آلام الأرض والسماء في رواية «زهرة الجبال الصماء»

محمد الفهري
حجم الخط
1

تعد رواية «زهرة الجبال الصماء» العمل الخامس للروائي البشير الدامون بعد أربعة أعمال سابقة نالت إعجاب العديد من القراء. والعنوان الذي اختاره الكاتب لهذه الرواية ينبني على علاقة إسنادية بين مكونين هما (زهرة) و(الجبال الصماء)، على اعتبار أن المكون الدلالي الأول يبدو من خلال مظهره الخارجي، ينفتح على العنفوان والفتوة واللين والجمال والحياة، بينما يدل المكون الثاني، الذي أتى مقرونا بصفة (الصماء)، على الخشونة والبوار والهلاك والموت.
إذن هذا العنوان يقوم على تقابل حاد، ينكشف للقارئ ذلك لما يعلم أن اسم (زهرة) يرتبط بالشخصية المركزية في الرواية، التي ستضطلع – أيضا- بدور السارد. وهذا الأمر معهود في جميع كتابات الروائي البشير الدامون الذي عودنا – بشكل مطرد- على إسناد صوت السارد إلى الأنثى.
واختيار اسم (زهرة) داخل المحكي لم يكن اعتباطيا، بل جاء محمّلا بكثير من الدلالات التي أشرنا إلى بعض مؤشراتها سابقا، كما أنه يحمل دلالات أخرى استمدها الكاتب من التفكير الميثولوجي الذي يحمله أهالي المنطقة التي يتحدث عنها، بحيث يعتقدون أنه سوف تولد ذات يوم (زَهرة) ستغير وجه الجبال الصماء، لتتحول حيواتهم أثناء ظهورها إلى ما هو أفضل، وتنتفي مظاهر التعاسة والضياع والغلّ والقهر والشر، التي تطاردهم في حلهم وترحالهم، وينتشر بينهم الوئام والمحبة والسلام. ولعل اسم (زهرة) الذي اختاره المؤلف للبطلة هو معادل موضوعي لهذه النبتة/ البلسم، وتمثيل لبنية الانتظار، واستشراف – أيضا- لهذا الحلم المؤجل.
وتبرز الرواية المرأة بأنها الكائن الأكثر انسحاقا وتعرضا للقساوة والقهر وشظف العيش، والنموذج الممثل لذلك هو الفتاة زهرة، والأم، والعمة، ونعيمة، وحتى شامة وباقي النساء العاملات المشار إليهن داخل مسارات الحكي.
كما تبدو محكيات هذا العمل مستقاة من الواقع المرير الذي تعيشه البادية المغربية، بحيث تصور رواية البشير الدامون واقع التخلف والهشاشة الذي تعاني منه قرية في شمال المغرب، توجد على مقربة من مدينة سبتة، التي تتجلى كرمز للعنف والهمجية والفراغ والرتابة والفقر والضياع، عكس ما تصوره مجموعة من الروايات الأخرى. تشير الرواية في البداية إلى أن كحيلة وهو والد زهرة ظل يغني للجبال الصماء من خلال إحياء الحفلات، ونثر الفرح بين الناس بصوته ومزماره؛ لتليين صلابتها بدون جدوى، وسرعان ما سيختفي من مسرح الأحداث، بعد أن تعرض لمحاولة قتل من لدن العريبي، الرجل الشرس كما كان يلقب، إثر اكتشاف هذا الأخير قصة عشق بينه وبين أخته، ليغيب الاثنان في ظروف غامضة، ويذهب ضحية ذلك رجلان من أفراد جوقته، هما أحمد زخات الزمار وعبد السلام طبال الجوقة، كما ستصاب أخته بعاهة مستديمة خلال هذا الحدث، بحيث ستفقد بصرها. وهذا الحدث الدرامي سيوجه مسار الأحداث الأخرى المتعلقة بأفراد الأسرة، مما سيجعل ابنته زهرة بعد غياب أبيها تعتمد على نفسها، فتقوم بمجموعة من الأعمال مثل، الرعي، وجمع الحطب، والاشتغال في الحقول، والاشتغال داخل البيوت، وحصاد البردي…

تحاول الرواية تفسير اختلاف اللون بين البشر، من خلال حكاية الشيخ محجوب الذي دعا على أبنائه بسواد بشرتهم بعد اكتشافهم إياه عاريا وهو يستحم داخل البركة.

اعتمد الكاتب – أيضا- على الذاكرة التخيّلية المرتبطة بهذا الفضاء المهمّش، وكذا على الأساطير والخرافات العالقة بالمخيال الشعبي والذاكرة الجماعية لأهله وساكنته. وقد حاولت الرواية تجلية مجموعة من الأفكار الأسطورية التي ما زالت تعشش في ذاكرة أهالي القرية المغربية، فبالإضافة إلى الأسطورة السالفة الذكر نجد أسطورة تتعلق بالخلق البشري أو (لغز الإنسان)، وفي هذا السياق تحاول الرواية تفسير اختلاف اللون بين البشر، من خلال حكاية الشيخ محجوب الذي دعا على أبنائه بسواد بشرتهم بعد اكتشافهم إياه عاريا وهو يستحم داخل البركة، غير أنه سيصيبه الندم على ما صدر منه، ليقوم بنصحهم بالاستحمام في البركة المباركة لاستعادة بياضهم، ما عدا ولده الذي سيلقب بالكحيلة الذي كان قد وصل متأخرا، فلم يجد ماء كافيا، واكتفى بغسل يديه وفمه فقط، ولذلك سيصبح ذا بشرة سوداء وأيادي بيضاء. كما تصور الرواية من خلال مشاهد يمتزج فيها الأسطوري بالحقيقي والواقعي بالخيالي، والمدنس بالمقدس، الصراع الأبدي بين السماء والأرض، وكيف تعالج الأرض آلام السماء، مثلما تعالج السماء آلام الأرض. واختار للتمثيل على هذا الصـــــراع في الرواية الطيور التي تستمد سلطتها من السماء، والأفاعي التي تستمد سلطتها من قلب الأرض.
لقد كانت الحيات تنتقم من بني آدم وتمنعهم من جني أوراق البردي بالبركة التي كانوا يصنعون بها الحصر والمطارح وسقوف بيوتهم، وتفتك بكل من يقض مضجعها، بناء على وصية قديمة كما يحكى للفتك بالإنسان وإرعابه، لكن بحلول الشيخ حيون حفيد الشيخ الكامل القاهر للحيات في القرية مع أتباعه وفقرائه وسامعيه، يحضر الأهالي فرادى وجماعات لاستقباله والتبرك ببركته، وإهدائه الأراضي وما حوت من أبقار وماعز ودجاج وبيض، ويعم الأنس وينتشر الفرح، ويقل الحديث عن الرهبة من أفاعي البركة السوداء، بفضل أدعيته التي تجعلها في سبات مكين، وكان يشيع بينهم أن للطيور سلطة كبيرة على الحيات، على اعتبار أن كل ما يهديه الله من سمائه هو أسمى وأقدس مما يأتي من الأرض.
لكن هذه الطيور التي كانوا يترجون خيرها ستخونهم، وستتسبب هي الأخرى في آلام لا تقل شدّة عن آلام الأرض، بحيث ستزاحمهم في قوتهم، ولم يجدوا ما يأكلونه إثر هجوم الغربان وطيور الزرزور وطير بونقوب على محاصيلهم وأرزاقهم، ونهبها لحبوبهم ونقرها لحبات الخضر والفواكه، بل ستكون سببا في إصابتهم بمرض الطير الخطير الذي تتقرح من جرائه جلودهم، ولم يجدوا له من دواء سوى الأفاعي التي كانوا يرهبونها ويكرهونها، فبها سيعالجون ما تخلفه سموم الطيور على أجسادهم.
أمام هذا القهر الهابط من السماء والصاعد من الأرض، فإنه لم يبق من أمل أمام أسرة زهرة سوى الهجرة إلى عالم المدينة، فهو الخيط الوحيد الذي تشبثت به الأم منذ رحيل الزوج، عسى طفلتها زهرة التي حرمتها الجبال الصماء من الالتحاق بالكتاب لتعلم القراءة، أن تستطيع ولوج أبواب المدرسة، والبحث عن الأب الذي وصلت بعض الأصداء أنه مقيم في المدينة.
وتنتهي الرواية بوصف مشهدي للمدينة، تحكي فيه زهرة/ الساردة عن اقتراب وصولهم إلى مدينة تطوان فجرا، بحيث تقول: «أطللنا على البلدة الزرقاء، أضواء كثيفة كثيرة تبرق لامعة من بعيد. ظهر امتداد شاسع من مدى أسود لأول مرة كنت أرى البحر عن قرب، كان مدى من سواد، أذان الفجر يصلنا صداه من صومعة في البلدة، اطمأن قلبي».
وبهذه الخاتمة المفتوحة يصبح العبور إلى المدينة رمزا للمدنية والعدالة والكرامة، وحلما بغد أفضل يتخلص الفرد من عذاباته وشقاوته، ويحقق له الأمن والطمأنينة والسعادة.

٭ أكاديمي من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية