أزمة الحركة القومية: المنطقة المجهولة

حجم الخط
0

أزمة الحركة القومية: المنطقة المجهولة

عبد العزيز حسين الصاويأزمة الحركة القومية: المنطقة المجهولةخلال الفترة من 14 اذار (مارس) الي نيسان (ابريل) 1963 عقدت سلسلة من الاجتماعات في القاهرة بين ممثلين للعراق وسورية ومصر لاقامة وحدة ثلاثية الاطراف كانت في حقيقة الامر محادثات بين الناصرية وحزب البعث العربي الاشتراكي، اذ كان الاخير يحكم العراق منفردا بعد اسقاط نظام عبد الكريم قاسم في 8/3/1963 ويستأثر بنصيب كبير من السلطة السورية اثر اسقاط نظام الانفصال بعد ذلك بشهر واحد. وعلي اهمية المحاضر المطبوعة لهذه المحادثات في دراسة معضلات تطور الحركة القومية باعتبار البعث والناصرية قطبيها الرئيسيين، فان بحثا تفصيليا حولها يتوصل الي انها ظلت بعيدة عن خدمة هذا الغرض ليس فقط لانها لم تدرس من قبل بل لانها خضعت عند نشرها في حزيران (يونيو) وتموز (يوليو) من نفس العام لمعالجات دعائية سياسيا غطت علي حقيقة دورها في هذا الصدد بدلا من ان تساعد علي استكشافه. فقد جري التركيز علي مقاطع (المحاضر) ومعانيها التي تخدم التوجة العام لهذه النوعية من المعالجات كما حدده الطرف الناصري المتفوق في الوزن التاثيري العام، بينما كان ضعف ردود الفعل البعثية عموما وخلوها من ما ينقل الاهتمام بالوثيقة الي مجال النظر التحليلي خاصة، مساهمة اكيدة في سيادة النمط الدعائي للمعالجات. بذلك انتفت امكانية دراسة الوثيقه في شموليتها واعتصار دلالاتها الهامة بالنسبة لاسلوب تفكير البعث والناصرية وانعكاسه علي حركتهما السياسية وعلي مجموع الحركة السياسية العربية بمختلف مشاربها وعلي المرحلة بأكملها . وبالاضافة الي ما يكشف عنه البحث ايضا من وجود تحويرات عمدية وغير عمدية في وثيقة محاضر مباحثات الوحدة الثلاثية التي كان الطرف الناصري قد تولي اعدادها ونشرها، فانه شخص عوامل اخري خاصة بالطرفين والحقبة الزمنية التي ولدت فيها الوثيقه تضعف من قيمتها كتسجيل لحوار بينهما. (ہ)في نطاق المناقشة الممكنة والمطلوبة دوما حول تقييم مسيرة الحركة القومية تعتبر معالجة الموضوع من الزاوية التي تشير اليها الاستخلاصات المستمدة من دراسة محاضر المباحثات الثلاثية، وهي انعدام الحوار حوله داخل الصف القومي السياسي والحركي نفسه، المدخل الأهم لتحسس مصادر أزمة تطور التيار القومي عند منبعها. فالمعاملة المتراوحة بين التشويه والاهمال التي لقيتها هذه الوثيقة ليست سوي عرض لظاهرة انغلاق مزمن لدي اطراف الحركة القومية كل علي تجربته ازاء الاطراف الاخري بينما شكل التفاعل بينها شرطا لا غني عنه لشحذ طاقتها التجددية في مواجهة المهمات والحقائق الجديدة التي طرحها الواقع المتغير بوتائر عالية حينذاك علي كافة التيارات السياسية.. لا سيما ان وحدة مجال نشاط تلك الاطراف كان معناه حلول العداء الساخن والبارد، والعقيم في الحالتين، مكان انعدام التحاور التطويري حتي لو كشف عن خلافات بينهما.لقد كان طبيعيا بعد مرحلة المد القومي الجماهيري الحافل بالمواجهات مع الاستعمار البريطاني والفرنسي القديم والاشكال الامريكية البديلة ومع الانظمة والقوي الاجتماعية والسياسية التقليدية، ان تبرز اهمية استيفاء شروط فكرية وحركية متطورة في البنية الداخلية للحركات القومية وعلاقاتها ببعضها البعض لكي يتسني لها تأمين دور قيادي في مرحلة انجاز الشق الايجابي لمشروع النهوض العربي المعاصر ايضا. وهو الشق الاكثر تعقيدا ويتطلب بطبيعته هذه قدرة علي استشراف المستقبل لمخاطبة الاجيال الطالعة وعلي كسب ولاء طوعي ودائم من الجماهير بالانتقال الي وضع الديمقراطية المؤسسية. وبالرغم من ان المعول الرئيسي لتحقيق هذه الشروط هو علي قابلية التطور الذاتي لدي القيادات القومية المعنية ومدي صلاحية منهجها الفكري لتحليل الظواهر المستجدة، فان هناك عنصرا اضافيا رئيسيا في هذا الصدد يرتبط بخصوصيات الحركة السياسية القومية العربية يتعلق بقدرة اطرافها علي الاستفادة المتبادلة من خبراتها النظرية والعملية بدرجة اعلي كثيرا من الحركات القطرية المدي. فالطابع القومي المدي لاطراف هذه الحركة في وعي قياداتها الذاتي ينحسر فعليا الي ممارسات قطرية لاشعوريه، وذات سلبيات خطيرة استثناء لهذا السبب، عندما تنتقل من طور التبشير العام الي طور المسؤولية السياسية عن مواجهة قضايا محددة امام الراي العام وفي اطار التنافس مع الحركات السياسية الاخري دون ان يرتبط هذا الانتقال بتعمق مواز في المنظور القومي يشترط اكتساب حساسية عالية تجاه التباين في الطبوغرافيا السياسية والاجتماعية والاقتصادية للاقطار العربية المختلفة. وهذا مستحيل دون تطوير الية لامتزاج الصياغات الفكرية القومية المختلفة نسبيا باختلاف بيئة نشوئها القطريه والاقاليمية، تفترض وتستتبع ارتقاء بالعلاقات بين مصادرها الي مستوي الحركة الواحدة المركبة البنية بحيث تعكس في آن واحد القناعة بوحدة المجتمع العربي القومية ومصيره الوحدوي، والمميزات القطرية الموضوعية الموروثة والمكتسبة.لقد كانت وحدة مصر وسورية عام 1958 ثم انفراطها نموذجا كلاسيكيا في هذا الخصوص. فالحامل الرئيسي لمشروع الوحدة تعبئة وتحقيقا كان تحالف بين الناصرية والبعث يقوم علي منطلقات فكرية اساسية واحدة ولكن من موقعين تاريخيين مختلفين بقدر اختلاف ظروف مصر وسورية. وعندما اصبحت الوحدة مشروعا قيد التطبيق برزت ـ اكثر من اي وقت مضي ـ الحاجة الي تجديد اسس هذا التحالف وتعميقها باستيعاب تاثير اختلاف بيئة النشوء علي عقلية الطرفين واساليب عملهما السياسي ضمن رؤية مشتركة اكثر تطورا مرتكزها تحديد العلاقة السليمة بين القطري و القومي . ويعود انفراط الوحدة الي التضاؤل المتزايد في مقدرة الفريقين علي توقع هذه اللحظة والاستجابة لضروراتها ترتب عليه بصورة حتميه الانحلال التدريجي للتحالف الي صراعات تحتية ثم علنية متزايدة القوه تعكس في حقيقة الامر البون المتسع تدريجيا بين التقييم الذاتي لدي القيادات لمدي توفر مقومات المشروعية القومية في تكوينهما بجوانبه المختلفة، ودرجة التوفر الفعلية لهذه المقومات بمقاييس المرحلة الجديدة. فقد ادي عدم التنبه لجوهر المعضلة علي هذا النحو الي الحؤول دون تلمس القيادات البعثية والناصرية لحقيقة القصور الاساسي المشترك بينهما ومجاله، منغلقة بذلك في تقييمات ذاتية تعتبر الآخر اقل قومية وجدارة بقيادة التجربة ومن ثم ايجاد مبرر انقاذي في العقل الباطن والواعي للاستمرار بالصراع. كما ادي عدم التنبه، من جهة اخري، الي تركيز العقل القومي ثم الدارسين القوميين وغير القوميين، علي البحث عن قصورات التجربة في مجالات ثانوية الاهمية لان المدخل الرئيسي لتصحيح مسارها بعيدا عن الانهيار كان رفع درجة تاهيل قيادة التجربة بشقيها من خلال التفاعل الحواري حول انضاج قومية رؤيتهما الفكرية بالتغذية المتبادلة وما يترتب علي ذلك من التقارب المضطرد بينهما علي كافة المستويات. وهو امر كان قمينا ايضا بتعزيز امكانية انفتاحهما الديمقراطي علي التيارات الاخري عن طريق تنمية قابلياتهما الحوارية عموما وتعظيم ثقتهما بالنفس بما يخفف الميل لاعتماد الوسائل القسرية في حماية التجربة الوليدة.علي اهمية الفهم المستنير للمصلحة القطرية كاسلوب للتداخل الوحدوي، كما يقدمه النموذج الاوروبي عبر تباين الشخصيات القومية، فان الامكانية الوحدوية الكامنة في صلب العلاقة القومية بين العرب، ممثلة في سهولة التواصل الذهني والشعوري بناء علي وحدة اللغة والثقافة ونداءات التاريخ العميقة، تبقي مفتوحة كخيار عربي في الظروف الملائمة.. خيار لا يستبعد الاسلوب الاخر كعنصر تكميلي او ترشيدي او حتي كبديل في ظروف اخري مثل السائدة حاليا. من هنا فان تجربة الوحدة المصرية ـ السورية تظل ذات راهنية حاضرة ومستقبلية تستند الي انها كانت التجسيد الاوضح للطاقة الوحدوية في التكوين القومي العربي، ولكن في حالتها الخام غير المرشدة ديمقراطيا بسبب عجز العلاقة الناصرية ـ البعثيه عن تحمل مسؤولية تطويرها. وتعتمد اقامة نموذج وحدوي افضل علي النجاح في صقل الوحدوية العربية الخام بالاستفادة من دروس التجارب العربية وغير العربية خلال الفترة المنصرمة منذ سقوط التجربة الاولي من هذا النوع. وفيما يتعلق بدور الحركة القومية السياسية بالذات فان ذلك رهين بزيارة جديدة مطولة وعميقه لتاريخ العلاقة الناصرية ـ البعثيه ترتاد منطقتها التي لم يزرها احد من قبل بما في ذلك الطرفان المعنيان وهي منطقة انعدام الحوار بين ـ القومي.ہ كتاب مراجعات نقدية للحركة القومية: عودة جديدة من السودان الي موضوع قديم دار الطليعة، بيروتہ كاتب سوداني8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية