الخاتون: مس بيل في العراق (1ـ2)

حجم الخط
0

الخاتون: مس بيل في العراق (1ـ2)

سر نجاحها في قهر الصحراء التي أحبتها كان شجاعتها وقدرتها علي احتمال المشاق وتفهمها للناس وظروفهمحلمت بقطع الجزيرة من شرقها لغربها.. احتجزها أمير شمر كأسيرة محترمة وعادت لبغداد كسيرة الخاطرالخاتون: مس بيل في العراق (1ـ2)نجدة فتحي صفوة بعد الاحتلال البريطاني للعراق ـ خلال الحرب العالمية الاولي ـ وفي السنوات الاولي لقيام الحكومة العراقية تحت الانتداب البريطاني، وفي وقت كانت فيه المرأة العراقية ما تزال رهينة خدرها، ولم يكن من المألوف فيه ان تشارك في الحياة العامة، ظهرت في مجتمع بغداد امرأة انكليزية فريدة، احتلت مكانة بارزة، ومارست نفوذا واسعا في تأسيس الادارة الجديدة، وفي حكم البلاد، وشاركت في حياتها السياسية، ودخلت مجتمع الرجال بلا تحفظ، فجالست ساسة البلاد وحكامه من عراقيين وبريطانيين، وشيوخ العشائر من عرب واكراد، ورجال الدين من سنة وشيعة، وزعماء البلد ووجوهه من موالين للسلطة ومعارضين.تلك هي مس بيل التي وان كانت صفتها الرسمية سكرتيرة شرقية للمعتمد السامي البريطاني في العراق، فإنها ـ في الواقع ـ كانت كما لقبها الكثيرون، ملكة غير متوجة للبلاد، لها في كل مجتمع صوت، وفي كل قضية رأي، وفي كل مقام مقال.وليس من الاسرار التاريخية ان مس بيل كانت احدي الشخصيات التي رسمت، مستقبل العراق السياسي لسنوات عديدة بعد الاحتلال البريطاني، وكان لها دور كبير في تأسيس الحكومة العراقية الجديدة وربما في نصب فيصل الاول علي عرش العراق.وسأحاول الآن، وفي نطاق ما يستوعبه الوقت المحدد، ان اقدم لمحات عن حياة غيرترود بيل ورحلاتها ومسيرتها في العراق، مع عناية خاصة بالنواحي التي هي معروفة أقل من غيرها نسبيا عن حياة هذه المرأة التي كان العراقيون يسمونها (الخاتون) ويدعوها الملك فيصل الاول (اختي)، ويخاطبها السيد عبد الرحمن النقيب بـ(ابنتي)، ويلقبها عبد المجيد الشاوي ـ مازحا ـ بـ(ام المؤمنين)، ويسعي اليها الساسة والوجوه والشيوخ واصحاب الحاجات، ويستأذنها بعضهم حتي في زيارة المعتمد السامي، او مواجهة الملك فيصل الاول، ويستشيرونها في الامور المهمة، ويعطون بتوجيهها. هذه هي المرأة التي كانت تضع مشروعات القوانين، وترشح الوزراء، ويحسب لرأيها حساب في وزارتي الخارجية والمستعمرات، وتعد من موجهي سياسة بريطانية في العراق في عهدي الاحتلال والانتداب.هل كانت مس بيل صديقة للعراق حقا؟ ام كانت قبل كل شيء مغامرة تجوب الآفاق، متعتها وهواها في ركوب الاسفار، ومشاهدة غرائب الامصار، والبحث عن نوادر الآثار؟نالت غيرترود بيل شهرة لا بأس بها بمؤلفاتها الاولي عن رحلاتها وتنقيباتها الاثرية في الشرق الادني، وفي شمال الجزيرة العربية قبل الحرب العالمية الاولي، ولكن هذه الشهرة كانت محصورة في نطاق معين، وقاصرة علي الاوساط الاكاديمية، وعلي المعنيين بالشؤون الشرقية وعلم الاثار، وشهرتها الحقيقية انما جاءت من رسائلها التي نشرتها بعد وفاتها بسنة واحدة تقريبا.ان مس بيل ـ لحسن الحظ ـ من الاشخاص الذين يمكن ان تستخلص سيرتهم من رسائلهم، وهذه الرسائل التي كانت تبعث بها الي والديها غالبا، والي بعض اصدقائها المقربين احيانا، باستثناء فجوات قليلة، تغطي حياتها كلها منذ ايام طفولتها في شمال انكلترا، الي مرضها الاخير في بغداد، في تموز (يوليو) سنة 1926 ـ وكانت تكتبها من البلدان التي تسافر اليها. واهمها بطبيعة الحال واحفلها بالمعلومات التاريخية، هي التي كانت تبعث بها من العراق خلال السنوات العشر الاخيرة من حياتها، وهي اشبه ما تكون بالمذكرات او اليوميات، وكانت تكتبها بصورة متعاقبة، وفي فترات قصيرة، وتضمنها وصف كل ما تزوره من اماكن، او تشهده من احداث، او تقوم به من اعمال، وكل ما يعن لها من خواطر ازاءها، او ما يبلغها من اخبار واشاعات بحكم عملها ضابطة استخبارات اولا ثم سكرتيرة شرقية لدار الاعتماد في ما بعد.كانت غرترود بيل قادرة في نهاية يوم سفر حافل ومتعب، علي تدوين وصف كامل لما شهدته وسمعته في رسائل كانت في كثير من الحالات تبلغ بضع صفحات كبيرة، ذات اسطر ناعمة متراصة، مكتوبة بسرعة كبيرة، وغير خالية من الاخطاء الاملائية. وقد جرت علي هذه العادة يوما بعد يوم وعاما بعد عام، خلال فترة تزيد عن خمسين عاما. وكانت رسائلها الموجهة الي والديها بصورة خاصة تحتوي علي كثير من المعلومات الرسمية والسرية، والاراء والملاحظات الشخصية، ولم يكن ليطلع عليها احد سواهما. وكانا يحتفظان بها في حرز حريز بسبب اهمية المعلومات التي تتضمنها، حتي اصبحت هذه الرسائل تؤلف في مجموعها وثائق تاريخية خطيرة وخاصة عن الحالة السياسية والاجتماعية في العراق، وسجلا حافلا بالمعلومات النادرة والدقيقة عن الاسلوب الذي كان متبعا في حكم العراق، وطراز تكفير البريطانيين العاملين فيه، وطريقة تعاملهم مع العراقيين وآرائهم الحقيقية فيهم، وكيفية اتصال العراقيين بالانكليز، وعلاقات مختلف الشخصيات العراقية في ذلك العهد بهم.ولما نشرت رسائل غيرترود بيل للمرة الاولي في سنة 1927 (وكانت قد رتبتها واعدتها للنشر زوجة ابيها الليدي بيل ) حذفت منها الرقابة امورا كثيرة وجدت ان الوقت لم يحن بعد لنشرها، وخاصة فيما يتعلق بمن ورد ذكرهم من الاشخاص الذين كانوا ما يزالون علي قيد الحياة. وعلي اثر صدورها كتب الرحالة المعروف فيلبي رسالة الي محرر جزيرة اوبزرفر شدد فيها الوطأة علي قلم الرقابة، وقال انها شوهت تلك الرسائل ومسختها. وضرب علي ذلك عدة امثلة.ومع ذلك فقد كان نشر تلك الرسائل حدثا خطيرا، اذ قامت بسببها ضجة كبري، واحتفلت لها الصحافة احتفالا كبيرا. وقد نشرت جريدة تايمز اللندنية بمناسبة صدورها مقالة افتتاحية عن غيروترود بيل واعمالها، اتبعتها بمقالتين مفصلتين تضمنتا عرضا للرسائل وتقييما لها. وجاء في افتتاحية التايمز (22 آب/ اغسطس 1927): علي الرغم من أن وفاة مس بيل كانت خسارة عامة عظيمة، فان سيرتها كانت دليلا علي ان طول الحياة ليس شيئا مذكورا الي جانب غزارة ما تحفل به .وقد راجت رسائل المس بيل رواجا عظيما، فأعيد طبعها سبع مرات خلال اربعة اشهر ومرات عديدة اخري بعدها. وبعد ان كانت مس بيل معروفة في العراق بصفة خاصة، وبين بعض الاوساط المعنية بالشؤون الشرقية في خارجه، فان نشر رسائلها جلب لها شهرة عالمية واسعة.سيرة المغامرةوفي سنتي 1960 و1961 نشرت اليزابيث بورغوين سيرة غيرترود بل مستقاة من رسائلها واوراقها الشخصية في جزأين يتضمنان فقرات طويلة مقتبسة من تلك الرسائل. وقالت في مقدمتها في الوقت الذي صدرت فيه طبعة (الليدي بيل) كان التنقيح ضرورة سياسية. ولكنني في هذين الجزأين تمكنت من الافادة بصورة كاملة من جميع رسائلها ويومياتها، فلم احذف منها شيئا ذا اهمية سياسية كانت ام شخصية، ولم اقم ـ عن طريق اضافة عبارات خارجة عن الصدد ـ بأي تحريف في معانيها الأصلية في اي موضع. ففي رسائلها التي بلغ عددها الألوف، وفي 14 مجلدا من اليوميات التي خلفتها، كتبت غيرترود بيل حياتها، كما انها عرضت الخفايا السياسية في عهدها .وعلي الرغم من ان الجزأين اللذين نشرتهما اليزابيث بورغوين يحتويان علي أهم المعلومات عنها، فان قصة المس بيل لم تكتب بعد كما ينبغي لها. وهي قصة امرأة عاطفية، ذكية، مثقفة، تهوي الآثار، وتعشق الاسفار، ولا يقر لها في مكان قرار. احبت مرتين، وفجعت بحبها في كلتيهما، فالتمست النسيان والسلوي في الرحلات، تارة في مدن ايران تتعلم الفارسية وتدرس آدابها، وطورا في جبال الالب تتسلق قممها وتغالب ثلوجها واعاصيرها. ثم في صحاري الجزيرة العربية، تتحدي رمالها وتقتحم مجاهلها، وتتعرف علي قبائلها. واخيرا في العراق تسهم في تأسيس دولته الجديدة، ورسم مستقبله، وتوجيه سياسته.ان النهج الذي نهجته غيرترود بيل في حياتها، والمهمات التي اضطلعت بها، كان كله من اختيارها وصنعها، واما ما واجهته من اقدار، فلم تكن لها حيلة ازاءها.وهي كبري بنات السير توماس هبو بيل ، من اكبر رجال استخراج الحديد في يوركشاير. ولدت سنة 1868 في مدينة درهام ، وماتت امها وهي في الثالثة من عمرها اثناء ولادة اخيها موريسو ، فتزوج ابوها ثانية من فتاة اسمها فلورنس وهي ابنة السير جوزيف اوليفي، طبيب السفارة البريطانية في باريس. ولذلك نشأت غرترود لا تعرف اما سواها، وهي تدعوها أمي في رسائلها الكثيرة التي كتبتها اليها في ما بعد. وكانت اخت السير جوزيف اوليفي متزوجة من السير فرانك لاسلز الذي كان من الدبلوماسيين البريطانيين البارزين في زمانه.تلقت غيرترود تعليمها اولا في (كينغ كوليدج)، وكانت تلميذة ممتازة في كل شيء سوي الموسيقي والخط. ثم دخلت جامعة اوكسفورد، وحصلت علي مرتبة الشرف الاولي في التاريخ الحديث وهي دون العشرين من عمرها، وكانت اول فتاة تحصل علي هذه المرتبة من تلك الجامعة المتزمتة.وكانت السنوات العشر التي اعقبت تخرجها حافلة بضروب منوعة من النشاط، من قيام بخدمات اجتماعية في لندن ويوركشاير، وتسلق جبال الالب في سويسرا وايطاليا، ورحلة حول العالم، وزيارات طويلة الي السير فرانك والليدي لاسلز في العواصم التي كانا يمثلان بريطانيا فيها: بخارست وطهران وبرلين.وخلال وجودها في ايران درست غيرترود اللغة الفارسية وتعلمتها الي حد استطاعت معه ان تنشر في سنة 1897 ترجمة لديوان الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي، فنالت الترجمة نجاحا لا بأس به، وقد سبق لها ان نشرت قبل ذلك ببضع سنوات كتابا آخر بعنوان صور فارسية استوحته من سفرنامة ، ولكنه كان غفلا عن توقيعها لأنه كان في رأيها تافها.كانت زيارة غرترود الي طهران من أسعد الفترات في حياتها علي الرغم من النهاية المحزنة التي انتهت اليها. فقد تعرفت هناك علي ملحق شاب بالمفوضية البريطانية يدعي هنري كادوغان كان يشاركها حبها للشعر، وسرعان ما وقعت في غرامه، وأعلن الاثنان خطبتهما. وكتبت غيرترود الي ابويها تزف اليهما النبأ، ولكنهما كانا ـ فيما يبدو ـ قد سمعا بما يثقل كاهله من ديون، وما يتصف به من طباع صعبة، فطلبا اليها ان تنتظر. وكانت غيرترود قد بلغت سن الرشد، واصبحت مستقلة في امورها حرة في تصرفها، ولكنها مع ذلك انصاعت لطلبهما، وعادت الي انكلترا فورا. وبعد تسعة اشهر توفي هنري كادوغان علي اثر مرض قصير.وعلي الرغم من ان بلاد فارس والأدب الفارسي استوليا علي خيالها وتفكيرها في البداية، فان البلاد العربية استهوتها في ما بعد، وملكت عليها نفسها وكان لها اثر ابعد وابقي في حياتها. وقد قرأت غيرترود كتاب الرحالة دوتي عن اسفاره في البلاد العربية، وشغفت به في وقت لم يكن قد لفت الانظار اليه في انكلترا بعد، فجذبها الي الحياة العربية والصحاري العربية والأدب العربي. واخذت ترحل اليها وهي ما تزال جزءا من الدولة العثمانية، كما صارت من سنة الي اخري ترقب انبعاث الشعور القومي العربي ونموه خلال الفترة الاخيرة من حكم السلطان عبد الحميد، وفي عهد جمعية الاتحاد والترقي، وتتابع باهتمام ما يجد في الشرق الادني من تحولات سياسية، وما يحدثه النفوذ الغربي المتزايد من آثار، ولكن اهتمامها الكبير، ومتعتها الحقيقية كانت في الحياة الشرقية: العادات الغربية عنها، ازياء الطبقات المتواضعة بألوانها الزاهية، آراء الطبقات الحاكمة وطراز تفكيرها، ومدي تمسكها بالاساليب القديمة او اكتسابها تدريجيا مظاهر المدنية الحديثة.قامت مس بيل برحلتها الاولي الي الشرق الادني سنة 1905 مخترقة فلسطين وحوران وشمال سورية علي ظهور الخيل. وكانت خلال ذاك قد تعلمت من اللغة العربية ما مكنها من عقد اواصر الصداقة مع عدد غير قليل من الناس في تلك المناطق. وقد وضعت كتابا وصفت فيه هذه الرحلة سمته الصحراء والمعمورة ونشرته في سنة 1906. وفي هذا الكتاب ظهر اهتمامها بالعرب وشغفها باللغة العربية وآدابها للمرة الاولي، وربما كان ابرع كتبها. وهو كتاب تفوح منه رائحة الصحراء ونسائمه جذابة طرية، ومع ذلك لا تطغي فيه العاطفة الجامحة علي الاحكام العقلية المتزنة. وقد صدرت الكتاب ببيت من الشعر العربي لتأبط شرا، هو:يري الوحشة الأنس الأنيس ويهتديبحيث اهتدت ام النجوم الشوابكوكانت غيرترود خلال هذه الفترة تهتم بالآثار القديمة التي تمر بمواقعها خلال رحلاتها، حتي اعدت نفسها، بدون دراسة جامعية منظمة، لتكون باحثة اركيولوجية، فقامت في سنة 1907 بتنقيبات وحفريات أثرية في مواقع الحثيين والبيزنطيين في منطقة بيك بيركليسه في تركيا، بالتعاون مع السير وليم رامزي الذي تعرفت عليه في مدينة قونية . وفي تلك المدينة ايضا تعرفت علي رجل انكليزي آخر ـ لا نعرف عنه الكثير ـ قدر ان يكون له في ما بعد شأن كبير في حياتها ومستقبلها، وهو الكابتن تشارلز دوتي ـ ويلي .وقد ظهرت نتائج ابحاث غيرترود والسير وليم رامزي في كتاب مشترك صدر في سنة 1909 بعنوان الف كنيسة وكنيسة . وكانت تجارب غيرترود في مجال الآثار القديمة ستصبح ذات فائدة كبيرة لها حين عملت علي تأسيس المتحف العراقي في بغداد بعد ذلك بخمسة عشر عاما تقريبا، مما سنتحدث عنه في حينه.وفي السنة التالية بدأت غيرترود رحلة اخري، اكثر طموحا، فسافرت من حلب منحدرة علي نهر الفرات، ثم اخترقت الصحراء التي كانت خالية من الطرق المطروقة، باحثة في طريقها عن آثار القصور القديمة، وكانت قد سمعت كثيرا من الروايات عن الاخيضر ، فاجتازت الصحراء مرة اخري الي منطقة قبائل الدليم، وبعد مسيرة اربعة ايام كانت في موقع الاخيضر ، ثم عادت بطريق بغداد والموصل الي آسيا الصغري.ووصفت غيرترود بيل هذه الرحلة في كتاب من أشهر كتبها وهو من مراد الي مراد الذي صدر في سنة 1911. وفي هذا الكتاب يحتل البحث الاركيولوجي والطوبوغرافي في اراضي ما بين النهرين الهادئة علي حدود العراق الشمالية قسما لا يقل في اهميته عن تقديراتها للاوضاع السياسية في الشرق الادني وانطباعاتها عن ثورة تركية الفتاة ، اضافة الي عدد كبير من الصور الفوتوغرافية التي التقطتها خلال الرحلة. وكانت غيرترود بيل كبيرة الاهتمام بالتصوير الفوتوغرافي منذ ذلك الوقت المبكر في تاريخ هذا الفن، ومن اوائل من ادرك قيمته الوثائقية.وقد صدرت هذا الكتاب ايضا ببيت آخر من الشعر العربي للشاعر الجاهلي لبيد هو:بلينا وما تبلي النجوم الطوالعوتبقي الجبال بعدنا والمصانعوكانت مولعة بهذا البيت كثيرة الترداد له.وعادت غيرترود بيل الي تنقيباتها الأثرية في الاخيضر في سنة 1911 ونشرت نتائج تلك التنقيبات في دراسة بعنوان قصر الاخيضر وجامعه وهو كتاب ضخم صدر في سنة 1914 وكان اهم ما نشرته من دراسات اركيولوجية.حب جديدكانت غيرترود بيل خلال هذه الفترة تراسل الكابتن تشارلز دوتي ـ وايلي الذي سبق ان تعرفت عليه في قونية. ولما تكررت مراسلاتهما وتتابعت، اصبح من الواضح لها انها تقع في شباك حب جديد. والتقي الاثنان في لندن في سنة 1912 ثم في سنة 1913.وكانت المشكلة ان دوتي ـ وايليي كان متزوجا، وكانت زوجته خلال زيارة غيرترود الثانية غائبة عن لندن، ولكن العلاقة بين الاثنين ـ فيما يبدو ـ لم تكن سرا، لان غيرترود كانت تدعوه الي يوركشاير، فيذهب لرؤيتها، ويحل ضيفا في دار والديها.وعرض عليها دوتي ـ وايلي الزواج بعد ان يطلق زوجته، ولكنها رفضت قائلة انها لا تستطيع ان تبني سعادتها علي صرح بيت مهدم. وبقيت بين نارين، يمضها حبها تعذيبا، ويأبي ضميرها ان ينصاع لنداء القلب. فكانت تمر بها فترات من الكآبة واليأس تجعلها علي شفا الانتحار. حتي قررت اخيرا ان تقوم بمغامرة جديدة، فتذهب الي الصحاري العربية التي ما فتئ سحرها يجتذبها.وكان المشروع الذي تفكر فيه منذ مدة طويلة هو القيام برحلة عبر الجزيرة العربية من غربها الي شرقها، وهي منطقة لم يصلها اوروبي منذ عشرين عاما، ولم تصلها امرأة اوروبية قط، باستثناء الليدي آن بلنت. فمضت في مشروعها قدما، علها تبتعد عن الجو الخانق الذي احاط بها في انكلترة، وتجد في مغامرتها الجديدة شيئا من السلوي.بدأت غرترود بيل رحلتها الصحراوية الجديدة من دمشق في بداية سنة 1913وكتبت قبل مغادرتها رسالة تضمنت هذه الصرخة اليائسة. لا بد للعالم ان يمضي وشأنه زمنا من دوني. لو عرفت كيف أجيء، علي ثري الجحيم لوجدتني مصيبة في التماس اي مخرج. انها في معظمها غلطتي، ولكن ذلك لا يغير من كونها سوء حظ لكلينا. انني اذهب بعيدا عنه الان.. والزمن كفيل بقتل اكبر المطالب .وتمكنت مس بيل بعد سفرة مضنية من الوصول الي معاقل شمر في حايل، ولكنها لم تتمكن من الذهاب ابعد من ذلك. وكان امير حايل غائبا، وصلاته مع جاره الجنوبي امير نجد عبد العزيز بن سعود سيئة. فتخوّف نائب امير حايل من السماح لامرأة اوروبية مسيحية بالمرور الي بلاد سكانها محافظون متعصبون لتقاليدهم، واحتجزها في حايل، فكانت اشبه بسجينة او اسيرة محترمة، ولم يسمح لها بمواصلة رحلتها، فاضطرت الي العودة الي بغداد في نيسان (ابريل) 1914، فوصلتها متعبة خائرة القوي، كسيرة الخاطر لاخفاقها في المشروع الذي فكرت فيه سنوات طويلة، وعلقت عليه آمالا عريضة. ولكنها مع ذلك حصلت خلال هذه السفرة علي ذخيرة كبيرة من المعلومات الجغرافية، وتعرفت علي عدد كبير من الاشخاص في شمال الجزيرة العربية، واطلعت علي التيارات السياسية والعلاقات القبلية في تلك المناطق، مما كان سيعود عليها بفائدة كبيرة في عملها في المستقبل، ذلك العمل الذي لم تكن بعد لتعلم شيئا عنه، ولم يمر بخلدها مرورا. فكان تقييمها لامير نجد عبد العزيز بن سعود ـ مثلا ـ بأنه: اهم شخصية في وسط الجزيرة العربية . وقد سجلت هذا الرأي في ذلك الوقت المبكر الذي كانت فيه شخصية الملك عبد العزيز غير معروفة في العالم الخارجي، ولم تكن الاحداث قد اظهرته علي مسرح السياسة العربية والدولية بعد.وكانت غيرترود بيل تقوم بمعظم رحلاتها المحفوفة بالمخاطر دون ان يصحبها رفيق سفر، ولم يكن معها سوي خادم واحد. وهي لم تحاول قط، في اي مكان حلت فيه ان تخفي هويتها او كونها امرأة. بل انها كانت تعتقد ان كونها امرأة هو خير حماية لها بين عرب الصحراء الفخورين بعاداتهم، والذين يحترمون الثقة التي توضع فيهم، ويعدون حماية الضيف، والذود عن ماله وعرضه، من واجبات المروءة والشرف.ويري كل من كتب عن مس بيل ان سر نجاحها في قهر الصحراء التي احبتها احيانا، واحتوتها اخري، هو انها فضلا عن بنيتها القوية، وقدرتها العجيبة علي احتمال المشاق، جمعت بين الشجاعة المتناهية، والتفهم السريع لكل من تجعلها الظروف علي اتصال بهم من الناس، علي اختلاف بيئاتهم وعقلياتهم.عادت مس بيل الي انكلترة في آذار (مارس) 1914، فمنحتها الجمعية الجغرافية الملكية وساما ذهبيا تقديرا لرحلتها الصحراوية الاخيرة، ولكنها لم تتمكن من سرد قصة هذه الرحلة في كتاب كما فعلت بعد رحلاتها السابقة، مع انها كانت من اهمها واحفلها بالمغامرات، فقد حال دون وضعها كتابا عن رحلتها الي حائل نشوب الحرب العالمية الاولي بعد عودتها بشهور قلائل، وقرارها بأن تتطوع للقيام بعمل ما لخدمة بلادها خلال الحرب. وقد انتمت الي مكتب اسسته منظمة الصليب الاحمر للبحث عن المفقودين والجرحي في بولون بفرنسا.وخلال وجودها في لندن لقيت الكابتن دوتي ـ وايلي مرة اخري. وكانت جذوة الحب بينهما ـ فيما يظهر ـ ما تزال متقدة. وفي ذلك الوقت صدرت اليه الاوامر بالالتحاق باحدي الوحدات التي كانت تقاتل في غاليبولي (جناق قلعة) في الدردنيل. فقضت معه بضعة ايام قبل سفره. وفي 20 نيسان (ابريل) كتب اليها من ساحة القتال قائلا: عزيزتي: الليلة سأجمع كل رسائلك، وأرزمها، وأتركها معنونة اليك . وكأنه كان يشعر بمصير محتوم قريب، لانه اكد عليها في هذه الرسالة ان لا تفكر في الانتحار او تقوم بمحاولة من هذا القبيل .. لان ذلك سيجعل روحي في عالم بعيد آخر، اكثر حزنا واضطرابا .وكانت اقامة غيرترود بيل في لندن، بعد سفر داوتي ـ وايلي اقسي فترة في حياتها، لم تذق فيها طعما للراحة ولا للسعادة، فقد كان اخوها موريس في جبهة القتال في فرنسا، والرجل الذي احبته في اهوال القتال في الدردنيل.وكانت اخت غيرترود لأبيها الليدي ريتشموند تقيم في منطقة هامبستيد في لندن، وكانت غيرترود تتردد عليها او تخاطبها بالتلفون كلما اثقلتها الهموم، فتجد شيئا من الراحة. وبينما كانت غيرترود تتناول الغداء مع بعض اصدقائها في لندن، بلغها ان الكابتن دوتي وايلي قتل في الدردنيل وهو يقود مفرزة استرالية. فذهبت بأسرع ما تستطيع الي اختها، وهي في حالة من الذهول واليأس والأسي. فلما رأتها اختها حسبت بادئ الامر ان اخاها قتل في الحرب، ولكن غيرترود صرخت قائلة: لا.. ليس موريس . وسقطت علي احد الأرائك تجهش بالبكاء.وبينما كانت غيرترود بيل في غمرة حزنها وحيرتها فتح امامها بصورة مفاجئة تماما، باب جديد الي الشرق. ففي خريف سنة 1915، حينما كانت بوادر حركة قومية عربية منظمة تظهر الي الوجود وتتبلور، اخذت السلطات البريطانية في القاهرة تستخدم عددا من الاشخاص الذين لهم معرفة سابقة بالبلاد العربية، وخبرة في شؤونها، للعمل في مكتب استخبارات انشأته هناك باسم المكتب العربي . وكانت المهمة الاولي لهذا المكتب اجتذاب تلك الحركة العربية نحو بريطانيا، واستغلالها لصالح الحلفاء. وكان رئيس هذا المكتب الجنرال كلايتن، ومن اعضائه هوغارث، ولورنس، وكورنواليس. فرشحت غيرترود بيل للعمل في هذا المكتب ايضا، لخبرتها في الشؤون العربية، وخاصة في شؤون العشائر، تلك الخبرة التي ظهرت جليا في مؤلفاتها عن رحلاتها في البلاد العربية.ووصلت غيرترود الي القاهرة في 30 تشرين الثاني (يناير) سنة 1915، فعهد اليها بمهمة تجميع ما لديها وما يتيسر لها الحصول عليه من معلومات عن العشائر في شمال جزيرة العرب، وتلخيصها وتحليلها، للافادة منها في علاقات بريطانيا مع تلك العشائر واتصالاتها بها. وقد اصبح المكتب العربي في ما بعد مدرسة سياسية عرفت بمدرسة القاهرة، تقابل مدرسة الهند . وكان لاعضائه دور مهم في صياغة سياسة بريطانيا في العراق وفي الشرق العربي بعد الحرب.وفي كانون الثاني (يناير) سنة 1916 ارسلت غيرترود بيل في مهمة خاصة من القاهرة الي دلهي بطلب من حكومة الهند التي كانت تعد معجما جغرافيا للبلاد العربية، فرغبت في الاستعانة بما لديها من معلومات وفيرة في هذا الموضوع. وكان نائب الملك في الهند اللورد هاردنغ صديقا قديما لها، فلما أنهت مهمتها هناك طلب اليها ان تمر بالبصرة بطريق عودتها، وكانت الحملة الاستطلاعية البريطانية قد احتلها.ووصفها اللورد هاردنغ للسير برسي كوكس، كبير الضباط السياسيين في الحملة البريطانية بأنها امرأة خارقة الذكاء، ولها دماغ رجل، تتكلم العربية بطلاقة وتعرف عن عشائر الصحراء اكثر من اي شخص آخر، ربما باستثناء ليتشمان. وكانت الغاية من إرسالها الي البصرة هي ان تربط بين ما لديها من معلومات عن العشائر العربية، وبين ما كان يصل الي مقر الحملة الاستطلاعية البريطانية التي كانت قد احتلت البصرة قبل ذلك. فكان وصول غيرترود الي البصرة، فيما اريد به ان يكون زيارة قصيرة، بداية صلة جديدة بالعراق. صلة قدر لها ان تستمر حتي اليوم الاخير من حياتها. فقد ألحقت اولا بهيئة موظفي الاستخبارات العسكرية، وبعد ثلاثة اشهر انضمت الي هيئة سكرتارية رئيس الحكام السياسيين، السير برسي كوكس، بصفة ضابط سياسي مساعد، واخذت تقوم بواجبات السكرتير الشرقي. وعلي اثر احتلال بغداد في آذار (مارس) سنة 1917، وانتقال سلطة الاحتلال اليها، انتقل معها السير برسي كوكس.ہ نص المحاضرة التي ألقيت في قاعة الكوفة بلندنمساء الأربعاء 7 كانون الأول (ديسمبر) 2005الكاتب: دبلوماسي وكاتب عراقي. تخرج من كلية الحقوق ببغداد عام 1945 وواصل دراسته في جامعة لندن. قضي في السلك الدبلوماسي العراقي 25 سنة تقريبا عمل خلالها في لندن وعمان والقاهرة وجدة وباريس وانقرة وواشنطن وموسكو علي التوالي، كما كان وكيلا مساعدا لوزارة الخارجية ومديرا عاما للدائرة السياسية فيها. عين في سنة 1967 سفيرا في الصين ولكنه استقال وتفرغ للكتابة والتأليف. مارس تدريس اللغة العربية قبل التحاقه بوزارة الخارجية وشارك في مؤتمرات علمية تاريخية عديدة، وحاضر في عدد من الجامعات العراقية والبريطانية والالمانية. منحه اتحاد المؤرخين العرب (وسام المؤرخ العربي) كما انه يحمل (وسام الاستقلال) الاردني. ومن كتبه: من مذاهب الادب الغربي 1943، اليهود والصهيونية في علاقات الدول الكبري 1967، العراق في مذكرات الدبلوماسيين الاجانب 1969، الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية (موسوعة في 12 جزءا صدرت منها ستة اجزاء حتي الآن) وغيرها من الدراسات، وحقق العديد من الكتب منها مذكرات رستم حيدر (1989)، وكتاب (خواطر وآراء) للرصافي 1988 ومذكرات جعفر العسكري (باللغة العربية 1988 وباللغة الانكليزية 2003) وآخرها مذكرات محمد حديد.وله اكثر من خمسمئة بحث ومقالة في مختلف المجلات والجرائد العربية اضافة الي 1800 حلقة من زاوية هذا اليوم في التاريخ .7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية