العراق يحترق… شهادات من قلب المقاومة لزكي شهاب:
رواية للاحداث تتأرجح بين الشهادة الخاصة والرواية الرسمية عن الحاضر والمستقبل في بغداد المحاصرةالمقاومة تعتقد بقدرتها علي هزيمة امريكا.. وبوش يخطط لاقامة دائمة وسيقاتل حتي النفس الاخير العراق يحترق… شهادات من قلب المقاومة لزكي شهاب:عرض وتقديم: ابراهيم درويش العراق والقاعدة عنوانان يشغلان الحيز الاهم من الكتابات التي تقدمها دور النشر الغربية، واي بحث علي موقع الامازون (المكتبة الالكترونية) تقدم الة البحث الالكتروني عناوين متعددة عن العراق كتبها صحافيون، وجنود في الوحدات الخاصة، وذكريات المارينز خاصة عن العملية التي دمرت مدينة الفلوجة بالكامل. واخر المتحدثين عن العراق كان الكتاب الذي اصدره الحاكم الامريكي السابق بول بريمر عامي في العراق ، وتعبر الكتابات الصادرة عن الغزو الامريكي في العراق سواء في مستواها الاكاديمي الصرف او السردي الصحافي الذي يمزج بين المشاهدة والتوثيق عن مستويات متعددة واتجاهات مختلفة، تطرح في طياتها الجدل الذي خلفه قرار الولايات المتحدة تجاوز الامم المتحدة وقلب النظام العراقي السابق بمساعدة بريطانية. ومن بين الكتب ذات النبرة السردية والتي تقوم علي المعاينة والمشاهدة او العيش في داخل التجربة العراقية الكتاب الصادر عن اي بي توريس في لندن ونيويورك الذي وضعه الصحافي الفلسطيني زكي شهاب، الذي يعمل في الصحافة المقروءة والمرئية منذ اكثر من ربع قرن، وساهم في تغطية العديد من الحروب والصراعات في المنطقة العربية، وافغانستان، والكتاب هو شهادة عن العراق الجديد الذي ارادت ادارة بوش اقامته، والقارئ يجبه بواقع هذا العراق الجديد في اول سطر من الكتاب، في مطار بغداد الدولي وشارعه الذي صار يعرف بشارع الموت بعد ان فشلت القوات الامريكية بالسيطرة، ويتحدث شهاب هنا عن هبوط الطائرة وسط مخاوف من صواريخ يطلقها المقاتلون العراقيون. ولكن الصادم والمثير في المواجهة الاولي مع هذا العراق الجديد هي ملاحظة الكاتب عن انتشار الرشوة ازدهار الرشوة في فترة غيابي كان اكثر ما احزنني عندما عاد لتغطية الانتخابات البرلمانية الاولي في كانون (يناير) 2005. يكتب شهاب عن العراق لان علاقته به بدأت منذ اكثر من ثلاثين عاما عندما اشتري مجلة في مخيم اللاجئين وبدأ يراسل عراقيا ولحسن المصادفة من مدينة الفلوجة التي سيطرت عليها المقاومة لمدة اشهر قبل ان تدمرها قوات المارينز وتستخدم فيها المواد الفسفورية. يقول شهاب بعد 35 عاما من المراسلة مع هذا الشاب زار مدينة الفلوجة المعروفة ايضا باسم مدينة المساجد، ولعل المصادفة التي جمعت بين مهمة الكاتب الصحافي وزيارته للمدينة، لا تكتمل الا بالاشارة الي ان فلسطين متصلة تاريخيا بهذه المدينة، حيث اطلق الفلسطينيون اسم بلدة سجلت في التاريخ الفلسطيني الحديث ملحمة خاصة، وفيها بدأ العسكري جمال عبد الناصر رحلته السياسية. وفلوجة فلسطين حملت اسم فلوجة العراق لان شيخا صوفيا وليا جاء اليها وعاش فيها ودفن هناك، واسمه احمد الفلوجي. ومن هنا فلا غرابة ان يبدأ صبي فلسطين كانه الكاتب، بمراسلة صبي اخر في مدينة عراقية، هي الفلوجة.الفلوجة والرابط الفلسطينيفي 2003 كان الكاتب اذا يبحث عن صديقه بالمراسلة الذي وجده وقد صار من داعمي المقاومة بل والناشطين في واحدة من جماعاتها. ويعكس الحال الذي وصل اليه الصديق هذا وتداعي الاحداث فيما بعد صورة الوضع الذي الت اليه الامور في العراق. كتاب العراق يحترق: شهادات من قلب المقاومة هو عن ذاكرة المراسلة بين المخيم والمدينة وكيف اصبحت الذاكرة ارضية لبناء رؤية عن الواقع المتفجر والبلد الذي يحترق، وصورة عن الكيفية التي تقرر فيها عائلة متوسطة، متعلمة، الانخراط في المقاومة وشروطها. ولكن اين هي المقاومة العراقية التي يتحدث عنها شهاب، يجدها في ما صار يطلق عليه المثلث السني وفي الرمادي، والمقاومة هنا مختلفة عن تلك التي ما زالت تؤكد الادارة الامريكية انها مكونة من جماعات يائسة من النظام السابق لصدام حسين، والناشطين العرب (الاجانب) بزعامة ابو مصعب الزرقاي، فهي مقاومة (وطنية) تنفي اي صلة بصدام حسين، الرئيس السابق. بدأت صغيرة ثم كبرت، تستفيد من تجارة الاسلحة المتوفرة في كل العراق، ومن الخبرات التي راكمها افرادها في الحروب التي خاضها النظام السابق. وفي حالة المقاومة التي لقيها شهاب مختبئة في (حواكير) الخضرة والفاكهة، المختفية خلف بساتين النخيل استفادت من تجربة الحرب العراقية ـ الايرانية. ولكن المقاومة في العراق او المقاتلين هم فئات مختلفة، بعضها اسلامي النزعة- اقام علاقة مع البعث، وبعضها من جماعة فدائيي صدام والاخر اسلامي النزعة يرتبط بتجربة الاسلاميين الاولي في شمال العراق، في مناطق الاكراد.وتشي العمليات المتعددة التي قام بها الجيش الامريكي منذ اندلاع العمل العسكري بعد ايام قليلة من سقوط بغداد بانتشار المقاومة في كل انحاء البلاد، اذا استثنينا الجنوب الذي قرر علماؤه عدم الدعوة للجهاد ضد المحتل الجديد. ممثلوا المقاومة التي التقاها علي ضوء مصباح كازي، اكدت انها لا تستهدف المدنيين، فاهدافها الاولي امريكية، وبعد ذلك العملاء (المترجمون ورجال الشرطة الذين ينفذون مهمات نيابة عن قوات التحالف). تسجل شهادة شهاب عن المقاومة التي لقيها، وهي نفسها التي تحداها الرئيس الامريكي جورج بوش وما زال يؤكد ان المهمة في العراق هي تحقيق النصر، صورة عن الدوافع التي جعلت العراقيين في مواجهة الامريكيين، فاحد شيوخ الدليم قال ان المقاومة مرتبطة بالغطرسة الامريكية فالجنود يهينون الناس، بتخليعهم المداخل والابواب.. وضربهم الازواج امام زوجاتهم واولادهم وتكبيلهم بالاصفاد مضيفا انه لا يمكن الاستخفاف بمعني الشرف في المجتمع العربي. في حواشي وشوارع الرمادي التي تنتشر فيها الاسلحة، ويقطع ليلها صوت الطائرات الامريكية، ونباح الكلاب. هناك حس عام بامكانية تحقيق الانتصار علي امريكا، حيث يشير بعض الذين لقيهم في ديوانية شيخ الدليم ان بعض الرجال الذين ارتبطوا بصدام حسين استغلوه وباعوه للامريكيين. والمقاتلون الحقيقيون هم الذين يعتمدون علي مقدراتهم الذاتية. شهادات الناس عن المشاركة في المقاومة لا علاقة لها بالقاعدة الطامحة لبناء نظام اسلامي في العراق او البعثيين الذين يحاولون اعادة عقارب الساعة للوراء، بل لايمانهم ان امريكا لم تهدف بالدرجة الاولي الي الاطاحة بنظام صدام حسين، بل لسحق الشعب العراقي، العراق للعراقيين، لكننا الان بلد محتل، ما يحصل مخز وغير اخلاقي، تحدث مع الناس في اي مكان في البلاد، وسيخبرونك ان القوات الامريكية تحطم الابواب من دون اعتبار لمن في الداخل…. . في احاديث رجال المقاومة، او المتعاطفين معها، تتردد اشارات عن مصير امريكا في فيتنام ومصير الاتحاد السوفييتي السابق في افغانستان. شهادات زكي شهاب مهمة لانها تقدم رواية مضادة لما يدور الان في اوساط المعلقين، الصحافيين والسياسيين، وفي ظل الانقسام، السني ـ الشيعي ـ الكردي الذي تردده الكتابات الغربية باستمرار، فالأزمة التي تحضر في تقارير الصحافيين الامريكيين والبريطانيين تحاول دائما التأكيد علي فكرة ان السنة العرب الاقلية هم الذين حكموا العراق لعقود، ودعمهم صدام حسين، فيما عانت الغالبية الشيعية من الحرمان والاضطهاد وقد استفادت النخبة السياسية الجديدة الشيعية من هذه الفكرة عندما حاولوا اللعب علي وتر الضحية خذ مثلا تصريحات عادل عبد المهدي، احد مسؤولي المجلس الاعلي للثورة الاسلامية في العراق الذي قال ان حس الاضطهاد حاضر في الخطاب اليومي بل يواجهه عندما يواجه بسؤال عن اسمه عبدالمهدي مع ان احد معارف عبد المهدي قال لي انه غير اسمه بنفسه وكان يكتب تحت اسم عادل مهدي ، وشبه عبد المهدي ـ مهدي وضع الشيعة بالعراق بوضع الافروـ امريكيين، ليث كبة، سياسي اخر، قال ان الشيعة لم يحكموا العراق منذ اكثر من الف عام او يزيد. شهادات سكان المثلث السني تحكي قصة اخري، فمدن هذا المكان، السنية في غالبها كانت من ضحايا صدام حسين يقول احد شيوخ مدينة سامراء كان معروفا ان صدام يكره مدينتان الي حد انه حرمنا حتي من الخدمات الاكثر ضرورة التي تحتاج اليها المدينة لتبقي . مشاهدات شهاب عن تشكلات المقاومة واسبابها تشير الي البعد القبلي فيها وعدم فهم الامريكيين لطبيعة التركيب السياسي والاجتماعي للعراقيين، وهذا يظهر بشكل واضح في الاحداث التي ادت الي اندلاع احداث الفلوجة، حيث يقول ان الصدام بين اهالي الفلوجة والامريكيين مختلف عن اي مواجهات تمت في كل انحاء العراق، فقد كانت مواجهات ذات بعد قبلي. فسوء تقدير الامريكيين للوضع وعمليات الاعتقال العشوائي لسكان المدينة ادي الي تاليب عشائر كاملة ضد الامريكيين. لا ينفي الكاتب هنا البعد الديني الذي كان جزءا من مقاومة المدينة، فالفلوجة مدينة محافظة لا دور سينما فيها او محلات بيع الخمور، سكانها يجمعون بين المحافظة العشائرية والدينية، وطوال الحقبات التي سبقت الغزو الامريكي كان هناك اتفاق غير مكتوب بين الانظمة السياسية والقبائل بشأن الكيفية التي تدار فيها الامور. وهو الاتفاق الذي اختار الامريكيون عدم الالتفات اليه. والحوادث التي يذكرها الكاتب تظهر ان الجيش الامريكي المحتل لم يكن معنيا باي حال من الاحوال بمراعاة حساسية السكان العراقيين، مثلا قاموا برفع العلم الامريكي علي مبني الحاكمية في مدينة الموصل رغم احتجاج السكان. عن قوة الحركة الاسلامية السلفية في مدينة الفلوجة، يري الكاتب هنا انها استفادت من فترة التدين التي ايدها النظام في اعوامه الاخيرة. في مدينة تكريت، المدينة التي ينسب اليها صدام، اشارت لقاءات ان المدينة لم تشهد عمليات مقاومة نظرا لاتفاق تم بين زعماء المدينة لتجنيبها مقاومة دموية، وادي الاتفاق لتسليم المدينة بدون اي طلقة. ولاحظ ان المدينة شهدت حركة تجارية كبيرة. في المدينة نوع من المقاومة، حيث يذوب افرادها بين السكان، فيما انشغلت الجرافات الامريكية بقلع حقول النخيل حتي لا يستخدمها المقاتلون كستار في اثناء العمليات. في لقاء مع الشيخ محمود الندا، شيخ عشيرة البيجات في بلدة صدام اشار الي ان الاخير تعرض لخديعة، فهو وان تجنب انتقاد الرئيس السابق الا انه قال.. لكنني حسبته اذكي من ان يخدع ويقع في الفخ الذي نصب له .المقاتلون الاجانبيربط شهاب هنا بين حالة زياد الجراح، الشاب المتحرر الذي انضم للقاعدة وقاد العملية الفاشلة لتدمير البيت الابيض في الهجمات التي شنتها القاعدة علي امريكا في 11 ايلول (سبتمبر) 2001، وبين مئات المقاتلين العرب اللذين استجابوا لنداء الحكومة العراقية السابقة للدفاع عن بغداد، حيث قاتلوا بشراسة حتي بعد انهيار النظام واختفاء وحدات الجيش. المقاتلون الذين انطلقوا دفاعا عن العراق كانوا من الوان مختلفة، قوميون واسلاميون، مدربون، وبعضهم تلقي تدريبات اولية، فيما شارك اخرون في حروب سابقة في الشيشان وافغانستان، وبعد انهيار النظام اصبح المقاتلون العرب ايتاما وبدون جوازات لان النظام السابق كان قد صادرها منهم. ويري شهاب ان بعض هؤلاء اضطروا للانضمام للجماعات الاسلامية المتطرفة مثل انصار الاسلام التي اقامت معسكرات لها في شمال العراق. وكان قوام الجماعة قبل الغزو الامريكي 800 مقاتل معظمهم استخدموا الحدود الجبلية مع ايران للعبور الي شمال العراق، وكانت عملية مشتركة بين الاكراد والقوات الامريكية قد ادت الي تدمير معسكرات الانصار وتشريدهم حيث هرب معظمهم الي ايران. يشرح الكاتب هنا المعضلة التي واجهتها امريكا في العراق والتي بدأت ليس بسقوط العاصمة العراقية ولكن منذ عام 1990، حيث يربط بين هذه الاشكالية، العلاقة مع العالم العربي وصعود اليمين المحافظ.وهنا يقدم تاريخ الاخفاق الذي لاقته المعارضة العراقية في الخارج لقلب نظام صدام الذي احبط كل المحاولات الانقلابية وكان ابرزها العملية التي اخرجت المخابرات الامريكية والمعارضين العراقيين من شمال العراق، وترك الهاربون اسلحة واجهزة كمبيوتر مكنت جهاز صدام الامني لملاحقة كل الاشخاص الذين وردت اسماؤهم في المؤامرة وقتل من لم يقتل في العملية العسكرية التي تمت عام 1996. تاريخ المعارضة العراقية لا يكتمل بدون الحديث عن احمد الجلبي، زعيم المؤتمر الوطني العراقي والشخص الذي يربط دائما بالدور الذي لعبه في اقناع الادارة الامريكية بالاطاحة بنظام صدام حسين. ومعالجة الكاتب هنا تبدو اشكالية وهذا هو الانطباع الاول، فالكاتب يستند في تحليله للدور الذي لعبه الجلبي علي لقاءات مع ممثلين لهذا المعارض السابق، وهو وان لم يتبن الرواية هذه الا ان الجلبي الذي يخرج من خلال السطور ـ هو ذلك الشخص المطلع والقادر علي فهم خفايا السياسة الامريكية ويفهم عمليات التحول الديمقراطي، وهو الشخص الذي ايقن ان الطريق الامثل للتغيير هو عبر اقناع الادارة السياسية الامريكية بالتحرك ضد النظام، اذ كان ضد خطط المخابرات الامريكية الداعية الي انقلاب من داخل المؤسسة العراقية الحاكمة في ذلك الوقت. وبعد شهر عسل لم يطل بين الجلبي والمخابرات الامريكية سي اي ايه انتهي باقامة علاقات مع عدد من اعمدة المحافظين الجددـ خاصة ريتشارد بيرل الذي تعود صداقته مع الجلبي لاكثر من عشرين عاما. ومع ان المحافظين الجدد انقلابيون، لا يتورعون عن استخدام القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية لتحقيق تغييرات واضطرابات في داخل الانظمة الا انهم كما يقول شهاب اكثر واقعية عندما يتعلق الامر بتحقيق الديمقراطية وامكانية حدوثها في العالم العربي. وضمن هذا الفهم يقدم الكاتب تحليله لدور الجلبي، مع انه في اكثر من موقع اشار الي ان الرجل الذي يقبض من المخابرات ايا كانت امريكية وغير ذلك، حيث يقول عندما يتلقي المرء اكياسا بنية اللون لا يمكن ان يناقش تفسير الناس لهذا التعاون مع المخابرات الامريكية علي انه نوع من التجسس. غياب الاستراتيجيةلكن ما يشار اليه في هذا السياق ان الاستراتيجية الامريكية بشأن العراق لم تكن متناسقة ودور الجلبي يمكن ان يفهم عبر هذه المعادلة. والناطقون باسم الجلبي وجماعته الذين ينقل عنهم شهاب يشيرون الي ان اطرافا في الادارة الامريكية ارادوا استخدامهم كبيادق. فبعد الانهيار السريع لنظام صدام حسين اتضح انه لم يكن للادارة الامريكية خطة واضحة، حيث نهبت البلاد وتحولت الادارات المتعاقبة علي العراق بعد رحيل صدام حسين الي ساحة للاثراء الشخصي والفساد، ويقدم الكاتب هنا تفاصيل عن سوء الادارة والخطط غير الناضجة التي اطاحت بغاي غارنر الذي لم يكد يصل بغداد حتي عرف بقرار خلعه من المنصب وتعيين الحاكم الجديد بول بريمر الذي لم يكن انجح من سابقه. وفي عهده تحولت الكراجات المحيطة بالمنطقة الخضراء الي وكالات لبيع وشراء العقود والحصول علي السمسرة، وفيما كان الشعب العراقي كله يجوع وبلا ماء او كهرباء كانت النخب العراقية التي جلبها الامريكيون تتلقي رواتب خيالية. ويبدو ومن خلال التحليل الذي يقدمه الكاتب هنا ان لعبة شراء وتسويق الحرية والديمقراطية لم تنجح، فالاكياس المليئة بالدولارات الامريكية لم تنجح في تحقيق المنشود، ويشار هنا تحديدا الي الزعيم الشيعي عبدالمحيد الخوئي الذي حضر للعراق علي متن طيارة عسكرية بريطانية للدفع في تحقيق مشروع الديمقراطية الا انه قتل من قبل جماعة من المصلين الغاضبين في مرقد الامام علي. مع ان الخوئي صدم عندما رأي مظاهر الفقر والتخلف في النجف وكربلاء. ولكن حالة الخوئي تظهر ان امريكا غير قادرة علي حماية مناصريها. شهاب يكتب عن العراق الذي يحترق ولكنه يتحرك كصحافي في غابة من الالغام ويحاول قدر الامكان ان يكون موضوعيا في طرحه وحياديا، وهما امران نسبيان، ويعذر شهاب ان كتابه الصادر بالانكليزية هو لقارئ مختلف يري الامور بعين مختلفة، وعليه فالموضوعية التي يحاول الكاتب الحفاظ عليها قد لا تعجب القراء الذين ينظرون الي الغزو الامريكي والذي تعاونوا معه علي انه جزء من اعادة تشكيل المنطقة لصالح اسرائيل. ولكن الكاتب واع بظروف الشرط العراقي ولديه اطلاع علي اللاعبين فيه من المعارضة السابقة التي اصبحت الحاكمة الآمرة في بغداد علي بابا ومن الاطراف الجديدة اي المقاتلين الذين صعدوا بعد دخول الامريكيين. شهاب يقول ان امريكا وبوش بالذات يستحق التقدير لانه اصر علي الاطاحة بالنظام العراقي ولكن ملايين من الشعب العراقي اليوم يعيشون الخوف بسبب العمليات والهجمات المنسقة التي يشارك فيها ضباط من الجيش العراقي السابق. ومهما قيل عن النظام السابق وجرائمه فان الناس علي الاقل كانت تتحرك بحرية وكانت المرأة تخرج من بيتها في اي وقت في الليل او النهار، ولكن في عراق ما بعد صدام لم يعد العراقي يأمن علي نفسه، علاوة علي ان النخبة التي تحكم بغداد تعيش في قصور الرئيس السابق تحرسها الدبابات والطائرات الامريكية. وقد قيل عن اياد علاوي رئيس الوزراء السابق انه عندما كان يخرج من المنطقة الخضراء كان يأخذ نصف الجيش الامريكي معه لحمايته. اصبح الحديث عن سياسة امريكا في العراق بعد سقوط بغداد معادا ومكررا ولكن اللافت في الانتباه ان امريكا لم تتعلم بعد من الدروس هذه وهو ما يلمح اليه الكتاب هذا، وبريمر الذي اصدر مذكراته هذا الشهر كان وراء سياسة اجتثاث البعث والتي كان المنظر الحقيقي وراءها هو احمد الجلبي، وكانت هذه السياسة ام الكوارث في العراق. وبريمر كان عاملا في هذا الخراب، فهو مثل كل الامريكيين لم يكن عارفا بالتمثلات والسياقات الاجتماعية العراقية، ويروي الكاتب هنا كيف دهش مسعود البارزاني عندما تساءل بريمر في زيارته لمكتبه عن صور الرجل التي تملأ جدران المكتب، اي صور والده، الملا مصطفي بارزاني.ويشير شهاب هنا الي نقطة مهمة ان البعث الذي ارتبط بصدام حسين وسياساته في الماضي يجب ان ينظر اليه كحركة سياسية، وعلي الرغم من عمليات القتل والتصفية التي مورست ضد افراده بعد سقوط النظام الا ان العديد من قادته لا يزالون يعملون في الظل ورغم كل الهجمات التي تعرض لها الحزب من الاعتقال والتصفية الا ان قادته المنظمين فعليا عادوا لتأكيد قوتهم من خلال المشاركة في العمليات العسكرية والتحالف مع الجماعات الاسلامية، مما يعني ان قصة البعث في العراق لم تنته وقوته يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار.علي العموم فالوجود الامريكي يبدو انه سيكون طويلا في العراق، فاذا كانت هناك نية للخروج من العراق فلماذا احتلت قواتها احد افخم قصور صدام حسين ووسعت حدوده لبناء اكبر سفارة امريكية في العالم ويعمل فيها فريق يزيد عن الف شخص. ولم يملك بوش نفسه من الفرح عندما علم ان سفارة بلاده ستكون في قصر صدام الافخم، فعلي الاقل لم يذهب تعب السيد بوش سدي. ولكن هناك سوريالية في الامر، فالقصور التي كانت تعرف بالرئاسية يذرع ارجاءها الان جنود باحذية عسكرية مغبرة وملابس مموهة، يدوسون علي ارض رخامية، ويتحركون في قاعات واسعة مليئة بالثريات الفخمة، وفي ساعات الملل يقومون بتشويه الزخارف التي تمتليء بها ارجاء القصور.القارئ لكتاب شهاب يخرج بشعور منقبض عن مستقبل العراق، واللاعبين فيه، فهو وان يري ان اي عملية سياسية في العراق لن تنجح بدون السنة، الا ان تحليله لدور السنة في العراق يتماهي مع الطرح العام الذي يري ان السنة، يقاتلون الان الاحتلال لانهم خسروا مكتسباتهم التي راكموها اثناء النظام السابق.اللافت للنظر ان الاكراد الذي رقصوا في الشوارع فرحا بسقوط صدام حسين، نظموا رحلات ترفيهية لزيارة القواعد الامريكية التي كانت تبني في المدن التي يعيشون فيها.وهو يشير الي ان السنة همشوا في العملية السياسية الاخيرة، وانهم عانوا من النظام السابق في اكثر من موقع. ودواعي الانقباض التي يخرج منها القارئ ان امريكا لن تتخلي عن المكتسبات التي حققتها في العراق، وانها ستواصل الحفاظ علي بقاء دائم، والمشاريع التي تقوم بها القوات الامريكية علي الحدود، والقواعد العسكرية، والسفارة الاضخم في العالم دليل علي ان امريكا تريد الاستمرار وستقاتل حتي النفس الاخير، لان هزيمتها في العراق ستكون المسمار الاخير في نعش الامبراطورية، وهنا لا بد من الاشارة الي ان التحليل الذي يربط المقاومة السنية بالتهميش يتجاهل جوهر المطالب السنية، وهي الحفاظ علي فكرة العراق التي تتجاذبها الاطراف اللاعبة في المسار العراقي الحالي، والتي تدعو للفدرالية وتعزيز دور الاقاليم علي حساب الحكومة المركزية. وعندما يحلل الكاتب هنا، الاطراف المهمة التي طغت علي الميدان السياسي العراقي يقول ان مستقبل العراق مرهون بتحالف ثلاثة، هم الجلبي واياد علاوي، وغازي الياور، والاكراد. والطرف الاخير يخشي من خروج الامريكيين لانه يعني نهاية الاقطاعية المستقلة في شمال العراق. وفي الانتخابات الاخيرة، فالثنائي علاوي ـ الجلبي لم يــحقق اي رصيد علي صعيد العملية الانتخابية. فلسطين النهايةبالنسبة لارتباط العراق الجديد بالقضية الفلسطينية، يقول الكاتب ان القضية الفلسطينية هي الخاسر الوحيد في معركة العراق الجديد، وهو هنا يقدم عرضا تاريخيا والدور العراقي في الثورات الفلسطينية والقضية عامة، والعامل السلبي الذي لعبه صدام في استثمار القضية الفلسطينية لتأكيد سياساته ومواقفه. ويعتقد ان العراقيين الاكراد لا يهمهم الفلسطينيون بالاساس، ولا يجدون حرجا في التعامل مع اسرائيل، اما العراقيون العرب، السنة والشيعة، فعلي الجانب الشعبي لا يزالون يدعمون الهم الفلسطيني، ولكن الجانب الرسمي، فهم يرون ان فلسطين حجبت الكثير من القضايا الغائبة والملحة عن المجتمع العراقي، اي يعني شطبها من الخطاب الرسمي، والابتعاد قدر الامكان عن هذا الهم. ولكن شهاب يقول ان المقاومة العراقية اجتمعت مع اعضاء من حركة حماس في الاردن وتباحثوا في تبادل الخبرات، وورد ذكر هذا في موضعين الا انه لم يتحدث عن تفاصيل اخري عن ماهية وطبيعة الخبرات وما الي ذلك.ان عراق ما بعد صدام لا يزال في مخاضاته، والصور التي جاءت من العراق عن التعذيب والقتل، وعمليات الاختطاف، خاصة الاجانب، والمقاومة المتواصلة، والدمار الرهيب الذي حل بالبنية التحتية العراقية، وتناحر السياسيون في المنطقة الخضراء كل ذلك لن يؤدي في المدي القريب لاستقرار في البلاد. الكاتب في النهاية يقول ان امريكا بعتادها وتفوقها العسكري قادرة علي القضاء علي المقاومة التمرد ولكن التاريخ اثبت انه لا تستطيع قوات عسكرية نظامية الحاق هزيمة بقوات تخوض حرب عصابات بدون مساعدة السكان المحليين . اي ان عزل المقاومة اولا عن سياقها كفيل بانهائها، في المدي القريب يواصل الامريكيون والسياسيون العراقيون اخطاءهم، ويتمسك رجال القبائل السنية بالدفاع عن كرامتهم التي اهينت عند الحواجز وعـــلي الطرق وفي المداهمات التي تحصل في البيوت. ہ زكي شهاب صحافي فلسطيني ولد في مخيم للاجئين في جنوب لبنان، يعمل في الصحافة منذ ربع قرن، وغطي حروبا وصراعات من لبنان، وفلسطين، والعراق والصومال وافغانستان وكان اول صحافي ينشر صورا للجماعة الاسلامية المقاتلة في الجزائر عام 1993، واول صحافي يبث مقابلات مع رجال المقاومة العراقية.عمل في اكثر من صحيفة فــــي لبنان ولندن، ومنذ 2001 يعمل في التلفزيون، وهـــو الان مدير مكتب الحياة ـ ال.بي.سي في لندنIraq A BlazeInside The InsurgencyZaki ChehabI.B.TurisLondon/ New York2006وصدرت نسخة من الكتاب بالعربية عن دار رياض الريس في بيروت بعنوان العراق يحترق: شهادات من قلب المقاومة العراقية 7