اللهم إني صائم

حجم الخط
0

توفيق الحاج

مع قدوم شهر رمضان المبارك… عقدت العزم علي أن أصوم في هذا الشهر الفضيل عن الحديث في السياسة وملحقاتها ليلاً نهاراً… تماماً كما فعل أستاذنا غوّار الطوشي الذي قرر الصيام عن المقالب وطول اللسان طوال شهر رمضان..!! ورأيت أنه كلما أغرتني أو أدهشتني أو فلقتني الأحداث المتلاحقة في الشارع… في الصحف… في نشرات الأخبار… ألا أتسرع بالتعليق بل أستغفر الله وأقول في هدوء اللهم إني صائم ثلاث مرات…!! مع إني لا أعد القراء بالوفاء بهذا العهد لأن السياسة كالجرب والكتابة كاليد التي لا يستطيع أحد منعها من أن تحك الموضع المتهيج المؤلم في ليل موحش وطويل..!! لم أجد أفضل من رمضان ليكون موضوع حديثي إلي القراء… لأن هذه الكلمة العظيمة تشرِّف المقال والمقام والزمان عدا عن أنها تحمل مفاتيح حميمة للذاكرة المشتعلة بعبق الطهارة والبراءة والتواصل وحب الناس. كلمة رمضان تضم بين حروفها عِبراً ومعاني إنسانية عالية من تقوي وتراحم وصبر وشعور بالاخرين… وهي في ذاكرة طفولتي تلتصق بصوت الاذان… الإفطار… سيد النقشبندي… التراويح… عبد الباسط عبد الصمد… قمر الدين… ألف ليلة وليلة… المسحراتي… رائحة القطايف والكعك… أنوار المآذن والشوارع والمحلات التجارية الساهرة.. ساق الله… أيام رمضان في صبانا…!! رمضان في هذه الأيام يكاد يختنق بين أيدينا وألسنتنا الجافة التي تفصل بيننا وبين الجيران والأهل.. رمضان لم يعد كما كان في أيام الطفولة.. بل بالأحري لم نعد نحن بالبراءة وحب الحياة كما كنا في رمضان الطفولة.. أتذكر فيما يشبه الحلم البعيد.. اللحظات السعيدة النقية التي كانت تجمعنا صغاراً وكباراً مع ذلك الزائر الكريم الذي يزورنا كل سنة مرة… أتذكر كيف كنا نتباري في إخراج اللسان الأبيض دليلاً علي الصيام ونتباهي به علي أقراننا الذين لم يستطيعوا الصيام أو لم يرغبوا.. وكيف كنا نطارد النهار ببراءة الطفولة حتي يؤذن لصلاة العصر… فنذهب ونصلي ثم نتجمع حول المسجد الوحيد في المخيم وبجوار الكثبان الرملية الصفراء البكر.. نتجاري ونلعب معاً الحدر بدر و الكسحة و…. و…. كانت آذاننا باتجاه مسجدنا الصغير وعيوننا باتجاه مئذنة جامع البلد الكبير التي تضيء أنوارها بمجرد أن يحين موعد اذان المغرب.. وما أن يصعد أبو العظم علي سطح المسجد للأذان حتي نصيح نحن الأطفال صيحة الفرح المحببة إلي القلوب وبمجرد أن نسمع الله أكبر حتي نهرول مسرعين متسابقين إلي البيوت لنجد العائلة الكبيرة الجدين والوالدين والأعمام وزوجاتهم وأولادهم يتحلقون حول مائدة واسعة.. كلنا أكثر من ثلاثين فردا كنا نجتمع علي مائدة إفطار واحدة… ما أجملها من لحظات كانت تتجسد فيها الحميمية والتكافل.. لحظات تفرزها الذاكرة فتجرح عن غير قصد القلوب التي تشعر الآن بالوحدة والغربة والتصنع.

كنا نتبادل والجيران عبر طاقة صغيرة في الجدار صحون الطبيخ والحلوي ونجلس معاً في سهرات رمضانية محببة نتحرق فيها لسماع قصص ألف ليلة وليلة من الإذاعة المصرية ونسبح نحن الصغار في عالم الخيال عبر صوت شهرزاد التي تهمس للملك شهريار عن ملوك الإنس والجان والأميرة الجميلة نورهان والغول السجان… كان راديو الكبايات الوحيد في حارتنا يملكه جارنا أبو محمد وهو لنا بمثابة السينما والتلفزيون والفيديو… والصحف… والانترنت… وكنا سعيدين إلي أبعد الحدود بهذا الجهاز الساحر.

كنا نحن الأطفال نزدرد علي عجل بعض لقيمات ثم نهرع إلي ساحة الحارة لنلعب اللي بتحيا و طرقت و اشقح يا دينار علي ضوء القمر وعلي مقربة منا كان يجلس الأهل والجيران يتبادلون الحديث بود وحب نسهر حتي يحين موعد السحور… فنتطوع أحياناً لمساعدة المسحرين ونرنم آذاننا بأنغامهم الشجية إصحي يا نايم.. وحِّد الدايم.. رمضان كريم والتي تزداد شجواً في وداع الشهر الفضيل.. نعود إلي بيوتنا منهكين… لكن فرحين بهذه اللحظات البريئة الرائعة لنجد الوالدة الطيبة قد أعدت لنا سحوراً من دبس االقصب المصري الاسود غالباً و قمر الدين نادراً مع الجبنة البيضاء ونحشو المعدة حشواً ونشرب بأقصي ما نستطيع تحسباً ليوم صيام قائـظ وطويل. كانت أيام لكل شيء فيها طعم.. هل هو طعم الطفولة؟ أم طعم الحياة بلا مسؤولية؟

هل هو طعم العلاقات العفوية الطيبة بين الناس؟ لا أدري.

لم تكن المائدة عامرة آنذاك بما تعمر به موائدنا الآن ولكنها كانت بالقطع ألذ طعماً وأكثر بركة.

لم يكن طعم القطايف والكعك اللذين يخرجان كالدبابير في الصواني من فرن أبو حسني كطعم قطايف وكعك هذه الأيام.. كان أهل الحارة يتبادلونهما باريحية وتصميم.. رغم أنهم كانوا فقراء جداً ينتظرون بفارغ الصبر حصة تموين وكالة الغوث آخر كل شهر… اليوم… يبدو كل شيء بارداً.. مصطنعاً… غاية في التكلف والجفاف.

اليوم… رمضان يحس بالوحشة بيننا، ويتمزق علي الفضائيات وبرامج الهِشِّك بِشِّك حتي مفهوم الصيام الحقيقي غاب بين كثير من الناس فبينما يتحلق المتكرشون حول موائد ما لذ وطاب لا يكلفون أنفسهم عناء التفكير في مشاعر أسر الشهداء والمعتقلين الذين يفتقدون الآباء والأبناء والاخوة علي مائدة لإفطار متواضعة جداً.. جداً. أتذكر أمي التي كانت تقدم بصمت وإيمان صدقة الفطر مما تبقي لنا من طحين الوكالة بينما أري الآن تحايل أصحاب الأموال والأطيان علي الزكاة برمتها.

أتذكر كيف كان والدي يحضر سلتين كبيرتين مملوءتين بالخضار والفاكهة بعشرين قرشاً بينما لم أستطع أن أشتري من أمام الجامع الكبير كيلو فول أخضر بـ 8 شيكل وأوقية فلفل أخضر ب 4 شيكل.

أتذكر كيف كان الناس يقابلون بعضهم البعض ببشاشةٍ وترحاب.. وكرم عفوي لا قصد من ورائه إلا الأصالة والحب… بينما الآن الوجوه غالباً عابسة مكشرة.. والأقدام مسرعة.. والسلام بالإشارة… والمحبة ضائعة… الجار لا يعلم عن مصاب جاره إلا بالصدفة وبعد وقت طويل.. يا للعجب..!! وان علم يطنش من فرط ما تضخم القلب بالحسد والاحقاد.

أتذكر كيف كانت ليالي رمضان ناعمة… لذيذة.. هادئة ومفعمة بكل طيب بينما الآن هي لا تختلف عن باقي الليالي المليئة بالمفرقعات التجارية وإطلاق النار المجهول… وحياة الكانتونات الأسرية المغلقة… العرس والميتم في حارة واحدة… بل وفي الشارع الواحد.. صوت الشيخ الطبلاوي يختلط بصوت هيفا دون إحساس بالعار أو الخجل.

الي هذه الدرجة تدهورنا وتبلدت مشاعرنا وعواطفنا واهترأت علاقاتنا وأصبحنا ننظر الي بعضنا البعض شذرا وريبة كما الاخوة الاعداء..!! أتذكر كيف كنا في طفولتنا نحلم مع صوت عبد الناصر وأحمد سعيد و أمجاد يا عرب أمجاد بتحرير مدننا وقرانا في فلسطين 48… بينما نحن اليوم نعيش ومنذ 40 عاما في فلسطين كلها تحت بساطيرالاحتلال.. وفي طوق من المستوطنات… والحواجز… والقصف والاجتياحات والاقتتالات والانقسامات والميليشيات وأخبار الخطف والموت الغامض… وتجارب أنصاف وأرباع الحلول و… و…. ياه.. يبدو أنني خرجت عما عقدت العزم عليه.. ودخلت في مستنقع السياسة دون قصد مني.

اللهم إني صائم… اللهم إني صائم… اللهم إني صائم… ہ كاتب من فلسطين[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية