الباحث وائل غالي ينفق ست سنوات في قراءة مشروعه تاريخ العلوم العربية
رشدي راشد الكاتب الذي لا تعرفه مصر:الباحث وائل غالي ينفق ست سنوات في قراءة مشروعه تاريخ العلوم العربية القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: لاشك أن ما فعله الدكتور وائل غالي بكتابه تاريخ العلوم العربية وتحديث تاريخ العلوم اعادة اعتبار لقيمتين أساسيتين في حياتنا أولهما قيمة العلم والعقل معا وسط ضجيج وصخب الدولة العربية شبه الفاشية التي تشهد أزمتها تراكما بالغا ربما يفضي في النهاية الي عودتها لكهوف التاريخ، وثانيهما اعادة الاعتبار للدكتور رشدي راشد أستاذ تاريخ العلوم بأكبر جامعات العالم حيث كرس غالي كتابه للكشف عن القيمة الأكبر لهذا المشروع الذي بدأه راشد منذ عام 1956 وهو المشروع الذي استمر يعمل به حتي الآن والذي انتهي باصدار موسوعته الكبري في تاريخ العلوم العربية.ويبدو الجهد الكبير الذي بذله غالي في سفره الهائل 737 صفحة من القطع الكبير غريبا علي حقله المعرفي الذي يشتغل علي تجليات الفلسفي في منظومة الوعي العام كما تشير مؤلفاته المتعددة. غير أنه يعلن التصدي بجرأة لهذا الموضوع الشائك والخطير لينفق ست سنوات من عمره في انجاز هذا المؤلف، الذي يجب أن يلقي احتفاء أكبر بكثير من التجاهل الذي قوبل به.أما رشدي راشد فسوف يظهر استعراضنا للكتاب أنه تم تكريمه في العالم كله عدا بلده مصر، فهي الوحيدة ـ تقريبا ـ التي لا تعرف عنه شيئا حتي الآن.ويعتبر غالي واحدا من دارسي فلسفة العلوم وتاريخها، ويفتتح كتابه باسداء الشكر الخاص لأستاذيه الفرنسيين المعاصرين موريس كافلان وموريس بودو حيث تعلم عليهما في النصف الثاني من عقد الثمانينيات من القرن الماضي في جامعة باريس 4 السوربون، وذلك الي جانب الأستاذين لوليافر ودوما.أما عن رشدي راشد المولود عام 1936 حسبما يقول المؤلف فهو رياضي مصري وفيلسوف ومؤرخ ومؤسس استراتيجية جديدة في التأريخ للعلوم بعامة، والعلوم العربية بخاصة، وهو مقيم في باريس منذ العام 1956 ويعمل أستاذا بجامعة دوني ديدرو وباريس 7 وعدد من جامعات العالم.يشير غالي أيضا الي أن رشدي راشد بدأ سيرته الفكرية في دراسة تاريخ الرياضيات العربية وفلسفتها وقد انطلق من الرياضيات التطبيقية، أي من ذلك الفرع الذي ينهض علي كيفية تطبيق الرياضيات علي الظواهر وعلي العلوم الاجتماعية.ويشير المؤلف الي أن نظرية الاحتمالات لدي رشدي راشد حلت مشكلات تطبيق الرياضيات في العلوم الاجتماعية، ويشير أيضا الي أنه خصص فصلا كاملا في كتابه لنظري الاحتمالات وحسابها.أما أهم ما يثيره المؤلف هو انطلاق رشدي راشد من الرياضيات المعاصرة ليكشف في الرياضيات الكلاسيكية عن التكوين العربي المتقدم للحداثة الغربية العلمية، ويقول غالي هنا: قبل أن يحكم رشدي راشد علي ماضي الرياضيات العربية تاريخا وفلسفة، كان رياضيا راهنيا، وكان علي بينة من أمر العلوم الرياضية التي يتصدي لتاريخها وفلسفتها . ويضيف غالي: من هذه الجهة نقدر أن نقول أنه أسس لتاريخ الرياضيات العربية وفلسفتها، ضمن علاقة وثيقة بواقع العلم الراهن . ويبرر غالي ذلك بأنه في مجال العلوم يجيء الراهن ليلقي الضوء علي الماضي، لذا فهو يرتد الي ماضي الرياضيات من أجل الحكم علي هذا الماضي في ضوء الراهن .ينتقل غالي بعد ذلك الي استعراض نظرية الاحتمالات التي انشغل بها رشدي راشد من أعوام 1956 حتي عام 1975، وذلك قبل أن يعيد كتابة تاريخ الرياضيات العربية الكلاسيكية وفلسفتها. ويقول غالي هنا عن راشد: انه حين ولج باب تاريخ الرياضيات وفلسفتها كشف عن التطبيقات العربية وتعبيرها عن التطبيق المتبادل بين العلوم الرياضية الذي ساد الانتاج الرياضي العربي في القرن التاسع الميلادي وعلي مدار القرون السبعة اللاحقة. ويقول غالي ان علم الجبر لعب الدور الرئيسي في اعادة بناء العلوم الرياضية العربية.وحول اعادة كتابة تاريخ العلم يأسف غالي علي غياب الحلقة العربية في البحث في مشكلات الانتقال من عالم تصوري الي عالم تصوري حديث مثل مشكلات تاريخ العلم العربي الحديث، ويرصد حدوث تراجع في البحث الدولي في تاريخ العلوم العربي وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية بدعوي أن هناك غيابا سابقا في العلوم العربية لهيكل المؤسسات العلمية التي كان المفروض أن ترعي العلم وتصونه.ويشير المؤلف الي أن كتابه استغرق ستة أعوام في انجازه بين أعوام 1998 وحتي عام 2003 وذلك اثر اهتمامه بفكرة اللامتناهي اليوناني القديم واللامتناهي العربي القديم، ويشير الي الفضل المهم الذي قدمه له راشد باهدائه موسوعته العملاقة ـ حسب وصفه ـ عن تاريخ الرياضيات التحليلية العربية بين القرن الثالث والقرن الخامس.ويشير غالي الي أن الموسوعة تكشف التأريخ لحساب الصغائر بين القرن التاسع والحادي عشر الميلاديين، وبخاصة التأريخ لأعمال الحسن بن الهيثم، ويشير غالي الي تناول رشدي راشد ما كتب باللغة العربية في هذا الميدان بداية من القرن التاسع حتي ابن الهيثم ثم شراحه بالاضافة طبعا الي مؤلفاته ومؤلفات عصره.وكان قد نشر غالي مقالين بجريدة الأهرام و القدس العربي بين عامي 2000/2001 عن الرياضيات التحليلية العربية وهو ما لفت نظر الكثيرين الي المنجز المهم لرشدي راشد فكان الدفع في طريق انجاز هذا الكتاب.والمؤلف نفسه يتعجب من وجوده في منطقة تاريخ العلوم العربية لأنه صاحب اتجاه فكري أبعد قليلا ويبدو ذلك من استعراض لبعض مؤلفاته مثل معرفية النص، ابن رشد في مصر، العقل الديني، الخميني وماركس جبنا الي جنب لكنه كما يقول بات متورطا في حقل الاستدلال العلمي، لكنه لا يري مانعا من التصدي ويقول: ما المانع في ذلك؟ فان كنا لا نفكر ضد أنفسنا، فلن نعرف كيف نفكر ضد الآخر، لن نعرف كذلك وكيف نكتب، وما نكتبه ان كتبنا، لن يكون له معني؟ ويري غالي أن ذلك تعدد ضروري بين الخيال والعلم.ويشير غالي بوضوح الي أن اسهام رشدي راشد تركز علي الشك في الكلام السائد الذي يقال في البحث في المشكلات الجوهرية التي تتعلق بالانتقال من عالم تصوري وسيط الي عالم تصوري حديث مثل مشكلات تاريخ العلم الغربي الكلاسيكي والحديث، وذلك بحثا عن يقين آخر، عن تقسيم آخر لتاريخ العلوم بعامة. ويضيف غالي بقوله: ان المسألة الجوهرية تتلخص في تحديد موقع الحركة التي ادت الي نشأة العلم الجديد الغربي الكلاسيكي الحديث والكلام السائد الذي يقال في البحث في هذه المسألة ينتهي اله تسمية اسم اسحق نيوتن وتعيين نظريته التجديدية في الحركة وتحديد رؤيته المغايرة للعالم وكذلك الكلام السائد الذي يقال في البحث في هذه المسألة أيضا هو أن التعديل العلمي تم فيما بين آخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر ، ويؤكد غالي أنه قبل هذا التاريخ لم يوجد سوي مبادرات فردية أما البداية الحقيقية التي يراها حاسمة للعلم الحديث فترجع الي عام 1543 وهو العام الذي صدر فيه كتاب نقولا كوبرنيكس عن دوران الأفلاك السماوية.ويري غالي أن رشدي راشد يعيد كتابة تاريخ العلم ليس باعتباره مجرد منظومة من القضايا والنتائج وليس باعتباره أيضا مجرد مجال للصراعات الاجتماعية، ولكن باعتباره محددا ومحتوي ومضمونا لتاريخ الجبر وفلسفته، والنظرية الكلاسيكية في الأعداد، والمناظر الهندسية والمناظر الفيزيائية والبنايات الهندسية والرياضيات التحليلية وتطبيق الرياضيات في العلوم الاجتماعية والانسانية.ويقول غالي ان راشد يستعيد بصورة أساسية المبادرات العلمية الأولي التي بفضلها استطاع العرب لا ان يفتحوا الطريق لعلوم الرياضيات وفلسفتها الحديثة وحسب بل أن يرسوا أسس الرياضيات الكلاسيكية وفلسفتها نفسها، وينقل غالي عن تقرير للمركز القومي الفرنسي للبحث العلمي عام 1996 اشارته الي التطور المهم الذي طرأ علي ميدان البحث في تاريخ الرياضيات غير الغربية وأيضا الي ميدان البحث في تطبيق الرياضيات في ميدان العلوم الاجتماعية والانسانية وهما الميدانان الأساسيان اللذان عمل فيهما رشدي راشد منذ عقد الخمسينيات، ويذكر لمؤلف أن رشدي راشد أدار الأبحاث الاستثنائية بالمركز القومي للبحث العلمي بباريس، ويقول هنا: وكما انتقل رشدي راشد من الفلسفة الي الرياضيات انحسر الأدب واللغات القديمة والفن والثقافة بوجه عام، وتحولت الفلسفة المعاصرة من داخل وكفت عن ممارسة دورها بوصفها نظرية عامة في المعرفة الذاتية وبنياتها العميقة، واقتصرت علي التفكير في العلوم بوصفها تحمل المعرفة الصحيحة الوحيدة . ويضيف غالي: ان الفلسفة صارت ابستمولوجيا أو تاريخا للعلوم .وفضلا عن كون رشدي راشد شخصية مرموقة في المجامع العلمية العالمية فان غالي يذكر أنه بالاضافة الي كونه أستاذا في أهم جامعات العالم فهو نائب رئيس الأكاديمية العالمية لتاريخ العلوم منذ عام 1997 وترأس تحرير المجلد الخاص بتاريخ العلوم العربية في موسوعة تاريخ العلوم العالمية في ايطاليا عام 2002، وهو رئيس تحرير مجلة العلوم العربية والفلسفة منذ أكثر من عشر سنوات وهي مجلة تصدر عن جامعة كمبردج بالمملكة المتحدة وقد فاز بالجائزة البرونزية من المركز القومي للبحث العلمي بباريس بفرنسا عن كتابه الرائد عن ديوفنطس الاسكندراني في علم العدد وقد منحه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران عام 1989 وسام الاستحقاق من طبقة فارس ومنحته الأكاديمية العالمية لتاريخ العلوم عام 1990 جائزة ألكسندر تويريه عن مجموع أعماله، ويذكر المؤلف هنا أن ألكسندر تويريه هو صاحب الكتاب المرجعي الثورة الفلكية وهذه الجائزة هي أعلي جائزة عالمية في تاريخ العلوم تمنحها الأكاديمية كل أربع سنوات، وقد منحته ايران أعلي جوائزها عام 1998 عن احسن كتاب بحثي في الدراسات الاسلامية عن موسوعته تاريخ العلوم العربية ومن الأشياء المهمة في مقدمة هذه الموقفة التي توقفها غالي أمام جيل رشدي راشد المرتبط بالحلم المتصاعد مع ثورة يوليو بالاستقلال والديمقراطية التي اسفرت في النهاية عن نظم شبه فاشية علي طول وعرض العالم لعربي.يقول غالي: مضت هذه الأحلام في خط سيرها جبنا الي جنب مع حلم الأصولية كرد فعل أمام الحضارة الغربية الوافدة، علي ان الأحلام، يسارا ويمينا، لم تكن مجرد ردود أفعال عند بعض المثقفين، وانما كانت أيضا بلورة عميقة الدلالة لآمال اجتماعية عامة . ويضيف غالي: لم تكن القضية في الانحياز للفكر الغربي أو للتراث الغربي وانما كانت القضية ولا تزال في التطور اللامتكافئ بين الحضارة الحديثة والتخلف المصري العربي الاسلامي. ويرصد غالي مناخ منتصف السبعينيات من القرن الماضي الذي شهد دفاعا عميقا عن التفكير العلمي ويمثل علي ذلك بكتابات سلامة موسي، شاهين مكاريوس، فارس نمر علي سبيل المثال وكذلك لدي علي مصطفي مشرفة ويري غالي ان الأمر لم يختلف لدي جيل الأربعينيات الذي ينتمي اليه رشدي راشد.ويري غالي ان هذا الجيل كان يرتكز علي منهج متكامل سواء كان علميا أو يساريا أو ديمقراطيا ويضيف غالي ان رشدي راشد امتداد لسلالة معينة من العلماء والمؤرخين المعاصرين هي سلالة مصطفي نظيف، ومصطفي مشرفة، وغيرهما.ويري المؤلف أن راشد لم يهمل التراث الاسلامي الديني واللغوي بل قرأ كل ذلك في ضوء التراث الغربي العلمي البحثي حيث سجل تطبيق العلماء التحليل التوافقي في ميدان الجبر والدراسات اللغوية والفلسفية. ويضيف أن راشد كشف من جهة التراث الديني لدي عالم الرياضيات المسلم الكلاسيكي عن تفكير معين حول الرياضيات أو عن فلسفة محددة في الرياضيات لم تصدر عن فيلسوف وانما صدرت عن عالم رياضيات.ويقول غالي هنا: لم يبن الرياضي في اللغة العربية نظاما فلسفيا، اذا قورن بالنظم الميتافيزيقية الشهيرة في ما سمي باسم القرون الوسطي في التأريخ الغربي التقليدي ، ويري أن مناخ هذا الوقت استحوذ عليه علم الفقه والكلام لكنه استعار موضوعه من بابوس أوبركلس أي أن الفكر في ما سمي باسم العصر الوسيط الذي استحوذت عليه الفلسفة التقليدية او علم الكلام أو علم أصول الفقه، استعار موضوعه من التراث اليوناني القديم، ولم يغير أطار التفكير الاغريقي سوي الرياضي وغيره من العلماء في أثناء بحثهم العلمي الدقيق.ويختتم غالي مقدمته بالقول: ان رشدي راشد ظل أمينا للفكر الوطني المصري الأصيل، وهو احد النادرين من هذا الجيل الذين جمعوا جمعا حقيقيا وعميقا بين المعرفة بالتراث العربي والاسلامي والتراث العالمي، ويصفه بأنه ليس من التوفيقيين الذين يلفقون حزب الوسط الثقافي بل هو من الذين يقيسون التراث ويراه بمدي قربه أو بعده عن الحاجات الأساسية للعلم .يتضمن الكتاب الجديد لوائل غالي خمسة فصول وخاتمة بالاضافة الي مقدمته المطولة. جاء الفصل الأول تحت عنوان سفر البداية وتناول توسيع المجال التاريخي للرياضيات الكلاسيكية وأساطير تاريخ العلوم، وفي الباب الثاني تناول تاريخ الرياضيات العربية، وتناول الثالث فلسفة الرياضيات العربية اما في الفصل الرابع فتناول ترييض العلوم الاجتماعية، وفي الباب الخامس تناول التاريخ التطبيقي للعلوم، وفي الخاتمة قدم الدلالة التاريخية والمعني العلمي لعمل رشدي راشد كما تضمن الكتاب فهرسا مطولا للمصطلحات وفهرسا آخر للأعلام التي تضمنها الكتاب.وقد وقع الكتاب في 838 صفحة من القطــع الكبــير وصدر عن مشروع مكتبة الأسرة بالهيئة المصرية العامة للكتاب.0