الأزمنة وكائن العودة إلى الذاكرة

حجم الخط
0

ماهر اليوسفييصعب علينا أحياناً الإلمام بتفاصيل المشهد دون اللجوء إلى المكان القابع في ثنايا ذاكرة هاربة نحو الزمن المفقود، فالحياة قصيرة والزمن طويل، وعبر البحث التأملي المسهب في الزمن الفلسطيني المنفي، يمكننا الذهاب إلى عمق الفعل الإنساني المجروح وانعكاس ذلك على شتى أنشطة الحياة أيضاً. فالزمن كفيل بتغيير كل شيء، والناس هنا اختلفت أعمالهم عن السابق حتى حركة أجسادهم اختلفت عما كانت عليه من قبل. وطقوس الفرح والموت تغيرت أجواؤها وانتقلت إلى أجواء جديدة. وهذه مسألة يقتنع بها على الأقل كبار السن في المخيّم. لكننا نجد هنا أكثر من تفسير لحال الاقتلاع الإنساني من الوطن، وهؤلاء الناس اختلفت أنشطتهم الإنتاجية الاجتماعية وماهيتهم الطبيعية، فالمزارعون ما عادوا مزارعين لفقدانهم الأرض.. فهم يترصدون ردود الفعل الذهنية، يسيرون ببطء مع الزمن. وخطوات إيقاعية سريعة مع الذاكرة والعمل والطقوس الجماعية أو حتى الحرب بلعنتها حين نزلت عليهم وحلّت بهم، بعدما كانوا في يوم ما آمنين أسياداً على كل شيء، وإذا دققنا بتفاصيل الوجوه ذات السحنة الكنعانية وقدرتها على الإيماء والتعبير نرى أنها صادقة تلقائية عفوية.

وكنا على الدوام نحاول أن نضع أسيجة لأسئلتنا، للمراحل التي يمر بها الناس في المخيم، ومع القراءة الجوانية والبصرية للسلوك، نرى وجود ظاهرة فريدة تأخذ بفكرة القطيعة بالمفهوم الشامل والنسبي، مع الزمن والواقع باغترابه، ذلك حسب حال التشاؤم والتفاؤل التي يمر بها الكبار والصغار على السواء. ومفهوم القطيعة مع الأشياء لم يؤثر على مخزون الذاكرة، فالذاكرة وحدها تبقى تشتغل وتسجل وتنسخ، وتراكم الخبرات والمعارف والتجارب، حتى لا يصل أناسها إلى فنائهم المريح.

تتجلى صورة الفلسطيني في المخيم بفعل وسلوك، كمن ضيّع أيقونة الزمن وأخذ يبحث عنها، أو كمن طُرد من جنة عدنيّة، ففي البحث عن الزمن الضائع نتساءل: من ضيّع الآخر؟! أو من يبحث عن الآخر، الزمن أم الإنسان؟! وحتى لا تتعطّل الذاكرة في هذا الزمن الكابوسي، كان لا بد من طريقة لشحذها أو طريقة منع.. كالممنوع من النسيان، الممنوع من الصرف في اللغة، مثل الممنوع من العودة الحقيقية وفكرة العودة لدى الكبار في المنفى تتجسد عبر الخيال والحلم والتذكر، لدى حاضرة الذاكرة والتصاقها بالأحلام الطويلة للماضي. وهنا نشهد في هذه الحال تحرر الحلم في جو التأمل الذاتي وتأمل الأشياء المحيطة بالعالم الخارجي. ولو افترضنا عودة المنفيين إلى الوطن، كيف ستكون صورة الذاكرة لديهم؟

كان يكفي مجرد أمل يتمسك به الكبار لصون أمد الذاكرة، ولهذا تكاثرت المثاليات التاريخية، فالماضي يحضر عبر ذاكرة باقية على درب الآلام. فالمتضايق يخرج من ضائقته حين يوسع من تفاؤله أولاً بالأمل ثم بالعمل. وربما عزاؤنا الوحيد لهؤلاء الأقوام المنفيين التائهين يتجسد بما يحصدونه من خيبة، وعدم بلوغهم الأمل المنشود، في العودة على الأقل، بعد أن يتحول هذا الأمل في المنفى حلماً طويل الأمد تحيله الذاكرة لحظة حنين كي لا يبقى في مصافي العذاب الإنساني الذي وجد له الكبار قولاً مختلفاً عن معنى الحياة.

أحياناً يقودنا تفسير بعض السلوك والظواهر الإنسانية في المجتمع المنفي، إلى روح الفكرة، حين تأخذ الدقة، ماهية تعبيرها عن المشاعر والأحاسيس، خصوصاً عندما ينفردون بمبدأ التطهر والمكابرة على الزمن ونسوق مثالنا هنا الزيارات إلى المقابر في بداية اللجوء. ذلك يحدث بمناسبة وبغير مناسبة وفيما بعد نجد لهذا السلوك تفسيراً واحداً ووحيداً هو أن الناس في المخيم خصوصاً الكبار يصلون إلى حكمة لعلاج شعور الخيبة، ربما كي يتحملوا أكثر الشقاء الإنساني والمجهول القادم والمصائب وليكونوا أكثر قدرة على التفاؤل. وهل هناك خسارة أكبر من خسارة الحياة بالموت؟! وبالنتيجة تكتسب الذاكرة عودة الروح في الماضي وتتجدد صورة الغائب سواء أكان الوطن أم المنفي في الحياة أم المدفون في منفاه. وهكذا تجد الذاكرة الكائن الضائع بعد فقدانه.. وليس الزمن الضائع.

وحدهم الأموات يرقدون بهدوء المقابر ومنازل الذاكرة.. وحدهم الأحياء يأنسون بالأموات.. ووحدها المخيمات تراوح بأمكنتها وهي أسيرة الزمن مع نهاية القرن العشرين، واستعداد العالم للانتقال إلى دائرة زمنية جديدة.

ولا يبقى من هذا الواقع سوى مسلسل الإنكار والإلغاء وقانون التجاوز لحلم طويل اسمه حق العودة، والمخيم يبقى في حقيقته المضادة.. هنا الكائن الضائع يحصد الخيبة عند الأرقام المكسورة في فوضى المشهد.. والأكذوبة تصدق الحقيقة لدى الدوائر المغلقة. وعند اشتعال الخرائط يصمد التائه ولا يبقى سوى حديث القسمة وحواجز مضبوطة على إيقاع الأرواح المتعبة، وحدود الكسور العشرية والنسبة المئوية وفي البحث عن الكائن الضائع المقهور في منفاه، لا يبقى من هذا العالم الساقط سوى خيبة تستيقظ لها الحواس المتربعة على ضفاف الحقيقة. وفي المخيم.. كنا نبحث عن الزمن المفقود ونقفز نحو المجهول غير المقروء فقط نبرع في القراءة البصرية، ربما اكتشفنا حينذاك أنه لا يكفي فقط تحديد الأشياء بل تفسيرها ونكون موجودين بفعل اللحظة – الصدفة حتى وإن كانت صدفة الولادة، نتبع الزمن عبر دولاب دائري.. نحن أبناء الزمن الدائري نلتف وندور في نسيج الحكاية وهي تكتبنا كما كتبت أناسها من قبل، وهكذا نخوض تجربة الوعي للزمن أو وعي الزمن عبر الطرق الحسية والتراكمات.. كانت العفوية تفضي بنا نحو مناخ الخطابات والفلسفات وحقول المعارف والتنظير وحقول الألغام التي ما تحولت أبداً عندنا حقول سنابل وزهور وحتى نصل إلى الحقيقة الكاملة المرئية نستجمع الحواس لأدق التفاصيل، لكأننا مهتمون أيضاً بالتفاصيل، فاللوحة لا تكتمل إلا بجزئياتها، ونقرأ الفعل الظاهر والباطن قراءة بصرية، ولن نفقد الحماسة في الاندفاع إلى المجهول.. هي ذاكرة المكان في المخيم مجرد بداية بلا نهاية. كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية