كتاب عمان (2): حوارات في الشعر والفن التشكيلي والمسرح لأبرز الكتاب العرب
كتاب عمان (2): حوارات في الشعر والفن التشكيلي والمسرح لأبرز الكتاب العربعمان ـ القدس العربي ـ من يحيي القيسي: بمناسبة مرور ثلاثة عشر عاما علي صدور مجلة عمان الثقافية الشهرية، بشكل منتظم أصدرت مؤخرا (كتاب عمان) في مجلدين ليضم أبرز الحوارات الأدبية والفكرية والفنية التي نشرت في مجلة عمان، توثيقا لها، ومساهمة في التعريف بالمنجز الثقافي العربي للأجيال الجديدة، وللكثيرين من القراء الذين لم يتمكنوا من قراءة هذه الحوارات في حينها، وكنا قد عرضنا للمجلد الأول في هذا المنبر قبل أشهر قريبة، وها نحن هنا نتناول ما يحتويه المجلد الثاني من حوارات، وأبرز ما جاء فيها من الآراء، وبشكل شديد التكثيف، يذكر بصاحبها، ويشير إلي تجربته أكثر مما يشرح أو يوضح بالتفصيل، وقد ضم المجلد الثاني 34 حوارا أجرتها مجموعة من الأدباء والصحفيين المتخصصين لهذا العدد من أبرز التجارب الشعرية والفنية العربية، وهم : عبد العزيز المقالح، محمد علي شمس الدين، محمد القيسي، محمد الخالدي، عز الدين المناصرة، قاسم حداد، سميح القاسم، الياس لحود، حيدر محمود، ممدوح عدوان، عبد الوهاب البياتي، الميداني بن صالح، المتوكل طه، سليمان العيسي، علي الطائي، علي جعفر العلاق، ثريا ملحس، مريد البرغوثي، رضا ديداني، أحمد البخيت، سامي بيداني، شوقي عبدالأمير، عبد الله الزيد، عبد الكريم برشيد، الأمين النهدي، هيثم الخواجة، عز الدين قنون، عز الدين المدني، سمير الحكيم، نوري الراوي، صخر فرزات، تمام الأكحل، شاكر حسن آل سعيد، ميسون صقرالقاسمي.ومن الواضح في هذه الأسماء مدي أهمية منجزها عموما، كما أن بعضها قد رحل إلي دار المنون، وهذا يبرز جانبا آخر من ضرورة نشر مثل هذه الحوارات أيضا، وهنا بعض آراء هذه الشخصيات في عدد من القضايا، فقد ابتدأ المجلد بحوار مع الناقد والشاعر اليمني د.عبدالعزيز المقالح أجراه معه الشاعر العراقي عبد الزراق الربيعي في صنعاء، وفي رده علي سؤال للربيعي عن كيفية تحديده لملامح الانتكاسة في الأدب العربي يقول يكفي أن نعرف أن أمة تعدد أبنائها يربو علي مائتين وخمسين مليونا، وأن ما يطبع من دواوين الشعراء الكبار لا يزيد علي ثلاثة أو خمسة آلاف نسخة، ويمكن أن يقال الشيء نفسه عن الروايات والكتابات الأدبية الأخري، فضلا عن انحسار المجلات الأدبية وتحويل بعضها إلي مجلات فكرية أو سياسية أو اقتصادية لتتمكن من التماشي مع السوق. الأدب العربي في محنة، وفي حالة انتكاس حقيقي، ولا يتوقع أحد من أمة مهزومة أن تصنع أدبا قويا معافي قادرا علي اختراق الحواجز يتعدي لغته إلي بقية اللغات في العالم كما هو الحال مع الأدب في أوروبا أو اليابان ، أما الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين فقد قال ردا علي سؤال لمحاوره الشاعر الأردني محمد الظاهر عن مدي وجود نظرية نقدية عربية للشعر الأسلاف وصلوا إلي نظرية فكرية وفلسفية وجمالية كبيرة في نظرتهم إلي الشعر، والتمييز بين الشعر والنقد، وتوجها ابن سينا والفارابي كفيلسوفين، وقد اهتم الناقد العربي القديم بالصورة كأساس وتقنية، ولكن قالوا إن الشعر هو المخيلة المسكوبة في الوزن، فانتبهوا إلي أن الشعر ليس واقعا، وانتبهوا إلي أنه لا بد من الموسيقي التي كان يلخصها الوزن. إذن صورة زائد مخيلة أي مخيلة موسيقية بإخراج صوري، هذه هي معادلة الشعر العربي الكلاسيكي العظيم بكل بساطة، وهي معادلة يونانية.. .أما الشاعر الفلسطيني الراحل فقد قال في حوار معمق نشرته عمان في عدد 95 وأجراه الشاعر يوسف عبد العزيز ردا علي سؤال عما عثر عليه في أرض التيه، أرض الشعر بعد كل هذه الدواوين “لم أعثر علي شيء، وعثرت علي، عثرت علي مفقودات كثيرة ظلت مفقوداتي الكثيرة في الأرض، عثرت علي رؤي وأحلام ووقائع وناس ووجوه وظلوا في أقانيم بعيدة عني، وإذ عثرت عليّ رأيتني أكاد أخسرني، هكذا القصيدة أو كتابتها أو الانغمار الحميمي بها انمحاء، أو شكل لانمحاء ما للذات، علي أن موجوداتي الوهمية تظل كثيرة مثلما هي مفقوداتي، وفي الأخير لم أعثر إلا علي اسمي، اسم واحد هو محمد القيسي ولم أصل بعد.. . ويري الشاعر التونسي محمد الخالدي في حوار أجراه معه كمال الرياحي ردا علي سؤال عما أعطاه الشعر له لقد اعطاني القدرة علي المقاومة والتحدي في زمن انهيار القيم واندحار الأحلام، وكما منحتني تجاربي الروحية طاقة هائلة علي التحمل والصبر، منحني هو أيضا طاقة هائلة علي اجتراح الأحلام والتشبث بها رغم كل مظاهر الدمار الشامل المحدقة بنا، وبقدر ما أخلص لي، فعندما خانني الوطن الأكبر ثم الوطن الأصغر آواني الشعر، فكان خير وطن، وعندما حوربت وحوصرت وحرمت من لقمة العيش كان هو عزائي وملجئي، فبفضله قاومت، وبفضله حاصرت من حاولوا حصاري وانتصرت عليهم في عقر دارهم، وبفضله اكتسبت سمعة واحتراما في كل البلاد العربية فيما ظل خصومي نكرات رغم الدعم الذي يتلقونه ورغم ما يغدق عليهم من هبات وأوسمة ونياشين فمن لا نص له لن يكتب له الخلود.. .ومن جهته فإن الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة يري في حوار أجراه معه الشاعر زياد العناني، وخصص للتعمق في موضوع قصيدة النثر أن النقاد ليس لديهم أزمة معرفية بل أزمة أخلاقية، وأنهم اهتموا بشكل فائض عن حده بالشعراء الرواد التاريخيين وأهملوا شركاءهم من شعراء الستينيات أبناء جيلي، أمل دنقل أعيد له الاعتبار النقدي بعد رحيله المأساوي فقط، ما كتب عنا ليس سوي مقالات صحفية عابرة ذات طابع عاطفي مع أن جيلنا كان شريكا للرواد في ثورة الشعر الحديث، إشكاليتي الشخصية الوحيدة أن النقاد الجدد لم يقرأوا أبدا مجلد أعمالي الشعرية، أما المشكلة الحقيقية فتكمن في أن النقاد يكتبون انطلاقا من مصالحهم الشخصية حين يكتبون، وهم لا يتابعون لا الجديد في شعر التفعيلة ولا الجديد في قصيدة النثر.. ، وفي حوار مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم أجرته رندة زريق تسأله : هل تعتبر نفسك متدينا ؟ فيرد قائلا كلا لست متدينا فأنا مؤمن وإيماني شديد بالله، وهذا الإيمان ليس دينيا فقط، وإنما علمي أيضا، فهناك نظرية علمية تقول لا شيء يأتي من لا شيء فلك كائن مكون، ولكل مخلوق خالق، أما قول الطبيعيين الملحدين بأن الطبيعة أوجدت نفسها بنفسها فهو قول مرفوض علميا، فالخالق العظيم هو الله، أحترم الأنبياء والرسل وأري أنهم شخصيات عظيمة كان لها الأثر الأكبر في تهذيب غرائز البشر وصقل عاداتهم.. .وفي آخر حوار مع الشاعر والمسرحي السوري ممدوح عدوان قبل رحيله أجراه د. عبد الله أبو هيف يقول في رد علي سؤال عن التعدد في كتابته لأجناس نثرية وشعرية مختلفة أنا في الأصل شاعر، وما زلت أجد نفسي كذلك، لكنني كما قلت أكثر من مرة حشري، لا أستطيع أن أسكت، وأميل دائما إلي قول رأيي فيما يجري من حولي، هذا القول أكون معنيا به جدا، وأجد أحيانا أن الشعر ليس وعاء كافيا للتعبير كأن أكون ميالا إلي التفاصيل تجاه حالة معينة أو إلي استعارة كبيرة في أن أقص حالة موازية للحالة التي تعنيني فتأتي المسرحية، وبمقدار ما يبدي بعض القراء والنقاد دهشتهم وامتعاضهم من هذا النوع أحس أنني في حاجة إلي وسائل أخري للتعبير فأتمني لو أنني أتقن العزف والرسم…. وبما أنني أعالج الصيغة الدرامية في المسرح فإنني لا أري مانعا من معالجة الدراما التلفزيونية، وهكذا، وفي كل مرة أطالب نفسي باتقان الفن الذي أتعامل معه بمعزل عن كوني أمارس فنونا أخري، وأقول: إن القاريء حين يقرأ القصيدة يريدها قصيدة جيدة سواء كان كاتبها يكتب الدراما أو يعمل في رفع الأثقال… . أما الشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي فقد أشار في حوار أجراه معه الشاعر عدنان الصائغ ونشر في العدد 18 من عمان إلي أنه يحلم بالعودة إلي بغداد بعد موتي وولادتي المائة أي أنني أحب أن أولد أكثر من تسعين مرة في المنفي، وفي آخر مرة قد أفكر بالعودة لأن بغداد التي أحبها منحتني كل ما تملك من خوف وجراح وتمزيق وفقر وشعور بالقلق، وهي أم قاسية ولكننا نحبها علي علاتها .. وفي العدد 19 كان هناك حوار مع الشاعر سليمان العيسي أجرته حياة عطية، وتسأله فيه عن الخطوط الحمراء للحداثة فيقول ليست هناك خطوط حمراء للحداثة عندي، أنا مع كل نسمة جديدة، أنا لست مع التزييف والتزوير، مع الضجيج الفارغ، يجب أن تغزو الأشياء الجديدة حياتنا المكررة، التي تحتاج إلي شيء يحركها، شرط أن يكون لها فعلا هدف تحريك الركود. أنا مع الحداثة، ولكني لا أستطيع أن أتخيل شاعرا يكتب شعرا حديثا لم يقرأ المتنبي.. .بقي أن أشير إلي أن مجلد عمان (2) الحواري جاء في 325 صفحة من القطع الكبير، وهو جهد متميز لأمانة عمان الكبري أشرف علي تنفيذه وتحقيق فكرته رئيس تحرير مجلة عمان الثقافية الكاتب عبــــد الله حمــدان، وهو يتيح مساحة خصبة للتعرف علي مجموعة من التجارب الإبداعية العربية، وما تفكر به في شؤون الثقـــــافة والحياة، وهذا الجهد التوثيقي ينضاف إلي الجزء الأول من المجلد ليشكل حصيلة توثيقية تعـــريفية، يرجع إليـــها الباحث والإعلامي، والمتخصص، وطالب العلم, ليقارن الآراء، ويمحص الأقوال، ويضرب الأمثلة، ويبدو أن مجلة عمان ماضية في تلمس هذا الجانب التوثيقي فيها لتخرج منها كتب جديدة، ربما تضم دراسات نقدية أو كتابات إبداعية أو فنية، يرجع إليها بشكل سهل، بدل البحث المتواصل في نحو 126 عددا أو يزيد.0