يوم دراسي حول درب الحليب لباسم سكجها في المغرب

حجم الخط
0

يوم دراسي حول درب الحليب لباسم سكجها في المغرب

تصدر بالفرنسية الربيع المقبل وتترجم للانكليزية والالمانية:يوم دراسي حول درب الحليب لباسم سكجها في المغربالدار البيضاء ـ القدس العربي حظيت رواية درب الحليب للكاتب الأردني باسم سكجها باهتمام كبير من أسرة تدريس وطلاب كلية الآداب في جامعة الحسن الثاني/ عين الشق المغربية، وعقدت الكلية يوماً دراسياً لمناقشة الرواية بحضور الكاتب وأساتذة الكلية وطلابها وبرئاسة الأستاذ محمد أوجطي.وأعلنت الدكتورة حليمة بن نعوم في بداية اليوم عن إنتهاء عملها في ترجمة الرواية للغة الفرنسية لتُنشر في باريس في الربيع المقبل، كما أعلنت عن بدء زميلتها الدكتورة زوبيد رشيدة بالترجمة للغة الألمانية بالاضافة إلي قرب إنتهاء عمل الترجمة للغة الإنكليزية.وقالت بن نعوم إنّها تعرّفت إلي الكتاب والكاتب بالصدفة، فأثارتها الرواية إلي حدّ قراءتها عدة مرات ثمّ الاتفاق علي ترجمتها للغة الفرنسية، وعرضها علي زملائها الذين أبدوا إهتماماً مشابهاً وصولاً إلي ترجمتها إلي عدة لغات.وأضافت إنّ بنية الرواية ولغتها وشخصياتها وأحداثها تُثير فرادة غير مألوفة في أدبنا العربي الحديث، مما يضعها في مصاف روايات عالمية نادرة، وتبشّر بالمساهمة في تكريس الرواية العربية في العالم.ونقدم هنا مداخلة محمد أوجطي من قسم اللغة الانكليزية اليوم الدراسي بعرض تجربته مع الرواية، وقال: سيداتي سادتي، السلام عليكم ورحمة الله، يشرفني أيها الحضور الكريم أن أقدم لكم الأستاذ باسم سكجها.. الذي سنقوم في هذه الصبيحة بتدارس روايته درب الحليب التي صدرت قبل سنتين، وتعالج أحداثا جساماً في تاريخ الشرق الأوسط والعالم العربي، لم يتجرأ بعد كتّاب أو روائيون لمعالجتها.. ولباسم فضل تناولها في شموليتها الملحمية بشجاعة أدبية وطموح كبيرين. وبما أنني سبق لي أن اشتغلت ذات يوم في مختبر للخرائطية، فقد أثارني غلافها الذي يحمل صورة جوية لأرض فلسطين والأردن ولبنان وسيناء والبحر الميت. وتساءلت عما يمكن أن تقوله هذه الرواية الواقعية أكثر من اللازم علي ما يبدو حول قضية العرب الأولي. وزادني فضولا عنوانها الغريب درب الحليب . فما رأيت قط درباً للحليب حتي في منامي، ولم أربط ذلك العنوان بدرب التبانة حتي بدأت القراءة. ولما فعلت وجدتني اقرأ رواية غير عادية بكل المقاييس، ويمكن أن أجمل أهم مميزاتها في الفقرات الآتية.تعرض هذه الرواية، التي لم نقرأ مثلها منذ وقت طويل، منذ موسم الهجرة إلي الشمال للكاتب السوداني الطيب صالح، تعرض قراءة تاريخية أركيولوجية وحضارية للصراع العربي الفلسطيني مع الصهيونية، وتتجاوز ذلك لتناول صراع الحضارات، شمال/جنوب. كما أنها تؤرّخ لزمن من أزمان الأمل الذي مثله الكفاح الفلسطيني بالنسبة لكثير من شباب العالم في السبعينيات من القرن الماضي، وكذا اليأس والمرارة والإحباط الذي تلا تلك الفترة وكان سببه جهات عربية رسمية من جهة و إغراق في الرومانسية الثورية من طرف المناضلين أنفسهم من جهة ثانية.إنها، علي المستوي الأفقي، قصة مؤلمة عن الحروب الأهلية التي كان وقودها الشعب الفلسطيني في أكثر من بلد عربي، لكنها في العمق أكثر من ذلك، حيث تتناول قضايا إنسانية شمولية ووجودية تكاد تضاهي في موسوعيتها رواية يوليسيز للروائي العالمي جيمس جويس، ولكن بلغة عربية سلسة لا يخطئ القارئ أن كاتبها صحفي وأديب في آن معا، يمزج الأسلوب الواقعي التقريري بالأسلوب الشاعري الحالم أحياناً، وبالأسلوب الرمزي أحياناً أخري.. ولا يمكن الوصول إلي فهم صحيح لأحداث القصة وبقية أبعادها إلا من خلال دراسة منهجية سيميائية ونصية لرموز العصا والأفعي والصخر والماء ودرب التبانة والبرازخ والبحار التي تشكل النسيج الرمزي للرواية، وهو ما يمكن القيام به في مناسبة أخري. لقد استمتعت بقراءة هذه الرواية، كما أنها أفادتني من حيث أنها أعطتني في أقل من 300 صفحة ملخصاً لملحمة الأمل واليأس وملحمة الإعتزاز التي عايشتها وأنا شاب، كما عايشها غيري، علي بعد ثلاثة آلاف كيلومتر من موقع الأحداث، ولكن عايشتها كما لو كنت واحداً من شخوصها أو ضحاياها. لكنها لا تصف تلك الأحداث وصفاً حماسياً فخرياً مضخّماً للأشياء، وإنما في نبرة مأساوية تعبّر أحسن تعبير عن خيبة الأمل والهزيمة وتقاتَل الإخوة وألوان الحصار.ولعل من أهم الأفكار والمقولات الفلسفية التي تؤكدها رواية درب الحليب بنجاح ملحوظ فكرة أن المبادئ التي تبدو لنا حقائق سرمدية ومسلمات في فترة من الزمن، لا تلبث أن تتغيّر في أقل من نصف حياة جيل واحد. ففكرة الإلتزام السياسي والنضالي، الذي يؤمن به المرء حد اليقين، قد لا يصمد أمام امتحان الزمن، وحتي أمام بعض الإغراءات ومتطلبات الجسد والذات.إن هذه الرواية عن تغيّر الأحوال، وتغيّر الناس، وتخليهم عن مبادئهم الأولي. ولعل الكاتب قد بالغ في تصوير تسلسل أحداثها بشكل كاريكاتوري عندما جعل عامر (وهو إسم، علي فكرة، علي وزن فاعل أو باسم مثل الكاتب، لكن هذه قضية أخري) بطل القصة يتحوّل من مناضل يساري شيوعي لا يؤمن بالدين، إلي رجل شبق يقبل بشعوذة العرافات ومعاشرتهن، بل واصطحاب بعضهن في تجاربه الصوفية، وإلي ملتح ، إسلامي يفجّر نفسه في أهداف مدنية أمريكية علي طريقة أتباع بن لادن أو الزرقاوي . لكن القاسم المشترك بين مراحل هذه الصيرورة هو التفجير: من تفجير الطائرات بالزرقاء في السبعينيات، إلي تفجيرات واشنطن و(نيويورك) في 2001. هذا، مروراً بالانتقال من النضال المسلح إلي نضال القلم والعمل الصحافي.وقد كان لا بد لهذه الرواية من تناول شيء من الحب الذي لا تخلو منه كل رواية تحترم نفسها. إلا أن درب الحليب تناولته في شكل سلسلة مغامرات مجزوءة، ربما عن قصد، وغير مكتملة، أساسها الرغبة الجنسية أكثر من المشاعر العميقة. فالكتاب يروي أكثر من عشر قصص حب لا يتجاوز طول الواحدة منها، أو بالأحري طول الحيّز المخصص لها، بضع فصول، وكثير منها لا يتجاوز فقرات معدودات.. ليستخلص القارئ أن الكاتب متشائم يشكك، من ضمن ما يشكك فيه، في قيمة الحب التي تبشر بها روايات عالمية كثيرة وتضعها في أعلي مراتب القيم.ورغم جرأة التجريب في هذه الرواية، التي يصاب قارئها بالدوار أحياناً، وهو يحاول تتبع أحداثها وشخوصها في تنقلاتهم، من مجال إلي مجال، ومن ساحة أحداث إلي أخري، ومن زمن إلي آخر، بل ومن قارة إلي أخري، مع استعمال مدروس لتقنية الـ فلاش باك أو العودة إلي الوراء، وتداخل فصول الرواية وتشظيها وتماثل شخوصها، فإنه يمكن القول بأن هذه القصة سيرة ذاتية لعامر علي شكل ما يسمي بالألمانية Bildungsroman، أو رواية النشأة، بطريقة تذكرنا برواية A Portrait of the Artist لجيمس جويس. وبالفعل، يمكن إعطاء الرواية عنواناً آخر لا يقل جاذبية عن درب الحليب هو: A Portrait of a Profeional Terrorist، ومن المؤكد أنه سيجذب كثيراً من القراء، خصوصاً في العالم الجديد. مع ما يوفره ذلك من فرص نقدية لإستكناه مضامين الرواية وأبعادها.إن مما يستفز القارئ، أو يثيره أيضاً، تقنية السرد وعلاقة الراوي الطبيب ببطل القصة، الذي ليس في الحقيقة ببطل بالمعني التقليدي للكلمة، وإنما نوعا من الـ Anti Hero الذي نجده في كثير من الروايات الحديثة. هذا الراوي الصديق، الطبيب النفساني المتعلم، العقلاني الوضعي، من الطبقة الوسطي والمحافظ والذي يبوح له البطل الثوري المتقلب الأطوار بكل صغيرة وكبيرة، والذي يعلق ببرودة علي ما يسمعه من عامر، بل ويحكم علي أحداث الرواية، وإن بشكل غير مباشر، يستحق دراسة معمقة في حد ذاته. فهو يذكرنا بنفس التقنية التي استخدمها الروائي الأمريكي سكوت فيتزجيرالد في روايته الشهيرة كاتسبي العظيم ، حيث يحار القارئ هل القصة قصة الراوي نيك كراواي أم قصة البطل جيم كاتسبي أم قصة كليهما، مع ما لذلك من انعكاسات علي معاني الرواية ومضامينها الفلسفية.إن درب الحليب كتاب عن النضال والحب والكتابة الصحافية والبحث عن الحقيقة، ويحمل بين ثناياه مقولات فلسفية حول كل واحدة من هذه الثيمات. فهو يثير تساؤلات بلاغية حول الكتابة ذاتها: هل الصحافة والكتابة الصحافية (ومن ورائها العمل السياسي) سلاح كاف لكسب قضية وتحرير وطن؟ وفيما يتعلق بالحب والمرأة، تؤكد الرواية بطريقة جميلة أن المرأة عالم مجهول، مليء بالجاذبية والإثارة، ولكنّها قد لا تستحق كل الحب والتفاني الذين يخصّها بهما البعض. بينما تؤكد أن المادية الجدلية لا تكفي لتفسير العالم وتناقضاته وحل قضاياه، إذ لا بدّ من شيء من الروحانيات لفهم العالم والطبيعة البشرية وفهم الحياة. في حين تُبين سيرة عامر التي تنتهي بطريقة مأساوية تضرب حياته كلها في صفر، بأن كل ثورة تتخللها خيانات وتراجعات وتتلوها خيبة أمل.وختاماً، فإن هذه الرواية، كأي عمل إبداعي حقيقي، يكتنفها شيء غير قليل من الغموض، وتشتمل علي عدد من الرموز والألغاز، الشيء الذي يجعلها تحتمل أكثر من قراءة، وأكثر من تأويل. وخير مثال علي ذلك، النهاية المفتوحة التي وضعها لها الكاتب، حيث يمكن أن يري فيها القارئ محاولة محتشمة، بعد علاقات الحب (والإنجاب) التي ربطت عامر البطل بعدد من النساء من أديان أخري، للقول بأن من الممكن، بل لا مناص، للعرب واليهود (أبناء عمومتنا) أن يتعايشوا علي أرض فلسطين. لكنني اعتقد أن هذه الرواية التي لم تؤكد ذلك بإقناع. فكيف يمكن التعايش مع قوم يقتلون الأطفال، ويكسرون عظام الشباب، ويبنون الجدران، ويقطعون الأشجار (وهي أشياء لم يأت ذكرها في الكتاب)؟ لا يسع المرء إلا أن يقول مع أحمدي نجاد بأن أوروبا أولي أن تتعايش مع اليهود، وأن تفسح لهم مجالا بين ظهرانيها.. علي كل حال، أشكر الأستاذ باسم سكجها الذي أمتعني بحق وجعلني بشكل غير مباشر أن ارسخ قناعتي هذه.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية