الفرز الفضائي في شتاء دمشق
خالد الشاميالفرز الفضائي في شتاء دمشق كان فصلا ينتمي الي الكوميديا السوداء ضمن التراجيديا السورية ـ اللبنانية، وليس مجرد خطاب رئاسي، ذلك الذي ألقاه الرئيس بشار الاسد السبت امام مؤتمر المحامين العرب في دمشق، وبحضور عدد قياسي من الاعلاميين ومذيعي الفضائيات الموالين للنظام المأزوم.واذا لم نكن في عصر القنوات الفضائية، فان الفرجة السياسية الشعاراتية والهتافية والبهلوانية، والتعبير للرئيس السوري، التي قدمها الخطاب للمشاهدين كافية لتبرير اختراعها علي علاتها ، والتعبير هنا لاسامة بن لادن.والشهادة لله، فان المسؤولين السوريين الذين وجهوا الدعوات الكريمة قد اثبتوا مهارة مخابراتية يحسدون عليها، اذ لم يوجد بينهم اعلامي او محام واحد مستاء من اعتقال عدد لا محدود من ابناء الشعب السوري في اقبية المخابرات بكفر سوسة وغيره من المعتقلات سيئة السمعة. ولم يوجد واحد بينهم لا يؤيد وبشدة وبحماس ملفتين كافة المواقف السياسية للرئيس السوري، حتي انهم كانوا يتزاحمون ليقاطعوا خطابه بخطب وشعارات وحتي قصائد شعر، كالجاهلي، جعله بعضها سادس الخلفاء الراشدين ، ومنحه آخر لقب عبد الناصر القرن الواحد والعشرين ، وغير ذلك كثير مما يصعب تصديقه.بل ان احد الضيوف الممتنين اكثر مما يجب لكرم الضيافة الرئاسية السورية، ظهر في برنامج مساء السبت علي الفضائية السورية شن فيه هجوما اقرب الي الردح علي منظمات حقوق الانسان العربية معتبرا انها مجرد واجهة للاستعمار الغربي الذي يمولها، مغلقا الباب امام اي انتقاد لانتهاكات حقوق الانسان في سورية.وتكفي هذه الاضاءات السريعة في قراءة هذا الخطاب اللارئاسي في اطار فضائي من الدرجة الاولي :ـ كان الخطاب تاريخيا حقا لانه الاول من نوعه بعد ان انقلب ما يسمي بـ الحرس القديم في سورية ضد الحرس الجديد ، وهذا عكس ما يحدث في كل بلاد العالم، ولكن رغم ذلك اكتفي في ظهور متوتر بـ التنكيت بينما مصير البلاد علي المحك، بدلا من ان يعلن تشكيل لجنة تحقيق في مزاعم النائب السابق والتاريخي لرئيس الجمهورية ابو جمال او ابو القبح كما نعته رئيس مجلس الشعب في جلسة تاريخية ايضا لكن في هزليتها. ويكفي ان تكون تلك المزاعم صحيحة ولو بنسبة (واحد في الالف) لتستحق التحقيق الرسمي فيها لمعرفة مصير المليارات من ثروات سورية وشعبها الطيب.ـ هذا التشبث بـ السيادة الوطنية وتصادفه مع طلب لجنة التحقيق الدولية استجواب الرئيس السوري يطرح تساؤلات حول حقيقتها. فهل يكون لنظام سيادة او كرامة وهو لا يحترم سيادة القانون او كرامة شعبه، وحقه الالهي في الحريات الانسانية الاساسية؟واين كانت السيادة عندما دعت الحكومة السورية المارينز لتسيير دوريات عسكرية مشتركة داخل الحدود السورية لمنع التسلل للعراق، وعندما ارسل النظام وسطاء من العائلة الحاكمة/ المالكة للقاء مقربين من شارون سرا في الاردن توسلا لاستئناف المفاوضات، وعندما طرد النظام المغضوب عليهم من الناشطين الفلسطينيين استجابة لرغبات واشنطن وتل ابيب.فهل الممانعة التي ورد ذكرها في الخطاب تعني حقا ممانعة النظام لـ المؤامرات الامريكية ، ام انها ممانعة واشنطن وتل ابيب للاستجابة لمغازلات وتنازلات النظام التي ترتكته بلا اوراق سياسية، وبلا زهرة ياسمين واحدة؟ـ أما وأن الدكتاتور الشرير ابو جمال قد ترك الحكم منذ شهور طويلة، وغادر سورية مؤخرا ، فاين اذن الاصلاحات التي كان يعوقها، وهي تبدو اصعب من ابتكار علم هندسة الصواريخ في سورية، ام ان الضغوط والمؤامرات ستكون المبرر الجديد لاطلاق ايدي القمع والدكتاتورية في البلاد والعباد حتي اشعار آخر، كما بشرنا محلل فصيح ظهر في الجزيرة بعد اذاعة الخطاب؟ـ ربما يصعب ان يجد اي باحث في التاريخ زعيما يرحب بعزل بلاده متفلسفا بأن العزل قد يكون ايجابيا كما في عزل الاصحاء حتي لا يختلطوا بالمرضي ، كما قال الرئيس السوري، وكأنه يستعجل مجلس الامن ليفرض العقوبات ضد سورية، في استهانة بالمعاناة التي ستجلبها تلك علي المواطنين السوريين في الداخل والخارج.واخيرا اعان الله الشعب السوري العظيم علي المتآمرين ضده من الخارج، وهم موجودون قطعا، وعلي رفاهية التبريرات السفسطائية المقامرة بمصيره في الداخل، والاهم علي بعض المحامين والاعلاميين والفضائيين العرب المتربحين من وراء ازمته.شيزوفرينيا الامة العربيةبرنامج ستار اكاديمي اللبناني الذي غاب عنه اي طالب سوري هذا العام لـ اسباب جيوسياسية ، يقدم نموذجا فضائيا فريدا لـ احوال الامة ـ هذا العنوان مقتبس من التقرير السنوي للمؤتمر القومي العربي.فالطلاب الخليجيون ـ طال عمرهم ـ يخوضون حربا اقليمية ضد باقي العرب دفاعا عن ابناء ديرتهم في معركة التصويت الاسبوعية، ويعتبرون انهم في مهمة مقدسة للدفاع عن اقطارهم، وهو ما يظهر جليا في حملات التصويت الهستيرية من جانب المشاهدين التي تحدث بمجرد ترشيح احد الطلاب الخليجيين للخروج من الاكاديمية.اما المتفرجون الخليجيون الذين يحضرون حفل البرايم الاسبوعي فهم فرجة في حد ذاتهم، خاصة عندما يهبون مبحلقين في ارداف الصبايا وصدورهن، بينما يرفعون ايديهم التي تحمل المسابح (ربما لذكر الله في اوقات الراحة بين الفقرات)، في حال انفصام مثير للشفقة او الاشمئزاز.اما المملكة العربية السعودية التي حظرت التصويت في البرنامج بفتوي شرعية اعتبرته فاسقا فلا تغيب اعلامها حاملة الشهادتين عن الحفل، بينما لجأ مشاهدوها الي الاتصال بالرقم الدولي لمناصرة ولدهم في حرب الستار اكاديمي ، حيث المكان الوحيد الذين يستطيعون ان يصوتوا فيه اصلا في تنفيس غريزي عن حالة كبت سياسي واجتماعي يزيدها تعقيدا مزيج من انفصام الشخصية الرسمي والديني، وانكار مزمن للواقع.المجتمع العربي في ستار اكاديمي مليء بالمواهب الجميلة ـ كما هو في الواقع من المحيط الي الخليج ـ ينتظر من يفتح امامه المجال ليسمع صوته لنفسه وللعالم، فلتفتحوا الابواب قبل ان ينفجر البركان!فاكسات فضائية: مسكينة قناة الجزيرة، كانت لم تفق بعد من ضربة موجعة اثر انفراد العربية بـ خبطة الحديث القنبلة مع ابو جمال، عندما أكدت الحكومة البريطانية خلو الوثيقة من اي اشارة لقصفها، واخيرا وصفها بن لادن بانها صنيعة صنائع الامريكيين . قاتل الله المسؤولين عن عدم اذاعة القناة الفضائية المصرية لحفل افتتاح البطولة الافريقية ومباراة مصر مع ليبيا. الي متي يستمر هذا الاهمال والازدراء للمشاهدين المصريين في الخارج، ام ان التلفزيون باع حقوق البث المباشر للمستثمر السعودي نفسه الذي استولي علي تراث مصر السينمائي العظيم؟كاتب من اسرة القدس العربي [email protected]