حالة الرئيس نجاد

حجم الخط
0

حالة الرئيس نجاد

عزت القمحاوي حالة الرئيس نجادكلما رأيــــت الرئيس الإيـــراني محمود أحمدي نجاد يقترب من منصة الاحتفال أتصوره واحداً من الحرس أو طاقم الخدمة جاء ليتأكد من صلاحية الميكروفون قبل أن يتجلي الرئيس الذي سيخطو باتجاه المنصـــة بعد قــــليل ليلقي خطابه. وفــــي كل مرة تتـــضاعف الدهشة لأن الحارس لا ينصرف؛ بل يبدأ في تحية الجمهور، ثم يواصل الحديث!ومهما تكرر المشهد لا أستطيع أن أمنع نفسي من هذا الخاطر علماً بأنني أجبرت مخيلتي منذ البداية علي التساهل مع الصورة، فليس بين حــــرس الرؤســــاء من يرتدي جاكتاً بهذا التواضع وكوفية ترشحه لوظيفة حمال علي شاحنة وليس حارس رئيس دولة، لكن المفاجأة أنه ليس الحمال وليس الحارس بل الرئيــــس نفسه الذي عمـــل من قبل أستاذا بالجامعة ومحافظا لمحافظتين بينهما العاصمة طهران! ولا أقصد من تشبيه نجاد بالحمال ذماً، بل علي العكس تماماً، فكل المهن محترمة والحمال الذي يحافظ علي كرامة مهنته أهم ألف مرة من رئيس لا يدرك مقتضيات المنصب الرفيع. نجاد؛ هذا الفقير الذي يبـــــدو سوء التغذية في وجهه وعلي بدنه رغم أنه لا يزال يضع قدماً في بستان الشباب صار شغل العالم اليوم بتصريحاته النارية ضد إسرائيل والغرب التي أثارت انزعاجاً هناك تردد صداه هنا في سراويل بعض ممن يحترفون دور الحكــماء في زمن عزت فيه الحكمة.نجـــاد ليــــس بالرجل البســـيط، وتصريحاته كلها منطقـــية ومعقولة، باستـــثناء التشكــــيك في المحــــــرقة؛ هذا الفخ الذي يقع فيه كثيرون، وكأنهم موكلون بالدفاع عن هتلر! إننا لم نرتكب شيئاً بحق اليهود فماذا يضيرنا أن تكون المحرقة وقعت أو لم تقع، وماذا يفيدنا إذا كان الضحايا ثلاثة ملايين بدلا من ستة؟!المحرقة علي العكس تفسر لنا سر تواطؤ أوروبا موجوعة الضمير وتبنيها للهجـــرة اليهــــودية إلي فلسطين، التي حسب تصريحات نجاد وحسب كل عقل وضمير لم تكن عدلاً أبداً. ما العدل في جلب روســــي أو فرنسي أو صربي ليقيم علي أرض فلسطين لأنه يــــهودي بينما يحرم خمسة ملايين من مسيحيي ومسلمي فلسطين مـــن بيوتهم ووطنهم ويعيشون علي الهامش غير مرحــــب بهم في أوطان الآخرين؟لم يقل نجاد أنه يريد أن يبيد اليهود مثلما فعل هتلر. ولكنه ناقش حقائق عنصرية الدولة العبرية، وظلم الغرب الذي سدد دينه الإنساني لليهود من جيب شعب آخر. لماذا تصبح مطالبة أوروبا بتحمل مسؤوليتها تجاه ضحاياها معاداة للسامية؟!ولماذا يكون استمرار جلب اليهود من مختلف دول العالم لتوطينهم في أرض فلسطين عملاً مشروعاً بينما يكون حديث نجاد عن الحركة في وجهة معاكسة لإعادة ترحيل اليهود إلي البلاد التي جاءوا منها أو إقامة دولة لهم في الغرب الذي أجرم بحقهم غير مشروع؟ الرجل لم يطلب إلقاء اليهود في البحر أو تدمير دولتهم، وإنما يناقش بنية دولة عنصرية دينية يساندها الغرب العلماني الذي اعتبر جميع أشكال العنصرية عاراً ينبغي محوه، ويستثني من ذلك إسرائيل. وكان الغرب فخوراً بمشاركته في تفكيك بنية بريتوريا العنصرية. وكان فخوراً بتفكيك دول المعسكر الإشتراكي الذي ضم عديدا من الدول الكبري التي قامت بقرار مثل الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا، كما تم تغيير نظم الحكم في البلدان الأخري، وأعيد الشطر الشرقي إلي الالتحاق بالشطر الغربي من ألمانيا التي تغيرت جغرافيتها عدة مرات في العصر الحديث. لم تكن للجغرافيا في عرف الغرب القداسة التي يسبغها علي دولة أقيمت غيلة وغدراً. ولم يكن الإلغاء لدول عاشت أطول من عمر إسرائيل بعرف المجتمع الدولي عملاً إجرامياً أو جنونياً. علماً بأن اختفاء الدول الاتحادية بتفككها ترتب عليه نزوح أعداد كبيرة من السكان، كان لا بد أن يعودوا إلي بلدانهم الأصلية التي صارت مستقلة، رغم أنهم ولدوا في أماكن أخري من دولة الاتحاد. العالم كله يعرف هذا، ويعرف أن الغرب بقيادة أمريكا أقدم علي احتلال العراق لمجرد أن رئيسها غير ديمقراطي (هم من يقول ذلك وليس نحن) ولكن الغرب ذاته لا يريد أن يقول أف أو ينهر إسرائيل علي ممارستها الإرهاب ضد أصحاب الأرض. وليس بين الحكام العرب اليوم من يقدر علي مد عينه أبعد من وحل فساده، وحده محمود أحمدي نجاد ـ الذي لا يملك من أرض إيران سوي مئة وسبعين متراً هي مساحة شقته ـ يستطيع أن يفعل ذلك. نجاد الأستاذ الجامعي لا تنبع غرابة تصريحاته من طبيعتها الذاتية، بل من طبيعة زمنها، ليبقي في كوفيته البسيطة أشبه بدون كيشوت الذي أراد أن يحيي تقاليد الفروسية في غير زمانها.0

mostread1000001

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية