حمزة الحلوبي وسؤال الهوية

حجم الخط
0

منير بولعيش

كثير من الفنانين العرب المقيمين في ديار الغربة والموزعين بأحلامهم وآمالهم وآلامهم بين القارات والأصقاع المختلفة يستمدون روح إبداعاتهم من أسئلة ملحة تفرضها ولا بد ظروف إقامتهم المضطربة والمؤقتة، ويبقي سؤال الهوية واحدا من أكثر الإشكاليات التي تغذي مخيلة المبدعين العرب المهاجرين، الهوية بأوجهها المتعددة، باعتبارها أولا وأخيرا: أوراقا ثبوتية يشهرها المبدع العربي (أيا كان تصوره وفهمه لمعني الهوية) في وجه (الآخر) سواء كانت هوية تضرب بجذورها عميقا في تراب الوطن الأول أو هوية متنقلة ومركبة تتوزع بين الحنين إلي الوطن الأم وبين بلد (أو بلدان) الإقامة أو هوية محايدة تقع وفق تعبير (إدوارد سعيد): خارج المكان.

أعتقد أن هذه المقدمة كانت ضرورية قبل ولوجنا إلي اكتشاف عوالم الفنان المغربي المقيم في الديار البلجيكية: (حمزة الحلوبي) باعتبار أن الهوية عنده تبقي هي المادة الخام التي ينطلق منها من أجل بلورة رؤاه وتقديم اقتراحاته البصرية سواء علي مستوي فنون الطباعة (السيليغراف) أو فنون التصوير الفوتوغرافي وأفلام الفيديو (أستحضر هنا عمليه الهامين: إلي إدوارد سعيد ـ كأنه أنا) ذلك أنه لا يمكن لنا أن نقارب أعمال هذا الفنان إلا من خلال مجمل مشاغله الفنية باعتبار أن كل الفنون عند حمزة الحلوبي تكمل بعضها بعضا. 2بين برزخ الغربة ودفء الوطن يقف الفنان المغربي (حمزة الحلوبي)، يؤشر بإبداعاته الخلاقة علي هواجس تسكنه وقضايا إشكالية يجعل منها المادة الأساسية لفنه وإبداعه الذي يعتبر نموذجا أصيلا للرؤية الطليعية التي يتوفر عليها هذا المبدع الذي يعرف كيف يشحن أعماله بدلالات تجمع بين ما هو إنساني وبين ما هو ذاتي.. وتبقي إشكالية الهوية وجدلية الأنا / الآخر واحدة من بين أهم الثيمات التي تشغل روحه وتغذي إبداعه والتي تأتي معالجته لهما انطلاقا من رؤية إدوارد سعيد، تلك الهوية التي تتكون من مجموعة تجارب إنسانية، وليست تلك التي نتلقاها في مقاعد الدرس باعتبارها هوية مكتملة وصلبة كهوية ثقافة ما أو لغة ما، لذا فهو ينظر إلي مفهوم الهوية نظرة مغايرة وشاسعة والتي لا تجعل من (الأنا) شيئا مطلقا ومكتملا بل في داخل أي (أنا) يوجد (هو)، ولكن تجدر الإشارة إلي أن مقاربة هكذا ثيمات عند حمزة الحلوبي ليست نوعا من الترف الذي يمارسه فنان مقيم في الغربة باعتباره ركوبا لموجة فنية يستقلها الكل، وكأننا هنا أمام تقليد فني متوارث بين المبدعين العرب المقيمين خارج أوطانهم، لكن الأمر عند هذا الفنان مختلف للغاية، فسؤال الهوية في أعمال حمزة الحلوبي سؤال أساسي، وهو الكلمة/ المفتاح الوحيدة التي قد تؤهلنا لمواجهة أعماله وفك أبعادها الرمزية والتجريدية.

إبداعات حمزة الحلوبي هي تعبير حقيقي عما يختلج في نفس هذا المبدع الذي يختزن في ذاكرته البصرية ما لا يعد من أعمال الفنانين التي يغنيها بقراءته المتعددة والعميقة في مجالات الفن والفلسفة، مما يمنح أعماله أبعادا تجريدية واحتمالات شتي للقراءة والتأويل وتبعدها بالتالي عن السقوط في فخاخ السطحية والإسفاف، ومن يعرف جيدا أعمال هذا الفنان يعرف مقدرته المتفردة علي كسر أفق انتظار المتلقي وإحداث تلك الدهشة/ الصدمة عنده، خاصة وهو يقارب تيمات لها أحيانا حرمة الطابوهات في الوطن العربي. ناقد من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية