تقرير: شرق السودان يعالج الفقر بالحكم الراشد
تقرير: شرق السودان يعالج الفقر بالحكم الراشدسنكات ـ شرق السودان ـ من خالد التيجاني: يعاني معظم مواطني شرق السودان من حالة فقر مدقع فاقمها تكرر موجات الجفاف في العشرين عاما الماضية.ومثل غيرها من مناطق أخري في السودان تشهد المنطقة حركات تمرد مسلحة ترفع مطالب تدعو لإنهاء حالة التهميش السياسي والاقتصادي الذي تعانيه المنطقة. وفي رحلة ميدانية استغرقت ثلاثة أيام رصدت يونايتد برس انترناشنال في بلدة سنكات وضواحيها، نحو 1100 كيلومتر شمالي شرق العاصمة الخرطوم، تجربة شراكة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والسلطات المحلية للتخفيف من حدة الفقر في الإقليم.وكانت البداية في أواخر مارس/ آذار الماضي عندما وقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان مع حكومة ولاية البحر الأحمر والحكومة الإتحادية اتفاقية لتنفيذ مشروع أطلق عليه (الحكم الراشد للتخفيف من حدة الفقر).ويهدف المشروع الي خلق بيئة مؤسسية، اجتماعية واقتصادية مواتية تساعد علي التخفيف من حدة الفقر في الولاية خلال أربع سنوات عبر تنفيذ مشروعات نموذجية بشراكة بين المجتمع المحلي لمستفيدين من المشروعات، وحكومة الولاية وإداراتها المحلية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.وتبلغ تكلفة المشروع سبعة ملايين دولار، تسهم فيها الأمم المتحدة بمليون وأربعمئة ألف دولار، وحكومة الولاية بستمائة ألف دولار، بينما لا تزال هناك حاجة لمانحين لتغطية مبلغ الخمسة ملايين دولار المتبقية.وقالت الدكتورة سامية النقر مديرة المشروع إنه يركز علي تقوية قدرات الولاية وإداراتها المحلية علي تخطيط وتنفيذ استراتيجيات لمعالجة الفقر، وتمكين القطاع الخاص والمجتمع المدني والمنظمات القاعدية والفقراء من لعب دور فاعل في عملية التنمية.ويقول البرنامج الإنمائي إنه في ظل الحاجة الملحة لمخاطبة مشكلات الفقر فإنه كي يتمكن السودان من الانتقال الي سلام مستدام، لا بد من دور مهم لدعم السلطات القومية والشركاء الآخرين لوضع الأسس لإنجاز رؤية الحكم الراشد التي نصت عليها بروتوكولات اتفاقية السلام.وأهم آلية يعمل بها المشروع هي صناديق، أو بنوك، التنمية المحلية ذات الأموال الدوارة، التي تساعد في تمويل مشروعات استثمارية صغيرة كمدخل لمعالجة الفقر، والغرض منها توفير بنية أساسية لتقديم خدمات أفضل في التعليم، الصحة والمياه. ومن المهم هنا الإشارة الي أن أن تحديد الأنشطة الاستثمارية الممولة من قبل صناديق التنمية يتم بواسطة المجتمع المحلي، عبر لجان تنمية يختارها المواطنون بأنفسهم، والسلطات المحلية وفق عملية التخطيط ووضع الميزانيات التي تبدأ من القاعدة الي أعلي.وأول ما يسترعي الإنتباه في هذه التجربة المثيرة لمعالجة جذور مشكلات الفقر هو مستوي المشاركة الفعالة التي يسهم بها المواطنون المستفيدون من المشروع أنفسهم في تنفيذه عبر لجان التنمية المحلية التي شكلوها للإشراف والتخطيط والتمويل والمتابعة والمراقبة للمشروعات الاستثمارية الصغيرة.ويتم تنفيذ هذا الأمر عبر مشروعات جماعية مثل مشروع مزرعة الدواجن في بلدة جبيت الذي تستفيد منه عشرون إمرأة يدرن بكفاءة استثمارا لألف دجاجة نجحن في غضون فترة وجيزة من عملة من تسديد جزء كبير من التمويل الذي حصلن عليه من صندوق التنمية المحلي.وحكت عائشة كيف أسهم نصيبها من عائدات المزرعة في تغيير واقعها وحياتها، وبدأت مع زميلاتها في التخطيط لتوسيع استثمارهن. ولنفيسة بدري قصة نجاح مؤثرة فقد مات عنها زوجها وتركها بلا عائل مع ستة أطفال، ولكنها تدير الآن محطة لتوفير المياه للنازحين في أطراف سنكات. وقالت بدري إنها تبيع في اليوم الواحد مئتي صفيحة مياه وتقسم عائدات ذلك ثلثا لهيئة المياه، وثلثا لتسديد التمويل الذي حصلت عليه من صندوق التنمية المحلي، ويذهب الثلث الأخير لصالحها. وتبدو بدري سعيدة وهي تروي كيف أنها أعادت الآن أبناءها للمدارس بعد أن تحسنت أحوالها المادية.وفي بلدة أركويت تحدث أوشيك مصطفي نائب رئيس اللجنة، وهو معلم في المدارس الإبتدائية عن إخفاقات حدثت في مشروع الدواجن معددا اسباب ذلك التعثر بذات الثقة التي تحدث بها عن نجاح مشروع الألبان، وعن مزرعة الفواكه، وعن السد الذي أنشأته لهم حكومة الولاية ليساعد في توسيع رقعتهم الزراعية. وحدث أركويت يونايتد برس أنترناشونال عن نشاط المرأة ومشاركتها بفعالية في التنمية المحلية ونوه بأهمية وضرورة ذلك.وفي ألتيت وهي منطقة زراعية هجرها سكانها منذ ان ضرب الجفاف المنطقة، ونزحت 527 أسرة الي أطراف بلدة هيا في ظروف بائسة، لكن إنشاء سد ترابي لتوفير مياه الري كان كافيا لإعادة الروح والحياة الي هذه المنطقة التي لم تزرع لعقود، حيث عادت أغلب الأسر النازحة لتمارس حرفتها في الزراعة ولتتم زراعة 8 ألف فدان بالذرة، إضافة الي مزرعة خضر وفواكه.وقال عبد الله عيسي رئيس لجنة التنمية المحلية بألتيت أن حياة 75% من الأسر النازحة التي عادت الي دائرة الإنتاج تغيرت الي الأفضل، فقد بات بوسعهم الحصول علي حاجتهم السنوية من الغذاء بعد حصاد الذرة، ويباع فائض الإنتاج لتسديد قروض صندوق التنمية، وتوفير عائدات مالية إضافية لهم. وقال أحد المستفيدين في الخمسين من عمره إنه أمي لم يتلق دراسة، ولكنه حريص علي تجنيب أولاده وبناته هذا المصير معتبرا أن وضعه المادي بات أفضل بما يمكنه من إرسالهم الي المدارس. ولعل القاسم المشترك في هذه المشروعات هو بروز دور المرأة ومشاركتها الفاعلة في عملية التنمية المحلية، في منطقة كان يعد فيها مجرد ذكر اسم المرأة عيبا.وقالت عائشة محمد أحمد التي تصف وظيفتها بأنها منشط اجتماعي في المشروع إن النساء يتلقين تدريبا للتعريف بالحكم الراشد الذي تعرفه بأنه الإدارة الحكيمة والصالحة للموارد التي توجه لمصلحة الوطن باشتراك المواطن مشاركة فاعلة وحقيقية في كل ما يتعلق بشأنه وما يؤثر في حياته.(يو بي اي)4