شارون رجل ذو شخصية مزدوجة الابعاد وانقلابه الايديولوجي بدأ كمناورة انتخابية وانتهي بتغير حقيقي
علي اولمرت أن يفعل مثله من خلال التسامي وقوة التأثير والفعلشارون رجل ذو شخصية مزدوجة الابعاد وانقلابه الايديولوجي بدأ كمناورة انتخابية وانتهي بتغير حقيقي زوال شارون المذهل عن عناوين الصحف وهو ما زال حيا يرزق ولكن في الغيبوبة، هو آخر مسألة كنت أتوقع حدوثها في هذه الفترة. خلال عملي الصحافي تسني لي أن التقي مع كل رؤساء وزراء اسرائيل حتي خلال محطات عبورهم كضباط وناشطين حزبيين ووزراء. كان بينهم اشخاص كانوا ورثة طبيعيين. وكان آخرون وصلوا الي القمة إثر تبدل الأجيال والموت الفجائي أو الانقلابات السياسية. تحوّل شارون الذي لم يعتبروه في السابق ملائما لرئاسة هيئة الاركان والذي عُزل من منصب وزير الدفاع والذي التف علي اسحق شامير وموشيه آرنس من اليمين، الي رئيس وزراء مقتلع للمستوطنات ورجل سلام ذو هالة دولية ـ كان مسألة غير عادية.علاقتي مع شارون السياسي شهدت صعودا وهبوطا وأطوارا غريبة وانحدارات. اريك وليلي كانا يصالحان ويخاصمان وفقا لحسابات مضبوطة. هما كانا في خصام معي إثر انتقاداتي لحرب لبنان.كنا نلتقي في حينه بين الفينة والاخري في غرفة الطعام في فندق تل ابيبي وفي كل مرة كانا يخرجان فيها حرصا علي المرور من جانبي حتي يُظهرا أنهما لا يردان علي تحية الصباح التي أُلقيها عليهما. إلا أن سياسة هذين الزوجين المنسجمين في سلوكهما تغيرت ذات صباح وعادا الي الابتسام في وجهي والقاء تحية الصباح عليّ. ولهما اعتباراتهما في ذلك.أنا أذكر شارون صاحب اللسان اللاذع. ذات مرة قال لي: هل تعرف لماذا لا يعطيني شمير حقيبة الخارجية؟ لأنه يعرف أنني مستعد للتنازل عن المناطق . وبعد السخرية جاء الثناء: شمير هو في الواقع آخر الحالمين بأرض اسرائيل الكاملة . كان لشارون صوتان. صوت قوي وحازم مخصص للمقابلات المذاعة، وصوت هاديء عندما يرغب في استخدام سحره الجذاب في المحادثات الشخصية. في هذه المحادثات كان شارون يحتفظ بدفتر تسجيل صغير أزرق ويسجل فيه كل الملاحظات التي يطرحها نظيره. أنا لم أتأكد حتي يومنا هذا اذا كان ذلك مجرد إيماءة تزلف منه أم تسجيلا حقيقيا جوهريا. ذروة الاهتمام بي كانت خلال مأدبة عشاء في مزرعته. عشية تعيين شارون وزيرا للدفاع في عام 1981، دُعيت الي هناك واشتكيت خلال محادثتي معه من أحد مساعديه الهامين الذي يدعو الصحافيين والضباط ويتحدث معهم بلهجة مهددة. شارون ابتسم وقال من دون أن يرمش له جفن، إنه ينوي أصلا تعيين هذا المساعد مساعدا رئيسيا له. هذا الشخص قرأ في اليوم التالي في صحيفة هآرتس أنه قد أُقيل من منصبه. بعد عدة فترات من الخصام والصلح، اتفاق اوسلو واغتيال رابين، وانتصار بيبي، وهزيمة بيبي الذي ترك الليكود يتضرج بدمائه ـ صعد شارون علي درب رئاسة الوزراء. علاقتي معه انتقلت منذئذ الي مرحلة السلام. في فترة ما بين نهاية 2001 ـ 2001 كنا نلتقي بين الحين والآخر في متسودات زئيف، مقر الليكود. كنت أتصل مع سكرتيرته المخلصة ميراف ليفي، فتُرتب لنا اللقاء ببساطة. لم يقم بخطوة دون أن يحسب حسابها. الانقلاب الايديولوجي الذي اقدم عليه بدأ في حملته الانتخابية مع شعار السلام والامن . منذ كانون الثاني (يناير) 2001 جسد شارون شخصية الرجل المتزن والمتطلع للسلام، في البداية كان ذلك ربما خدعة لاجتذاب الناخبين للوسط الا انه دعي الفلسطينيين خلال خطاب عرض حكومته الي العودة للمفاوضات وحل النزاع من خلال التفاوض. ما لم يرد في خطابه كان اكثر اهمية مما ورد فيه: هو لم ينفِ اقامة الدولة الفلسطينية ولم يقل كلمة واحدة عن اقامة المستوطنات وتوسيعها او عن ارض اسرائيل الكاملة. بيبي الذي كان يجمع المال في المهجر الامريكي توقع أن لا تصمد حكومة شارون اكثر من ثلاثة اشهر. شارون لم يرد عليه الا ان عيونه كانت تضحك. ما بدأ علي ما يبدو كخدعة شارونية نمطية تحول الي تغير حقيقي. اربع سنوات مرت الي ان كشف لصحيفة هآرتس في الثاني من شباط (فبراير) 2004 عن خطته لفك الارتباط.ايهود اولمرت القائم باعماله كان البوق الذي يسير امامه بكثير في قضية فك الارتباط. الا ان شارون السياسي الماكر اثار حوله هالة تقول انه هو وحده القادر. من دون الثقة بهذه القوة التي عبرت عن نفسها خلال اخلاء غزة في ستة ايام لم يكن بامكانه ان يشكل كديما بحركة من يده التي ستصبح فائدة عملية التوصل للتسوية الدائمة. ليس كافيا للقائم باعمال شارون الذي سيخلفه ان يكون مواصلا لنهجه وسيكون بحاجة الي اقناع الناس بانه يملك السمو والقدرة في الوصول الي النقطة التي يقولون فيها عنه انه وحده القادر.يوئيل ماركوسمعلق دائم في الصحيفة(هآرتس) 24/1/2006