الخصخصة وبيع الأوطان في الدول العربية
محمد خليفةالخصخصة وبيع الأوطان في الدول العربية أكثر ما يشغل بال حكومات دول العالم الثالث، ومنها الدول العربية، هو موضوع الخصخصة. فقد تم نسيان كل المشاكل الأخري التي تعشش في المجتمعات العربية، وتم تسليط الضوء علي مشكلة واحدة وهي سيطرة القطاع العام الممثل بالدولة علي مفاصل الاقتصاد وضرورة القضاء علي هذه المشكلة لكي ينتعش الاقتصاد وتتحقق، بالتالي، عملية التنمية الحقيقية. وقد ارتبطت الخصخصة بالليبرالية الغربية منذ ظهورها مترافقة مع ظهور الرأسمالية في القرن التاسع عشر، فظهر شعار دعه يعمل، دعه يمر . وكان هذا الشعار دعوة مبكرة إلي تحرير الاقتصاد والسماح للأفراد والشركات بالعمل بحرية وتجميع الثروات بعيداً عن رقابة الدولة. وازدهر هذا الشعار في الولايات المتحدة التي لم تعرف القطاع العام إلاّ نادراً، لأن الشركات هناك استطاعت أن تسيطر علي كل شيء حتي أنها امتلكت حق إصدار النقد بموجب القرار الذي اتخذه الرئيس ودرو ويلسون عام 1916، والقاضي بإنشاء بنوك الاحتياط الفيدرالي وهذه البنوك وعددها أحد عشر بنكاً، هي التي تتولي إصدار الدولار وتحديد سعره وسوي ذلك من العمليات المصرفية. وهذه البنوك تابعة لشركة خاصة، ولذلك كانت الولايات المتحدة سبّاقة في ميدان الخصخصة، بل يمكن القول إنها دولة قائمة علي الشركات، إلاّ أن الخصخصة لم تصبح أيديولوجية لقيادة الاقتصاد العالمي إلاّ في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد حدث استقرار في العالم وظهرت في الغرب نظريات اقتصادية جديدة تنتقد النظريات الاقتصادية السائدة. وكانت النظريات الجديدة تري أن أهم معوقات التنمية هو مركزة الاقتصاد وسيادة القطاع العام. وبدأت عمليات الخصخصة في أوروبا تنمو وتتسع، وقامت الحكومات الأوروبية ببيع الكثير من المؤسسات الحكومية للقطاع الخاص. لكن كانت عمليات الخصخصة هذه تجري تحت رقابة البرلمانات الأوروبية، فلم يكن يتم اتخاذ القرار بشأنها من قبل الحكومات فقط. وكانت تتم أيضاً وفق خطط علمية مدروسة، وبما يحقق الرفاه العام في المجتمع. وقد حدث ازدهار اقتصادي في الدول الأوروبية، فازدادت الأنشطة الاقتصادية، وكثرت فرص العمل وارتفعت الرواتب بفعل الوفرة المالية التي تحققت. لكن في المقابل، احتفظت الدولة بملكية بعض القطاعات الحيوية والتزمت الحكومات الأوروبية بسياسة الضمان الاجتماعي والصحي لحماية الشرائح الفقيرة. كما التزمت أيضاً بسياسة تثبيت أسعار السلع والخدمات عند مستويات مقبولة من قبل جميع شرائح المجتمع، بحيث لا تمتص الزيادة في الأسعار الوفرة المالية لدي الناس. وقد أدي ذلك إلي تحقيق الرفاهية، فأثرت الشعوب الأوروبية وبسبب هذا الإثراء حدث استقرار في المجتمعات الأوروبية، فاختفت الحركات الاشتراكية الثورية المتطرفة التي كانت ناشطة في العديد من دول أوروبا، وسادت الديمقراطية. وعندما انهار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي الشرقي عام 1991، ظهرت العولمة الرأسمالية الأمريكية، وظهرت الموجة الثانية من الخصخصة في دول المعسكر الاشتراكي السابق. وقد كان وقع الخصخصة مؤلماً في هذه الدول، إذ تحوّلت بين عشية وضحاها من دول ذات اقتصاد اشتراكي موجّه يسيطر عليه القطاع العام بنسبة مئة في المئة إلي اقتصاد مفتوح متحرر من كل قيد. فقد خسرت روسيا من جراء بيع القطاع العام عشرات المليارات من الدولارات وتحوّلت من ثاني اقتصاد عالمي بعد الولايات المتحدة إلي دولة فقيرة تحتاج إلي المساعدات الدولية العاجلة. وما حدث في روسيا حدث في سواها من دول المعسكر الاشتراكي وما تزال هذه الدول إلي الآن، تعاني من المشاكل التي سببتها الخصخصة السريعة وغير المدروسة فيها. لكن لم تتوقف الخصخصة عند هذه الدول فقط، بل سرعان ما اجتاحت الموجة الثالثة منها دول العالم الثالث ومنها الدول العربية. وبدأ الحديث عن أهمية الخصخصة لتحقيق الانتعاش الاقتصادي لشعوب العالم الثالث الفقيرة، واعتبر أنه لا سبيل أمام دول العالم الثالث سوي اتباع طريق الخصخصة للقضاء علي الفقر الموجود فيها. وكان الذي يروّج لهذه الأقاويل هو البنك الدولي والشركات الغربية العابرة للقارات، واستخدمت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون نفوذهم لإجبار حكومات العالم الثالث علي بيع الممتلكات الحكومية للشركات الخاصة، وأصبحت أحد شروط دعم المؤسسات المانحة الغربية الأساس. وكانت الدول العربية من أوائل الدول استجابة لنداءات الخصخصة. فقامت العديد من الحكومات العربية ببيع مؤسسات ومنشآت حكومية كثيرة قائمة إلي شركات أجنبية، وتمت عمليات البيع هذه بعيداً عن رقابة الشعوب العربية، لأن هذه الشعوب مغيّبة كلها عن مواقع اتخاذ القرار. ولم تلتزم الحكومات العربية عند إقدامها علي الخصخصة بسياسة تثبيت أسعار السلع والخدمات. كما أنها لم تلتزم بالضمان الاجتماعي والصحي الذي لا تعرف عنه شيئاً إلاّ من خلال وسائل الإعلام الغربية. فقامت الشركات برفع الأسعار، ورفعت بعض الحكومات العربية مستوي الرواتب ـ وبعضها مثل دول الخليج لم ترفع رواتب موظفيها منذ أكثر من عشر سنوات ـ إلاّ أن تلك الزيادة في الأسعار امتصت هذه الزيادة في الرواتب. ولذلك لم تتحقق الوفرة المالية الموعودة، بل علي العكس، فقد ازداد العوز وتوسّعت الشريحة الفقيرة في المجتمعات العربية. ولما كانت الشركات الأجنبية لا تهتم بمن نام جائعاً من الشعب بقدر اهتمامها بجمع الثروات، كان لا بدّ من التساؤل عن مغزي عمليات الخصخصة في الدول العربية وبالأخص دول الخليج العربية. فإذا كانت هذه العمليات لا تعود بالنفع علي المجموع العام من الناس، كما هو واضح، فلماذا تتابع الحكومات العربية مسيرة الخصخصة دون مراعاة أن لكل أمة خصائصها وأن تأخرها في مواكبة الركب الحضاري والاقتصادي ما هو إلاّ تخلّف عارض نتيجة الاستعمار البغيض الذي استنزف ثرواتها وبدد طاقتها وخلق المشكلات الجغرافية والسياسية لتكون المرض الذي ينخر جسم الكيان العربي.نأمل أن لا ينتهي الأمر إلي بيع الأوطان والشعوب العربية بالكامل للشركات العابرة للقارات لتصبح مجرد أدوات إنتاج في يد تلك الشركات التي لا ترحم، ولكن تمزّق أرواح الشعوب وتوهن عزيمتهم حتي يكونوا مجرد موظفين وخادمين حسب واقعهم ومناهجهم الاقتصادية والاجتماعية. فتحكّم هذه الشركات الجشعة في مقدرات الأوطان وأهلها ينطوي علي مخاطر كبري من شأنها أن تؤدي لا محالة إلي تفكك نسيج الأوطان الاجتماعي وارتهان قرارها السياسي، ويجب بالتالي الاحتراز من ذلك التحكّم والحيلولة دونه.ہ كاتب من الإمارات [email protected]://www.mohammedkhalifa.com8