باريس ـ “القدس العربي” ـ من فوزي سعد الله: بعد كتاب الرعية في الإسلام الذي أصدره في العام 2003 عن دار سوي في باريس ثم الإسلام والعقل، يعود مالك شبّال مرة أخري إلي صدارة الإنتاج الثقافي الفكري الفرنسي حول الإسلام تاريخا وحضارة. نشر هذا الباحث الجامعي و الكاتب الجزائري المقيم في باريس إلي غاية اليوم أكثر من 25 كتابا باللغة الفرنسية. وأصبح بعد 26 سنة من استقراره في بلد الجن والملائكة وتدريسه في الجامعات الباريسية وجها من الوجوه التي تساهم في النقاش والجدل في هذا البلد حول مختلف القضايا الإسلامية وحول المسلمين في المهجر الفرنسي حتي ولو اختلف معه الكثيرون في العديد من وجهات نظره. آخر عمل له نشرته دار بيران للنشر في باريس ويحمل عنوان L’Islam expliquژ par Malek Chebel (الإسلام، شرحُ مالك شبال). الكتاب الذي يتكون من 260 صفحة من الحجم المتوسط عبارة عن قراءة مبسطة للفكر وتاريخ تطور الثقافة والتقاليد الإسلامية في دار الإسلام موجهة للأوروبيين والغربيين بشكل عام. وللذين يفتقرون إلي حد أدني من المعرفة بالديانة الإسلامية تاريخا، ثقافة وتعاليم. في شرحه لدواعي تأليفه لهذا الكتاب، يقول مالك شبال: الإسلام، هذا المجهول الذي يثير الرعب، لطالما شرحناه ووضحنا كنهه وناقشناه، لكن الغموض الذي أحيط به لا زال غموضا كاملا. ولا يعد القادرون علي التمييز بين أسسه الكبري وبين مذاهبه وتطوره التاريخي سوي أقلية نادرة، وذلك رغم بلوغ تداول المعلومات والمعارف والأخبار حول الإسلام والمسلمين في الغرب مستوي قياسيا لم يحدث في السابق ابدا. وأوضح شبال منذ الصفحات الأولي لكتابه أن رغبته في تقديم الإسلام للذين يجهلونه لن تكون علي حساب حرية النقد التي ميزت العديد من مؤلفاته السابقة وان الصرامة و عدم إخفاء التناقضات التي تنخر الجسد الإسلامي و بؤر الغموض فيه ستلازمان عمله من أوله إلي آخره دون مواربة أو مداراة. وهذا ما يمكن لمسه من قراءة الكتاب إلي حد قد يفوق تصور وتوقع القارئ. ولم يكتف بنقد الإسلام والمسلمين فحسب بل شملت مؤاخذاته حتي إنسان الغرب الذي وجد صعوبة في تقبل الديانة المحمدية منذ ظهورها وسهر طيلة قرون علي شيطنة هذا الدين وأهله وترسيخ صورة عنه في الأذهان مشوهة إلي حد بعيد. يبتدئ شبال بالسؤال مَنْ هو محمد؟ وظروف نزول الوحي في غار حراء ثم يعرف بالقرآن والحديث والأركان الخمسة ومختلف الطقوس الدينية ويوضح المفاهيم الغامضة في المخيال الغربي كالشريعة والفقه والفتوي وغيرها. لم يغفل الكاتب الجزائري حيرة الإنسان الغربي أمام كثرة الاتجاهات والمذاهب الإسلامية الروحية والسياسية وتشعبها، لذلك افرد فصلا من الكتاب يشرح فيه مضمون وأصول هذه المذاهب وعلي رأسها السّنة، بفروعها الأربعة المالكية والحنفية والشافعية والحنبلية، والشيعة بمختلف تفرعاتها، ولم يغفل ايضا الخوارج والإباضية.
كتاب شبال يتحدث عن الاتجاهات الكبري التي صنعت تاريخ الإسلام والإمبراطوريات والممالك والإمارات التي حملت لواءه منذ 15 قرنا، لكنه يتناول ايضا الأسرة والمرأة والحب والجنس في الإسلام دينا وتاريخا وثقافة، وهي بالذات الجوانب التي شغلت أكثر من غيرها الكثير من بحوثه ومؤلفاته السابقة علي غرارLes cents noms de l’amour (أسماء الحب المئة) الذي أصدره بالاشتراك مع الأسعد مطوي سنة 2001،L’encyclopژdie de l’amour en islam، Erotisme, beautژ et sexualitژ dans le monde arabe, en Perse et en Turquie (أنسيكلوبيديا الحب في الإسلام. الشهوانية، الجمال والجنس في العالم العربي، في فارس وفي تركيا) سنة 1997 وأيضا Le livre de la sژduction (كتاب الغواية) سنة 1986 و e corps en Islam (الجسد في الاسلام) في 1984. لا شك أن القارئ الغربي سيعثر في كتاب شبال الأخير الإسلام، شرح مالك شبال علي الجواب عن الكثير من تساؤلاته وعن أصول الأحكام المسبقة التي يزخر بها مخياله عن الإسلام والمسلمين منذ الصدامات الأولي بين الإسلام والمسيحية خلال الفتوحات الإسلامية إلي غاية عصر صدام الحضارات، لان الكتاب لم يغفل التعرض لمفاهيم الغزو والتوسع والاكتشافات وحتي الرحلات عبر التاريخ الإسلامي وعلاقاتها بالغرب المسيحي.
لكن شرح الإسلام للقارئ الفرنسي، او الفرنكوفوني بشكل عام، يقتضي التطرق إلي العصر الحديث وأوضاع هذا الدين وأتباعه خلال هذا العصر، مما دفع بالكاتب إلي تخصيص جزء هام من الكتاب لتوضيح كنه الأصولية وما يعتبره جذورا لهذه الأصولية بدءا بالحركة الوهابية وعصر النهضة وانتهاء بحركة الإخوان المسلمين والثورة الإسلامية الإيرانية الخمينية. ويصل مالك شبال في نهاية كتابه إلي ضرورة السعي إلي إقامة إسلام نوراني يفكر ولا يقلد، يبحث ويجتهد لمواكبة التطور ولا يركن إلي اجترار اجتهادات وأفكار السلف التي تجاوز الزمن الكثير منها. إسلام الأنوار هذا في نظر شبال هو ذلك الإسلام الذي يسير علي خطي تلك النخبة التقدمية التي حلمت خلال عصر النهضة بدفع الأمة الإسلامية إلي مواكبة عصرها علي غرار خير الدين الثعالبي في تونس ومحمد علي باشا في مصر وسليم الثالث ثم محمود الثاني في اسطمبول عاصمة الخلافة الإسلامية، إضافة الي عدد من المفكرين والكتاب والادباء والشعراء والصحافيين ورجال الدين من جمال الدين الأفغاني وسيد احمد خان بهادور والكواكبي وشكيب ارسلان إلي محمد إقبال وميشال عفلق الذين ساهم كل منهم علي طريقته ومن موقعه الفكري أو الفلسفي في تحريك دواليب النهضة التي لم تلبث أن تراجع وهجها، حسب الكاتب، أمام تنامي قوي الأصولية. غير أن هذه الثورة التي يدعو مالك شبال إلي إحداثها في العالم الإسلامي لن تتحقق، برأيه، إلا بقراءة جديدة للقرآن تسمح بإطلاق سراح الذكاء والروح الخلاقة في الذات الإسلامية وتسمح أيضا بإطلاق الحريات وإلغاء قمع التفكير والإبداع والإفراج عن الطاقات الكامنة في الإنسان المسلم.