قراءة في العدوان على غزة

حجم الخط
3

كشف العدوان الاسرائيلي الحالي على قطاع غزة اموراً كثيرة يمكن اعتبارها تجديداً جوهرياً في مسيرة تاريخ هذه المنطقة ، من هذه الأمور نذكر :-
– بعد هذا العدوان والاعتداءات التي سبقته بات مستحيلاً هزيمة مقاومة وطنية شعبية تعاني من الاستبداد والاحتلال ، فأمريكا بكل جبروتها فشلت بالقضاء على المقاومة الوطنية في فيتنام والعراق ، ولا زال جرح تداعيات هزائمها ينزف حتى اليوم ، هذا ما فعله الشعب الجزائري عندما صمم على كنس الاحتلال الفرنسي ، كان هذا أيضاً حال بريطانيا في جنوب اليمن والبرتغال في انغولا والأمثلة كثيرة .
رغم هذا التاريخ الحافل لجميع فصائل المقاومة لكن اسرائيل لم نأخذ العبر من هذا التاريخ ، لأن عنصرية قادتها مرتبطة بجشعها المادي واوهام توراتية لم يعد احد يذكرها سوى قادتها ، فالاحتلال بالنسبة لها قدراً سماوياً ومردوداً اقتصادياً لا حدود له .
كشف هذا العدوان أن المقاومة في قطاع غزة التي تتكون من سبعة عشر فصيلاً قفزت قفزات نوعية وكمية مما كانت عليه في الماضي القريب ، فمن بقايا الأسلحة التي تركها جيش التحرير الفلسطيني قبل حرب 1967 وما تركة الجيش المصري ، الى صناعة قذائف القسام البدائية التي كانت ترتد في كثير من الحالات على من يطلقها ، الى تحويل قطاع غزة الى قلعة صامدة معقدة مليئة بترسانة من الاسلحة الى قوة صاروخية اذهلت السلطات الاسرائيلية والانظمة العربية قبلها ، ومنها الى الاسلحة الالكترونية بتسيير طائرات بدون طيار مزودة بالصواريخ .
– ما كشفته هذه الحرب ان حكومات حزب العمل والليكود المتلاحقة لم تلتزم بما قاله رئيس وزراء اسرائيل بن غوريون : بانه يتوجب على اسرائيل ان تخوض حرباً كل عشر سنوات مهما كانت تكلفتها ، لكن هذه المدة التي حددها بن غوريون لم تعد تشبع غرائز وشغف مصاصي الدماء وهواة قتل اكبر عدد من العرب عامة والفلسطينيين خاصة .
نذكر بأنه منذ سنة الفين حتى اليوم قامت اسرائيل بخمس حروب متلاحقة قتلت خلالها آلاف اللبنانيين والفلسطينيين آخرها العدوان الأخير ، ما يميز هذا العدوان حالة التخبط والادعاءات الكاذبة وخداع المواطنين والعالم بمصداقية عدوانها ، فالقيادة العسكرية والسياسية تتخبطان تخبط الناقة العشواء ، لولا ذلك لما اعتبروا مساكن المواطنين العزل والمساجد والمركبات والدراجات الهوائية وبعض الحيوانات اهدافاً عسكرية ، لقد اعدموا اسراً كاملة من الاطفال والنساء، لم يميزوا بين الطفل والمقاوم ، من العائلات التي اعدم غالبية افرادها نذكر عائلة كوارع والبطش ، عدا عن المجازر مثل مجزرة صلاة التراويح حيث قتل داخل الجامع 18 مصلي ، مجزرة المونديال حيث قتل في مقهى 12 شابًا كانوا يشاهدون مباريات كأس العالم .
– الأمر الآخر الذي كشفه هذا العدوان بأن غالبية الشعوب العربية مع انظمتها ما هم سوى ظاهرة صوتية ، وبأن ما سمي بالربيع العربي لم يوقظهم ، ولم يعمق من انتمائهم لقضايا وهموم شعوبهم ، كما ان هذا الربيع ادى الى تراجع بدعم القضية الفلسطينية ، وأكد بأن الجامعة العربية التي فرطت بفلسطين لم تتردد بالتفريط في العراق وفي ليبيا وفي لبنان وفي سوريا ، وهل يهمها تدمير غزة ؟
أكد هذا العدوان أن الربيع العربي لم يحرر غالبية الأنظمة العربية وقطاعاً كبيراً من شعوبها من بيت الطاعة الامريكي ، كما ان هذا الربيع وثق العلاقات اكثر مع اسرائيل وغالبية الانظمة العربية باستثناء سوريا المقاومة ، زاد هذا العدوان من تعرية مصر في عهدها الجديد بقيادة السيسي ، فبقيت مصر الوسيط وليست مصر الشريك في الدفاع عن قضايا الشعوب العربية وصد العدوان خاصة ضد الشعب الفلسطيني ، هذا العدوان كشف هذا الرجل وكشف فرعونيته وبأنه لا يملك أي مخطط يهدف الى اقامة مشروع قومي عربي ينهض بهذه الأمة ويحررها من التبعية السياسية والاقتصادية ثبت – حتى الآن – بأنه لا يستطيع التحرر من بيت الطاعة الامريكي ، لأنه تتلمذ عسكرياً وسياسياً داخل هذا البيت ، ان عداءه للاخوان المسلمين جعله يفقد اتزانه ويفقد البوصلة التي حصل عليها من شباب ثورتين متتاليتين في مصر ، ان فلسطين هي المقياس وهي ميزان العدل في المواقف الوطنية لكل زعيم عربي .
– الأمر الآخر الذي كشفه هذا العدوان هو تعرية سلطة عباس القابعة في رام الله أكثر ، وأكد بأن الصهيونية العربية اكثر شراً من الصهيونية اليهودية ، وكشف بأن المصالحة كانت لعبة قام بها عباس بمواقفة امريكية سعودية لنزع شوكة حماس ، خاصة من خلال هذا العدوان فيضطر الى الاستنجاد بالرئيس عباس عندها يدخل غزة الخاضعة المدمرة ، كما فعل عملاء امريكا في العراق مثل المالكي والشلبي والسيستاني والجعفري وغيرهم .
جاء هذا العدوان ليجد ان سلطة رام الله قد اختطفت منظمة التحرير بإموالها وصادرت القرار الفلسطيني ، كما انها ساهمت في خلق جيل فلسطيني داخل الضفة الغربية ومخيمات الشتات مشابهاً للأجيال التي صنعها السادات وخليفته مبارك والاجيال التي صنعها حكام الاردن في عمان ومثلهم في تونس والمغرب وغيرها من الاقطار العربية ، اجيالاً غارقة في التيه و الضياع والنسيان واليأس والاستسلام ، اين الاحتجاجات في ميدان التحرير في مصر ؟ اين هذه الاحتجاجات في مدن الضفة الغربية وريفها ؟ اين الاحتجاج في مخيمات الشتات في الاردن ولبنان وسوريا ؟
تميم منصور

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية