اعلام الاحتلال الامريكي.. قناة العراقية مثالا
هيفاء زنكنةاعلام الاحتلال الامريكي.. قناة العراقية مثالا من بين المفردات التي شاع استخدامها في العراق المحتل: الحرية، النزاهة، الشفافية، المصداقية والديمقراطية. وهي مفردات رائعة لولا انها تحولت الي الفاظ جوفاء بلا معني بفضل المسؤولين في الحكومات المتعاقبة تحت الاحتلال. ولعل قراءة تعريف حبيب الصدر، مدير شبكة الاعلام العراقية للشبكة، اثناء لقاء تم بين الرئيس المؤقت الطالباني مع عدد من الاعلاميين العراقيين، في تشرين الاول الماضي، سيعطينا فكرة عن واقع التعامل الاعلامي مع مفردات العراق المحتل. يقول حبيب الصدر: شبكة الاعلام العراقي، وليدة تأسست بموجب الامر 66 الذي اصدره السفير بريمر. قانونها وفر لها الحرية. هي هيئة مستقلة غير تابعة لهيئة حكومية، لتستطيع ان تؤدي خدمتها الاعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية مستندة للمصداقية والشفافية والتنوع ويجب ان تحظي بالاستثنائية والحرية فالاعلام الحر هو الوجه المشرق للديمقراطية ولا نتصور ديمقراطية حقيقية بدون اعلام حر. فأجابه الطالباني مؤيدا بحماس: لذلك الغينا وزارة الاعلام. فهل صحيح ان الوليدة هيئة مستقلة تستند الي المصداقية والشفافية وذات وجه مشرق للديمقراطية؟ لنفحص اولا كيف ولدت ومن ثم نساير نموها وترعرعها، مع التأكيد علي قناة العراقية دون غيرها. لقد ولدت الشبكة ابنة شرعية لعقد تم توقيعه بين وزارة الدفاع الامريكية وشركة امريكية خاصة اسمها ساينس ابليكيشن انتيرناشينال كوربيريشن (سايك). وكانت الادارة الامريكية قد تعاقدت، بداية، مع سايك في شباط (فبراير) 2003، من اجل العمل لاعداد حكومة عراقية في المنفي. وسايك هي واحدة من اكبر عشر شركات متعاقدة مع البنتاغون. وهي متخصصة في خدمات المراقبة لوكالات التجسس. لديها خمسة الاف موظف (واحد من كل ثمانية من موظفيها) ممن يتمتعون بصلاحية تجاوز الخطوط الامنية الحمراء، ويملكون اذنا خاصا بالاطلاع علي ما يوصف عادة بسري للغاية ضمن الوثائق الحكومية. انها وحسب تعبير احد مدرائها كيث نايتنغيل: شبكة شبحية، نحن في كل مكان، وان كنا غير مرئيين. واشهر منتجات الشركة برامج مراقبة المعلومات المستخدمة من قبل وكالة الاستخبارات الامريكية. لغربلة كل المعلومات التي يتم تجميعها حصيلة مراقبة المكالمات الهاتفية وارسال الفاكسات وتبادل الرسائل الالكترونية، حيث يتمكن برنامجها المسمي تاراتيكست من غربلة وتصنيف 2 مليار وثيقة كل اربع ثوان. وهي التي قامت بتحديث اجهزة التنصت لوكالة الاستخبارات الامريكية في عام 2002. وقد كتب عنها الصحافي براتاب جتيرجي بالتفصيل في كتابه (العراق شركة محدودة). انها اذن شركة متخصصة بالتجسس والمراقبة الامنية ولاعلاقة لها بالاعلام. وعلاقتها باعداد البرامج التلفزيونية لا تزيد علي نصب كاميرات المراقبة في المباني والمؤسسات للمراقبة والتجسس، الي ان منحت ثلاثة عقود لبناء الجهاز الاعلامي في العراق بعد الاحتلال، بلغت قيمتها 108 ملايين دولار. واطلقت الوليدة صرختها الاعلامية الاولي باشارة بثت من طائرات وحدة العمليات العسكرية السايكولوجية 130 إي، التابعة للقوة الجوية الامريكية، وتم بثها اذاعيا الي جنوب العراق من الكويت. وبدأ بث الاذاعة العراقية المنتظم في 10 نيسان والتلفزيون في 13 ايار (مايو) 2003. ولم تستطع الوليدة الفوز بقلوب العراقيين وعقولهم حسب مخطط الحرب الدعائية الاعلامية، بل تحول النجاح المأمول الي سراب يماثل سراب وجود اسلحة الدمار الشامل. فقد ادرك العراقيون ومنذ الايام الاولي لبث قناة العراقية بانها صوت الاحتلال وليس صوتهم. واختاروا مراقبة فضائيات العربية والجزيرة وفي فترة لاحقة الشرقية. وكان جل برامج العراقية تغطية لاخبار بول بريمر ومجلس الحكم والمؤتمرات الصحافية لادارة الاحتلال. فاهمل العراقيون القناة. مخيبين آمال علاء فائق، المسؤول الثاني في الشبكة والموظف لدي سايك، الذي تحدث بعنجهية قائلا بان العراقيين اكتشفوا في الريموت كونترول لعبة جديدة سرعان ما سيملونها ليعودوا الي مشاهدة العراقية التي تقدم لهم اعلاما مستقلا فريدا من نوعه في الشرق الاوسط. مضيفا: نعم، نحن مدعومون من البنتاغون. لقد تبنت الحكومة الامريكية مسؤولية مساعدة العراق لبناء اسس الديمقراطية لذلك يجب الترحيب بدعمهم تلفزيونا عراقيا مستقلا. انه نموذج جديد في العراق والشرق الاوسط لقناة تدعمها حكومة لكنها مستقلة عن السلطة! هده اللهجة الجامعة بين عنجهية الادعاء والنظر بدونية الي الناس صارت واحدة من ميزات مسؤولي العراق المحتل، بدلا من الاعتراف بانهم بلا حول ولاقوة وان السلطة الحقيقية هي بيد المحتل. وكانت ظروف العمل بامرة سايك سيئة وسلطة بول بريمر مطلقة الي حد دفع عدد من المستخدمين الي الاستقالة. كان من بينهم احمد الركابي، مدير قسم الاخبار، ودون نورث الذي كان مراسلا في فيتنام وواشنطن لعدد من القنوات الامريكية، فاستقال في تموز (يوليو) 2003، وكتب في مقالة نشرت له فيما بعد، لقد اصبحت الشبكة بوقا لمجلس الحكم وحطمت سياسة المجلس مصداقية الشبكة الهشة. حدثنا نورث، ايضا، كيف رفض طلبه لـ500 دولار لشراء صحن ساتالايت لاستلام الاخبار من رويترز، وكذلك مبلغ 200 دولار لطبع كتيب ارشادات للصحافيين العراقيين باللغة العربية. في الوقت الذي كانت فيه الميزانية المخصصة للشبكة، من قبل البنتاغون ضمن برنامج العمليات الخاصة، هي 100 مليون دولار، وفي الوقت الذي فرض علي الصحافيين ارسال وتصوير التقارير عن انجازات الاحتلال والمشاريع الوهمية لقاء 120 دولار شهريا. فأين اختفت الملايين؟ ومن هو المسؤول عن الفساد؟ هل اجري تحقيق لمساءلة المسؤولين؟ يعطينا تقرير لمفتش البنتاغون العام، صدر في شباط 2004، مثالا عن الفساد المستشري في نمو الشبكة. فقد قام مدير برنامج الاعلام بشراء هامر أتش 2 وبيكاب فورد لاستخدامه الشخصي واستأجر طائرة دي سي 10 حمولة خاصة لنقلها الي العراق. كما تم صرف مبلغ طائل للتعاقد مع من اطلق عليه لقب خبير اعلامي وكان، في الحقيقة، مسؤولا عن كيفية التخلص من تراكم القمامة في العراق، ثم عين بعد ذلك مستشارا في وزارة الرياضة والشباب. تدل كل التقارير ان نسبة ضئيلة قد لاتصل العشرة بالمئة من الاموال المكرسة للمشاريع استخدمت، عمليا، لتنفيذ المشاريع بينما صرف الباقي علي الموظفين والادارة. في 9 كانون الثاني (يناير) 2004، منح البنتاغون عقدا جديدا قيمته 96 مليون دولار لشركة اسمها هاريس كوربوريشن ومقرها فلوريدا، لادارة مشروع شبكة الاعلام العراقية. مع العلم ان عقد سايك لم يلغ بل بقي ساري المفعول. وشركة هاريس لاعلاقة لها بالاعلام ايضا. انها مختصة بتكنولوجيا الاتصالات وتعاونت لتنفيذ العقد مع ال بي سي، فيما يخص العراقية، وشركة الفوارس الكويتية، فيما يخص جريدة الصباح. وبعد استلام هاريس للملايين استقال عدد اخر من رعيل المتعاونين مع الاحتلال اما احتجاجا علي تأخر صرف رواتبهم او بسبب سوء معاملتهم او للتنافس علي النهب، ونادرا ما كانت الاستقالة بسبب معارضة خطاب الاحتلال الاعلامي. علي الرغم من ذلك، تم تجديد العقد مع الشركة بتاريخ كانون الثاني (يناير) 2005 بقيمة 22 مليون دولار ولمدة ثلاثة اشهر فقط من اجل تدريب الكوادر ودمج انظمة الشبكة، حسب اعلان الشركة. وفي الوقت الدي تصر فيه الهيئة علي انها مستقلة تعمل من اجل تعزيز وحدة العراقيين وتعدديتهم، اخبارها حية وبامكان المشاهد الاعتماد عليها، فان مراقبة برامجها ورصدها يدل بشكل لايقبل الشك علي طائفيتها كما حدث اثناء تغطيتها حادث جسر الائمة، واستخدامها كاداة ترويع وتخويف للناس عن طريق بثها برامج وافلام عن مداهمة البيوت واعتقال المواطنين بتهمة الارهاب باسلوب اسرائيلي سواء من قبل قوات الاحتلال او القوات العراقية، وغالبا ما يتم تصوير عمليات الاعتقال ليلا زيادة في ارهاب الناس. واذا ماتركنا جانبا النواحي الفنية البائسة لتقديم البرامج واعدادها والتغطية البائتة للاخبار وانتقائيتها المفضوحة وعدم استقلاليتها، وتطاير المفردات الانكليزية لفظا ونثرها علي الشاشة كتابة، حتي بات نصف بعض البرامج ينطق بالانكليزية، فان واحدة من انجازات هذه القناة المضحكة المبكية التي اثارت ضجة عالمية وانتقادات منظمات قانونية وانسانية دولية، هي عرضها مواطنين عراقيين علي شاشتها واعتبارهم من الارهابيين والمجرمين قبل تقديمهم الي المحاكم المختصة، وقد تحدث بعضهم وآثار التعذيب باديه عليه، واعترف البعض الآخر بجرائم مريعة تصل الي حد ارتكاب جرائم القتل والاغتصاب، وتبين من خلال تحقيقات اجراها وفد من نقابة المحامين العراقيين بانها جرائم وهمية رددها المواطنون لانهم ارادوا وبأي شكل كان حماية حياتهم ووضع حد لتعذيبهم. كما قامت القناة بنقل جلسات تحقيق مع متهمين من مراكز الشرطة والامن، وهو ما يتنافي مع مفاهيم الاعلام الحر ومباديء الديمقراطية التي تؤكد عليها المواثيق الدولية وقرارات الامم المتحدة. ان للنظام الاعلامي في اي بلد كان أهمية قصوي في بناء الوعي الجماهيري والثقافي وتنمية القدرات المجتمعية وتبادل المعلومات واثارة النقاشات الفكرية واجراء الحوار الخلاق والتحريض علي مساءلة السلطات ومحاسبتها. وتتزايد اهمية النظام الاعلامي في اوقات الازمات والحروب والبناء التي يمر بها البلد. من هذا المنظور البديهي ومن خلال رصد ولادة ونمو وماقدمته شبكة الاعلام وبالتحديد قناة العراقية، لما للاعلام المرئي من اهمية، يتبين بان شبكة الاعلام العراقية هي شبكة تابعة للخطاب الانجلو امريكي للاحتلال، لاتمثل المواطن العراقي الذي تدعي تمثيله بل جعلت من نفسها، منذ ولادتها وحتي الآن، بوقا للاحتلال ووكلائه، حتي صارت، لاتزيد عن كونها اعلانا مدفوع الاجر، في برنامج سياسي مرسوم ومحدد مسبقا من قبل ادارة خارجية لها خطابها الخاص. 9