تحفر جرحاً سرياً في التلقي وتحضر فيها الشخصيات كغيوم تمطر ثم تمضي!
المخدوعون لأحمد المديني:تحفر جرحاً سرياً في التلقي وتحضر فيها الشخصيات كغيوم تمطر ثم تمضي!شعيب حليفي هل حان الوقت للحديث عن مرحلة روائية جديدة بالمغرب، هي امتداد وتطوير للمسار الروائي الحافل بجمالياته وتجاربه الجريئة؟ انها ملامح تتبدي في تشكل رؤية جمالية، مع نهايات القرن الماضي وبداياته المؤكدة، تؤسس لبلاغة متخيل اجتماعي وسياسي وذاتي، يقف علي أشكال قاسية من السخرية والانتقاد واللعب، ويعبر عن ذلك في سرود تتخذ من تفعيل المرايا وسيلة لتحريك شظايا الانتظارات المبددة وظلال القيم وقد صارت لوحة خراب معلقة.وقد شكلت نصوص محمد برادة (امرأة النسيان) و(أناقة) الميلودي شغموم و(المخدوعون) لأحمد المديني بالاضافة الي تجربة عز الدين التازي علامة هذا التحول وعنوان وملامحه الأولي والذي يمكن استشرافه من زوايا وبمقاربات أخري في ما يتراكم وما يتشكل في رصيد المتخيل المغربي.المرآة العاشرة يحقق أحمد المديني في ثلاث روايات سابقة (مدينة براقش 1998، العجب العجاب 1999، الهباء المنثور 2001) ما يشبه تشكل متخيل يقرأ بأكثر من صيغة ليعبر عن رؤية فصيحة في الرواية الأخيرة (المخدوعون) التي يحق عليها القول ما جاء علي لسان احدي شخصياته وهو يصف نفسه: (ولدت في نطاق الخيال وكبرت في محيط الذكري) ص 194، وهي أيضا امتداد في شكلين ومرحلتين:امتداد لنسيج المتخيل العنيف والانتقادي الذي اختطه أحمد المديني لنفسه عبر رصده للوعي الجمعي والذاتي واعادة تشكيلهما ضمن سياقات مفترضة تهفو الي الحقيقة، وسياقات حقيقية تتطلع الي الاحتمال.وامتداد أيضا لتجربته الروائية برصيدها المعرفي والفني وفي بحثه عن التجريب والمغامرة.ورواية (المخدوعون) تحقق لنفسها سمة النسب الي مرايا المتخيل المغربي والعربي من جهة، والي بروق أحمد المديني من جهة ثانية، مرايا مساحاتها (تضيء ولا تعكس، تتخيل ولا تقرر) ممتدة في أمكنة من أولاد حريز (القبيلة المجاورة بالضرورة لقبائل المزامزة المقدسة) والدار البيضاء وفاس الي باريس ونقط أخري هنا وهناك.انها مرايا تتخلق ملمح التجديد في الرؤية، وتبحث عن المخدوعين الذين يتركون في الرواية صدي البحث عن الخداع.ومنذ البداية تتأطر الرواية بتيماتها في باريس عبر البحث المتولع عن مرتكز للذات، وعن أفق للكرامة الانسانية، تقوده شخصيات تتقلب فوق جمر الهوي والنضال والغربة وخداع الحياة .يفتتح الروائي السرد بنشيد ثلاثي يلمح الي الوجدان المضطرب (ص 9) انه موسيقي الجنيريك التي ستؤطر التذكر داخل أمشاج الوسواس في طريق الوصول علي موعد غرائي، وحوارات مشدودة الي كلام يقف بين وضعين تأويليين، والراوي هنا ومنذ الفصل الأول، يفتح نافذة أساسية علي المتلقي حول الكتابة وخداعها: هل يتعذر علي الي هذا الحد أن أعثر علي البداية الضرورية لما أريد أو يخيل الي أني أعرف، هكذا نحن جميعا نحسب أننا نقبض علي الحقيقة، نملك أنفسنا أو نملك زمام العالم في قبضة اليد، أحياناً نزهو بعنجهية وبافراط في التفاؤل ، (ص 13)، ويتذكر في جملة بؤرية يفتتح بها الفصل الرابع ما يفسر علاقته بالكتابة والتلقي حينما يقول: أحس مؤقتا بأني حر في ما أروي، لا قاهر لي، دليلي ذاكرتي وما استبقيت من معايشاتي، ص 149 ليصل في الصفحات الأخيرة من الرواية الي فك رموز تلك العلاقة التي تكشف أن الكتابة هي وحدها وربما من بين وسائل نادرة ـ القادرة علي فضح الخداع والأوهام وتحقيق شكل جديد من المعرفة بالذات وبالآخرين وبالحياة، فالحقيقة في الرواية هي المتخيل، والمخدوعون شخصيات في مرايا هذا التخييل الذي كان أوله نطفة من طين وطن أحمد المديني، والذي يعترف: أنا لا أفهم كيف يتكلف شخص ـ يلقبونه السارد ـ وأنا شخص حقيقي، لا متوهم، ولا كائن من ورق، برواية قصة كاملة عن أفراد عاش معهم وتداخلت حياته بحياتهم (ص 239).وقد تمكن أحمد المديني بأصواته وتمظهراتها داخل التخييل من ادخال المتلقي المفترض في لعبة السرد والقلق والبحث والتناوب في الحكي، وذلك للوصول الي دائرة تتوسع باستمرار، بداخلها رواة وثوار تعصف بهم رياح ويعصفون بالأفكار والقيم.من خدع أحمد المديني؟حركة أخري تخوضها الرواية ابتداء من الفصل الثاني حيث تترسم المرآة التي ستعكس حركات المخدوعين، فالسارد يعطي الكلمة ـ في تناوب واضح ـ للشخصية هاء، الطالبة اللبنانية لتروي بدورها فصولا هامة وأساسية من المتاهة والورطة، ومحنتها بنفس مضطربة، والناتجة عما جري لغانم المغربي مع البوليس السياسي أولا ثم تخليه عنها باعتبارها جزءا من ماض سيتنكر له بفداحة، وما سببه لها من وسواس ومرض نفسي وورطة قادتها لاستئناف اللعبة من جديد في مرآة الخدعة (ص 59).ويصبح الحكي في سرود (هاء) فرصة للتخفيف من ضغوط الورطة، وأداة تطهيرية لشيء خلف آثارا لا تمحي. ولكن السارد، الذي يتخفي وراء كل شيء مثل لاعب متمرس، يتدخل بتعقيبات تعيد ترميم ما يلمع خادعا، بل يعيد تأويل الأحداث بتفصيلات متدثرة بالتأملات والغمزات التي تعري عن الخداع ستاراته وأحابيله المحمولة في سلوكيات جديدة: ثم ان الصدفة أكبر منا، فلا أحد منا يتحكم فيها، تعقد وتحل وحدها، ونحن في تمام يقظتنا أمامها، نظن أننا نقبض علي زمام الأمور، ونسير كما نشاء مصيرنا من أول الحبل والخيط الي نهايته، وحيث نتبين بأن الزمام فلت ننتفض مستغربين كيف سهونا، ولا ننتبه أن مصيرا آخر ما نمشي فيه، كالعميان نمشي ولا نتراجع (ص 45). مراوغات روائية كانت تمهيدا روائيا لتشكيل تيمة الخداع التي سيعلنها الراوي حينما يصف بعض المفكرين بالمتسلطين وبعض السياسيين بالوثنيين وما يستتبع ذلك من تذكرات ضمن مفاصل حكائية مكثفة، عامرة بالوجع، تتصادي بداخلها لغة سردية مثواثبة باحالات انتقادية في سياق جمالي يخلق الاحساس بالروائية من خلال عناصر تحضر في مجري النص كله حضورا لافتا متوترا:ـ تأثيث النص بالمعرفة من خلال حضور الفكر والمفكرين وآرائهم ومحاضراتهم فتتحول عدة صفحات الي قراءات نقدية لأفكار وتصورات كانت تعج بها باريس.وسيقدم الروائي علي ربط استحضاره للفكر والأدب بمصائر شخصياته، كما فعل في قصيدة زمن الكرز لجان بابتيست كليمون التي أوردها وعلق عليها وعلي حياة صاحبها حتي يصل الي ربط كل ذلك بحيوات عبد الرحيم المزابي ويوسف الذهبي (ص 155).ـ خاصية معرفية أخري طريفة وهي بناء الرواية فوق خريطة دقيقة النسيج، حية متفاعلة فكل الشخصيات مرتبطة بهذا النوع من الأمكنة من مرور بشارع أو زنقة أو هبوط الي المترو أو جلوس بالمقهي أو وصف وقد جاء بناء هذه الخريطة فنيا ومتلاحقا ولن يخفت الا في الفصل الأخير.ـ دينامية الشخصيات وتحولاتها في مرايا الزمن المغربي والمنفي الاختياري ثم الاختيارات الأخيرة، كما لو أنها شخصيات مدربة علي التفاوض مع الحياة، تغامر بماضيها من أجل فترة زمنية أخري ستصبح جزءا من الماضي أيضا، بدءا من غانم وهاء (هناء ـ هادية) والجيلالي المعتوق المخنوق (ص 143) وعبد الغني ثم شخصية عبد الرحيم المزابي الذي سيعوض حضوره في الرواية ابتداء من الصفحة 130 غياب غانم، وسيلعب دورا أساسيا في تفاعلات الأحداث الموالية وحكاية فراره من أحداث مولاي بوعزة، كما يرويها عبد الغني الحكاء الأثير في الرواية.شخصيات أخري ترمم الملامح العامة للمخدوعين مثل المخبراسكي بمفكرته الضائعة والتي شكلت رواية أخري، ومفصل حياة يوسف الذهبي ومجالاته الطويلة ثم انتحاره الفانتازي.هل يكتب أحمد المديني الرواية منذ عقود للبحث عن المحتمل في الحياة وفي القول الابداعي الذي يفضح الوهم؟ان رواية (المخدوعون) بالجمع المتعين وغير المتعين، تقف عند نقط حاضنة عبر تدرج سردي يصل بهاءه حين يتحقق التناوب السردي المنسجم لحكي الدواخل المشتتة بين المنفي وباريس ويعبر عن التقلص المستمر لأحلام الشهداء والمناضلين في لحظة دخول غانم الي مركز القرار تناوبا، بعد مفاوضات وتنازلات قدمها بخصوص تاريخه وحبيبته ورفاقه القدامي وعلي رأسهم عبد الغني.تتحول الرواية سرديا الي مسرح عاج، بستار شفاف يحقق مسري حكائيا يحتفظ برواء النص ودفقاته الشاعرية حينا والعنيفة حينا آخر في انتقاد للأقنعة التي تحجب وتدمر القيم وتستبدلها بأخري انتهازية لذلك كان موت الباهي وعودة عبد الغني أستاذا جامعيا يحمل رسالة من (هاء) واكتشاف المصير الخادع لغانم… مرآة أخري.وتكشف الصفحات الثلاث الأخيرة فداحة الخسارة والمحنة والخداع في حوار يختزل الخيبة، أثناء هبوطهما المفترض الي النفق حيث يتلو عليهما متشرد عابر حديث العشاء الأخير للسيد المسيح وهو يعلن النعي.الرواية بهذا تحفر جرحا سريا في التلقي الواعي وتحضر فيها الشخصيات مثل غيوم تمطر ثم تمضي وقد حقق أحمد المديني بهذه المجازفة العاشرة (الرواية العاشرة في مسيرته الابداعية) حلما آخر يري من خلاله الماضي والراهن موظفا بذلك شذرات بيوغرافية وغيرية.ہ ناقد من المغرب0