسبات التاريخية: الجزائر ديالنا شابّة، واحنا نحبّوها بزّاف. ربي ينجّيها ويخليهالنا خطرش ماعندناش بلاد وحد اخري. والشباب ديالنا نحبّوه ونعتنيو بيه خطرش هو المستقبل ديال البلاد اللي نحبّوها. بمثل هذه الخطب ترعي الجزائر برنامجا سيهز دنيا الفن والابداع الغنائي. مستقبل الغناء العالمي في يد الجزائر بفضل هذا البرنامج، وسنمرغ في التراب كل نجوم ستار أكاديمي في الشرق والغرب، وكل خريجي مدارس قنوات لبنان والخليج.. انتظرونا.
كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]