عبد الشافي: فارس فلسطيني يترجل

حجم الخط
0

بوفاة الدكتور حيدر عبد الشافي رئيس الوفد الفلسطيني في مفاوضات مدريد يكون الشعب الفلسطيني قد خسر واحدا من اشرف رجالاته واكثرهم وطنية، فلم تحظ شخصية فلسطينية بالاحترام الذي حظي به هذا الرجل في الخمسين عاما الماضية علي الاقل.

الدكتور عبد الشافي كان زاهدا في المناصب، لا يساوم علي الثوابت الوطنية الفلسطينية، ولهذا لم يتردد في الاستقالة من رئاسة الوفد المفاوض، عندما ادرك ان هناك من يتفاوض سرا في دهاليز اوسلو، وكرر الموقف نفسه، وغادر المجلس التشريعي الفلسطيني مستقيلا، عندما وجد انه مجرد ديكور ديمقراطي لا يملك الصلاحيات التي تؤهله لكي يكون رقيبا علي السلطة التنفيذية.

قليلون هم الذين قالوا لا للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وعبروا عن رفضهم لاتفاق اوسلو، وحذروا من مخاطره علي القضية الفلسطينية، وكان الدكتور عبد الشافي علي رأس هؤلاء، بل كان عميدهم دون منازع.

كتلة المستقلين في الوسط الفلسطيني خسرت محاربا عنيدا، وشخصية مخضرمة، شكلت مرجعية في النزاهة والحكمة، وتقديم مصالح الشعب وقضيته الوطنية علي المكاسب والطموحات الذاتية.

ربما عرفه الكثيرون داخل فلسطين وخارجها، كسياسي محنك هاديء بعيد النظر، قليل الكلام والابتسام، ولكن ابناء قطاع غزة، عرفوه كانسان صاحب قلب كبير فتح عيادته الخاصة للفقراء المعدمين، يقدم لهم العلاج مجانا، بل ويدفع ثمن الادوية من جيبه الخاص، لانه يعرف جيدا ان هؤلاء المسحوقين لا يملكون ثمن رغيف الخبز في بعض الاحيان، ناهيك عن ثمن الدواء.

رحيله سيترك فراغا كبيرا في وقت يعتبر الاكثر حراجة بالنسبة الي القضية الفلسطينية التي تمر حاليا بظروف صعبة للغاية، وتقف امام مفترق طرق، مليء بالالغام والمخططات المشبوهة.

فرجل في وزنه وحكمته، وخبرته الطويلة، ورصيده الكبير من الاحترام والتقدير من قبل الغالبية الساحقة من الفلسطينيين، هو الوحيد المؤهل للوساطة بين جناحي العمل السياسي الفلسطيني لوضع حد لحال الانقسام الحالية المتفاقمة، واعادة اللحمة بين ابناء القضية الواحدة، والهدف الواحد، والعدو المشترك.

سيظل الشعب الفلسطيني من مختلف الوانه السياسية، ومناطقه الجغرافية، ومنطلقاته الفكرية يتذكر الدكتور عبد الشافي ومواقفه الوطنية المشرفة. سيظل ينظر اليه كضمير وطني طاهر لم يحد مطلقا عن قيم العدالة والتحرر، وظل متمسكا بثوابته حتي اللحظة الاخيرة من حياته.

مدينة غزة التي احتضنت الدكتور عبد الشافي لاكثر من ثمانين عاما لن تكون هي نفسها برحيله، فقد كان عنوانا للكرامة، ومرجعية وطنية، وصدرا مفتوحا، وبيتا مفتوحا لكل ابنائها الساعين لرأي او موقف او تفسير.

الشعب الفلسطيني سيودع اليوم احد ابرز قياداته المخضرمة، سيودعه شهيدا، مثل كل الشهداء الذين سقطوا في ميادين الشرف والكرامة دفاعا عن اغلي القضايا واكثرها عدالة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية