صدور الأعمال الشعرية لسليم بركات عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر

حجم الخط
0

بيروت ـ “القدس العربي”: عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، صدر الكتاب الشعري الضخم (حوالي ستمئة صفحة، من القطع الوسط)، للشاعر سليم بركات؛ بعنوان الأعمال الشعرية، وقد احتوي الكتاب علي كل أعمال سليم بركات الشعرية، المطبوعة، وهي حسب التسلسل الزمني:1ـ كل داخل سيهتف لأجلي، وكل خارج أيضاً2ـ هكذا أبعثر موسيسانا3ـ للغبار، لشمدين، لأدوار الفريسة وأدوار الممالك4ـ الجمهرات5ـ الكراكي6ـ بالشِّباك ذاتها؛ بالثعالب التي تقود الريح7ـ البازيار8ـ طيش الياقوت9ـ المجابهات؛ المواثيق الأجران؛ التصاريف، وغيرها10ـ المثاقيل11ـ المعجم الكتاب، هو تتويج طباعي شامل للتجربة الشعرية الفذة لهذا الشاعر. وجاء بمقدمة ضافية شاملة عميقة (35 صفحة)، بتوقيع الناقد صبحي حديدي، وعلي الغلاف الأخير، كلمة بتوقيع الشاعر محمود درويش. وبورتريت الغلاف بتوقيع عمر حمدي ـ مالفا، والذي جاء تعريفه في الكتاب: فنان نمساوي، من أصل كردي. من الجدير بالذكر، ثمت كتاب شعري جديد لـ سليم بركات، تحت عنوان: شعب الثالثة فجراً من الخميس الثالث، وسيصدر قريباً عن الدار نفسها. وهذا الكتاب الشعري الجامع، هو الثالث لسليم بركات، بعد المجموعات الخمس، والديوان.

نقدم، هنا المقطع الأول من الدراسة ـ المقدمة، والمقطع الأخير؛ مع كلمة الغلاف الأخير. صبحي حديديسليم بركات: فتنة المعجم وإسار الدلالة(مقطعان من المقدمة)I القامشلي مدينة صغيرة تقع في أقصي الشمال الشرقي من سورية، تأسّست في عشرينيات هذا القرن لكي تكون محطة زراعية تخدم مواسم زراعة وحصاد القمح والشعير وبعض القطن، وسرعان ما أصبحت أبرز مدن وبلدات منطقة الجزيرة، التي سُمّيت هكذا بسبب وقوع سهولها المنبسطة الخصبة بين نهرَي الفرات ودجلة. والموقع الجغرافي لهذه المنطقة يفسّر تنوّعها الإنساني والثقافي واللغوي والإثني: من الشمال تحدّها جبال طوروس، ومن الشرق العراق وكردستان الشمال، ومن الجنوب بادية الشام وتدمر. وبالمعني السوسيولوجي والاقتصادي كان ارتباط حياة البشر بدورة المواسم الزراعية قد جعل منطقة الجزيرة، وبالتالي مدينة القامشلي بوجه خاصّ، تنفرد عن بقية المناطق السورية في أنّ معظم سكانها من الوافدين الذين قَدِموا من مناطق الداخل السوري (دمشق وحلب) بحثاً عن العمل الموسمي ثم استقرّوا، أو من المهاجرين الذين توافدوا من تركيا والعراق وأرمينيا هرباً من الاضطهاد العرقي أو السياسي.

ذلك جعل القامشلي موطناً لأقوام من الأكراد واليزيديين والأرمن والسريان والآشوريين والبدو الرحّل والعشائر المستوطنة الإقطاعية، الأمر الذي استدعي تعدّدية أخري علي صعيد اللغات والأديان والمذاهب والتراثات والأساطير. وهذا الموقع الفريد لمنطقة الجزيرة يذكّر، علي نحو مدهش، بالأبيات التالية من الشاعر اليوناني كوستيس بالاماس: ذلك المثمّن القائم علي هندسة مربّعة، والذي قطنه محاربون قدماء كان يتحكّم بالسهول، مثل ذروة مجلّلة بمشيب ثلجي معمّر من بابل إلي سورية، ومن جبال طوروس إلي لبنان، من قلاع طرسوس إلي خلافات بغداد. (1) في القامشلي ولد سليم بركات سنة 1951، وفيها ترعرع ودرس وحصل علي الشهادة الثانوية وانتسب إلي جامعة دمشق ـ قسم اللغة العربية وآدابها في العام 1970، ثم استقرّ نهائياً في العاصمة السورية بعد انتقال أفراد أسرته إليها. وفي عام 1971، وهنا أعتمد علي الذاكرة الشخصية وحدها، نشر بركات أولي قصائده في مجلة الطليعة، الأسبوعية السورية التي كانت تضمّ قسماً ثقافياً دسماً وحداثياً، استقطب الأسماء الشابّة بصفة خاصّة. آنذاك، كان المشهد الشعري السوري يضمّ أمثال علي الجندي وممدوح عدوان وعلي كنعان ومحمود السيّد ومحمد عمران في صفوف الشعراء الأكبر سنّاً وتجربة ونتاجاً، المكرّسين لهذا السبب الجمالي أو ذاك السياسي؛ وكان يضمّ أمثال نزيه أبو عفش وعادل محمود وبندر عبد الحميد وابراهيم الجرادي ومحمد مصطفي درويش ومحمد منذر المصري في صفوف الشعراء الأصغر سنّاً وتجربة، والأقلّ اندماجاً في المؤسسة.

في خلفية هذا المشهد الأجيالي، إذا صحّ القول، كانت أشكال كتابة الشعر تخضع لضغوطات جمالية (صامتة، بمعني ما) من المعلّم الكبير محمد الماغوط، الذي أصدر مجموعته الشعرية الثالثة الفرح ليس مهنتي ثم انزوي في عمل وظيفي محض هو رئاسة تحرير مجلة مغمورة اسمها الشرطة؛ وتخضع، كذلك، لضغوطات أخري غير صامتة مارستها قصائد شعراء قصيدة النثر السورية، من أمثال سليمان عوّاد، سنية صالح، حامد بدرخان، واسماعيل عامود. كان شكل التفعيلة هو السيّد بصفة إجمالية، ولكنّ التعايش مع أشكال الكتابة الشعرية الأخري (وقصيدة النثر بصفة خاصّة) كان سيّد اللعبة في الآن ذاته، بدليل الترحيب الواضح بنشر نصوص الشعراء الشباب في منابر رسمية مثل مجلة الطليعة وملحق الثورة الأدبي، وشهرية الموقف الأدبي الصادرة عن اتحاد الكتّاب. آنذاك، أيضاً، اخترق بركات هذا السطح الراكد، الرتيب، المتوافق علي تعايش سلمي بين الأجيال والأشكال والموضوعات.

وكما أحدثت قصيدة نقابة الأنساب صدمة بهيجة في دمشق، كذلك أحدث نشر قصيدة دينوكا بريفا… صدمة مماثلة، أكثر تعقيداً ودلالة في الواقع، حين نُشرت للمرّة الأولي في مجلة مواقف سنة 1972. كانت القصيدة تطرح اسم سليم بركات بقوّة، وتخترق موانع الكتابة الشعرية العربية في قلب بيروت، عاصمة الحداثات العربية، وتكرّس الشاعر ناطقاً بليغاً (بفصحي جبّارة غير مألوفة!) باسم الموضوع الكردي، في التاريخ والجغرافيا والحكاية والأسطورة. آنذاك، لم يخفَ علي أحد، وفي طليعتهم أدونيس رئيس تحرير مواقف الذي سارع إلي احتضان القصيدة مثل مجموعة بركات الأولي، أنّ هذا الصوت ليس جديداً فحسب، بل هو مباغـت وانشقاقي واختراقي.

وكانـت القصيدة قد أحكمت شـدّ الروابط بين الحكاية والفانتازيا؛ بين الوقائع المادّية ومحفوراتها السرّية في باطن الوعي؛ بين التجسيدات البدئية لما يجري علي سطح المحاكاة الطبيعية، والتصوير البصري التشكيلي الآسر؛ بين المكان بوصفه أكثر من مجرّد كيان جغرافي معرّف أو قابل للتعريف، وبين المكان ذاته بوصفه موقع التنقيب عن الاستعارة المفتوحة، عن الهاوية التي تتقلّب فيها حكايات البشر (من الكرد والبداة والآشوريين والشركس…)، وحكايات الحيوان (الذئاب والنعاج والكلاب السلوقية وبنات آوي…)، وحكايات الطير (الكركي، الزرزور، الحجل…)، وحكايات النبات (السرخس، الخزامي، العنّاب…)، هذه التي تأتلف مراراً لتشكّل حكاية واحدة حاشدة لأسطورة تنفجر بعنف، في اللغة وخارجها، وفي الصورة وأعلي منها، وفي الإيقاع المنتظم والإيقاع المتفتّت.

وهذه القصيدة تسجّل، أيضاً، أوّل أمثلة استخدام سليم بركات للنثر في قصيدة تواصل الاعتماد علي التفعيلة، وإنْ كانت تلجأ أيضاً إلي تذويب السطر الشعري المستقلّ عن طريق إدخاله في مقاطع تدويرية طويلة. ولعلّ بين أفضل ما أنتجته الكتابة الشعرية العربية المعاصرة التي تعتمد النثر، ذلك الاستهلال الأخّاذ الذي يفتتح القصيدة:

عندما تنحدر قطعان الذئاب من الشمال وهي تجرّ مؤخراتها فوق الثلج وتعوي فتشتعل الحظائر المقفلة، وحناجر الكلاب، أسمع حشرجة دينوكا. في حقول البطيخ الأحمر، المحيطة بالقرية، كانت السماء تتناثر كاشفة عن فراغ مسقوف بخيوط العناكب وقبعات الدرك، حيث تخرج دينوكا عارية تسوق قطيعاً من بنات آوي إلي جهة أخري خالية من الشظايا.

يعلّمنا تاريخ الإنجازات الإبداعية الفردية درساً كبيراً مفاده أنّ أعمال الأدب الاستثنائية قامت بواحد من إنجازَين: إمّا أنها أسّست أسلوبية جديدة، أو تسبّبت في مُحاق أسلوبية قديمة، الأمر الذي يعني أنها ــ في النتيجتَيْن ــ حالات خاصّة للغاية. وأدب سليم بركات نموذج رفيع علي تلك الحالات الخاصة: شعره ضخّ حياة جديدة في المشهد الشعري العربي المعاصر، وروايته (14 عملاً، حتي هذا التاريخ) أحيت عالماً سردياً يكون فيه العجائبي مادّة كبري جبّارة لالتماس وإعادة إنشاء العالم الفعلي. الأهمّ من ذلك، وهذه ليست مفارقة البتة، أنّ بركات الكردي كتب بلغة عربية فصحي ــ حيّة، دافقة، بليغة، إعجازية، فاتنة، طليقة، بالغة الثراء والجسارة والجزالة ــ ولعب دوراً كبيراً كبيراً في تحديث قوامها التركيبي واستخداماتها البلاغية ووظائفها الخطابية، الأمر الذي يغني عن القول إنه بات بؤرة استقطاب ومعيار قياس ونموذج تأثير… الأمر الذي يغني، أيضاً، عن الجزم بأنّ سليم بركات ـ الآن إذ تصدر هذه الأعمال الشعرية وتضمّ 11 مجموعة شعرية ـ وراء تأسيس أسلوبية جديدة في الشعر كما في الرواية، وأنّ من الطبيعي أن ننتظر منه المزيد. إشارات:(1) Kostis Palamas, The Twelve Lays of the Gipsy. Trans. George Thomson, London 1969. P. 107(2) سليم بركات: الديوان، دار التنوير، بيروت 1992. ص 35 ـ 36. محمود درويش:

كلمة الغلاف الأخيرمنذ غزا سليم بركات المشهد الشعري العربي في أوائل السبعينات، بشّرنا بشعر جديد مختلف. لم يشبه أحداً، وسرعان ما صار هذا الفتي الكردي الخجول أباً شعرياً لأكثر من شاعر عربي فتنتهم صُوَره الغريبة، ولغته الطازجة، وإيقاعه الشلاّل. ليست اللغة وسيلة للتعبير. إنها الوسيلة والغاية… يسوسها كما يسوس قطيعاً من ذئاب مروّضة، إلي مجهول في متناول الموهبة، وتسوسه إلي البحث الفاتن عن معني مستتر وراء اللامعني، أو عن عبث اللامعني في المعني. لكنّ الشعر يتدفق دائماً هناك: في ما يفعل باللغة وفي اللغة، وفي الجماع بين الحسّي والذهني، وفي إفلات خياله الجامح من المألوف والمتوقع إلي المفاجيء المدهش!.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية