مرة ثانية عاد نتنياهو أول أمس الي عرض برنامجه السياسي خلال كلمته التي ألقاها في مؤتمر هرتسليا الذي يعتبر بديلا ثانويا لسياسة رسمية. فقد واصل التمسك بمقولاته السياسية وشعاراته المعروفة: اذا أعطوا أخذوا، واذا لم يعطوا لن يأخذوا. وشعار لا للانسحاب أحادي الجانب، وايضا شعار لا توجد وجبات مجانية.. لا مبادرات حسن نية ولا غيرها. إن حسم اللعبة كما يفكر بها نتنياهو (لا بد ان يكون عملية متبادلة ). ليس من المعقول أن ننظر الي هذه الأفكار علي نحو سلبي تام فقط، ولا السخرية منها، ولا إفراغها من محتواها، إلا أن نظرة سريعة لأمرين تؤكد لنا بأن التراجع الواضح في عدد ونوعية العمليات المسلحة الفلسطينية التي تقع، وكذلك نظرة العالم ومستوي تعامله مع اسرائيل منذ تنفيذ الانسحاب الاسرائيلي من قطاع غزة، تُثبت دون شك، وبسرعة، أن نبوءاته وأفكاره في تراجع، وأنها ليست كما توقعها ويظنها. ولكننا لا نخدع أنفسنا بذلك، وقد يعود مستوي الارهاب الي الارتفاع من جديد ويزداد العنف في أعقاب الانتخابات التشريعية الفلسطينية.
وتحديدا لأن ما ورد في خطاب نتنياهو بالغ الأهمية، فانه لا بد من مطالعة أمرين أساسيين والنظر اليهما بأهمية واحترام دون التقليل من شأنهما:
لقد تحدث نتنياهو في خطابه عن أمور كثيرة، وذكر من بينها أنه هو الذي عقد الاتفاق (مع الفلسطينيين طبعا) حول مدينة الخليل، وذلك من خلال حرصه وعدم استعداده لرؤية الأمور من منظار أفضل، وكذلك نظرا لتخوفه القديم ـ الجديد، ومن خلال فهمه الذي لا يريد أن يتزحزح عنه بقدر ما يُعطوا.. يأخذوا، وتخوفه من التصادم مع المستوطنين اليهود، فانه قسَّم مدينة الخليل طولا وعرضا بين اليهود والعرب بطريقة أشعرت كلا الطرفين بأنه مخنوق في حلقه، وأنه لا يمكنه التقيؤ ولا ابتلاع هذه القسمة العجيبة. وهو ايضا الذي أشار بعلامة النصر V علي أنه الذي أعاد للفلسطينيين في حينه 13 في المئة من اراضي الضفة الغربية، وهو الأمر الذي أدي في عام 1999 الي إسقاطه من الحكومة علي يد اليمين الاسرائيلي.
الذين أسقطوه من الحكومة في ذلك الوقت لا زالوا، هم، بين زعامات ونشطاء الليكود، ولن يسمحوا له بالتأكيد بالانضمام الي تكتل سياسي جديد قد يسمح مرة ثانية بخطوات من ذلك القبيل (والتي أسقطته خطوة واحدة مثلها) ولذلك فهو يتفاخر بمقولات وأفكار برامجية لا توجد لها اغلبية في حزبه.
زعيم الليكود لا يريد أبدا مواصلة السيطرة علي الفلسطينيين، فهذا أمر جيد، ولكن ماذا ينوي العمل وما الذي يفكر بأن يُبقيه لهم؟ فاذا ما قبلت اسرائيل رأيه وتوصيته وواصلت الاحتفاظ بسيطرتها وسيادتها علي منطقة غور الاردن، فانها تكون بذلك تعرض علي الفلسطينيين غيتو، وأن دولة فلسطين لن تكون أكثر من هذا الغيتو. ومفهوم أن برنامجا سياسيا كهذا كـ الفم الذي لا يحفظ الماء فيه. فتسوية حقيقية ونهائية مع الفلسطينيين يجب أن تقطعهم وتُبعدهم عن مياه نهر الاردن، فغور الاردن ليس بحاجة الي مزيد من الترتيبات الأمنية، ولذلك فان السيادة ليست ضرورية، بل انها زيادة عن المطلوب.
نتنياهو طالب ايضا بضرورة توسيع ـ إطالة ـ امتداد جدار الفصل في الضفة الغربية ليعود كما كانت الجهات الأمنية قد خططت له في البداية، وهو المخطط الذي انتهي أمره ونسيه العالم، ونذكر أنه في الوقت الذي تجاذب فيه اليمين واليسار في اسرائيل الشد والسحب بقوة في موضوع أين يكون مسار الجدار في الضفة الغربية، وأن ذلك الجدل والصراخ كان أحد الاسباب المهمة التي نبهت الامم المتحدة والعالم وأثارت خوف وزعم الفلسطينيين وغضبهم.
إن العودة الي توسيع وإطالة جدار الفصل عام 2006، أي بعد مرور خمس سنوات وسقوط أكثر من ألف قتيل، ليست إلا وصفة (دواء) لصراع يهز العالم، وسوف يدفع بأعظم أصدقاء اسرائيل والمدافعين عنها الي أحضان أعداء اسرائيل (الولايات المتحدة)، وكذلك فان هذا الأمر سوف يوصلنا الي مواجهة حقيقية وقوية مع الاتحاد الاوروبي، وكذلك مع محكمة العدل الدولية، ومع قضاة محكمة العدل الاسرائيلية (في القدس) والتي أصرت علي ضرورة عدم الضرر في مقومات الحياة للفلسطينيين الذين يشتغلون في اراضيهم ويزرعون مزروعاتهم.
كيف سيعمل علي إطالة هذا الجدار؟ ماذا سيقول للادارة الامريكية التي وعد خلال كلمته بتقوية العلاقات معها؟ وأن يصلح هذه الاوضاع أحسن؟ وكذلك ماذا سيقول لاوروبا التي تتعالي فيها الاصوات التي تطالب بمقاطعة المنتجات الاسرائيلية؟ ولأنني أعتبر نتنياهو رجل دولة مسؤولا، فانني أعتقد تماما بأنه اذا وصل الي سدة الحكم وأصبح رئيسا للوزراء في اسرائيل، فانه سيتخلي عن مطلبه توسيع هذا الجدار كما أعلن وهو لا يزال في المعارضة. وهنا تكمن التناقضات العميقة والأساسية في خطاب نتنياهو وفي مواقفه التي وردت والتي تُظهر تعقيدا لا بد من رؤيته بروّية: فكلما فكر نتنياهو واعتقد بضرورة زيادة طول جدار الفصل في الضفة الغربية، فانه سيعتمد بذلك علي (ويطلب دعم) علي الولايات المتحدة والدول الاوروبية، ويسعي لموافقتهما، واذا فعل ذلك فانه سيقدم لهما بديلا مُرضيا في أمل الحصول علي الموافقة، وهذا البديل سيتمثل في موافقته علي اجراء المزيد من الانسحابات في الضفة الغربية والتي ستكون من جانب واحد، وهذا الانسحاب سيعتمد نظريا علي المقولة انه لا يوجد شريك للتفاوض معه من بين الفلسطينيين، وهذا لكي يتمكن من تحديد ورسم حدود لاسرائيل، ولو مؤقتة، تكون قابلة للدفاع عنها وغير مرتبطة بزمن محدد. فكلما أصر علي نظريته عدم الاتفاق والتحدث مع الفلسطينيين إلا بعد الحصول علي المقابل ـ الثمن ـ فانه سيضطر الي الإقدام علي توسيع الجدار، ومن اجل توسيعه سيضطر الي إرضاء العالم، ومن اجل إرضاء العالم سيكون مضطرا لانسحابات جديدة. لذلك، فمن الأجدر به أن يتحدث ويقول صراحة ما الذي يفضله أكثر!. المشكلة الثانية هي أن نتنياهو يعارض، وبشدة، انسحابا اسرائيليا أحادي الجانب، وذلك لأن مثل هذا الانسحاب يكشف عن قلب اسرائيل الذي سيصبح مُعرضا لاصابته بصواريخ القسام، لكنه في نفس الوقت يتجاهل سيناريو آخر محتمل الوقوع: فاسرائيل ستقوم باخلاء مستوطناتها الصغيرة المنعزلة، ونقلها الي الكتل الاستيطانية الكبيرة التي يمكن الدفاع عنها بواسطة جدار الفصل، ولكنها في نفس الوقت لتفعل ذلك، وبعد أن تفعل ذلك عن طريق انسحاب أحادي الجانب فانها عمليا تكون قد أرسلت بجنودها الي خارج حدودها، فلا ضرورة لإبقاء مستوطنة يهودية في منطقة اعتُبرت وأُعدت لتكون دولة فلسطين، ومن ثم إرسال وحدات قتالية من شبان اسرائيل للدفاع عنها، فليس من المعقول أن تبقي عائلات يهودية كثيرة الاولاد تعيش علي أرض ليست لها، وباعترافنا.
حزب الليكود يدعي بأن خصومه (أي الاحزاب الاسرائيلية الاخري أمثال كديما والعمل) تنوي الانسحاب الي حدود حزيران (يونيو) 1967 ولكن من ناحية عملية فانه حتي اتفاق جنيف (يقصد وثيقة جنيف) المتفق عليه والمعروف بـ ميرتس ـ ياحد يوصي بالانسحاب فقط الي الكتل الاستيطانية، فاذا لم تكن حدودا كهذه كافية، فالي ماذا يتطلع الليكود؟ فباستثناء توسيع الحدود والتحصين لغاية شارع 443 المعروف، والذي يعتبر مطلبا لنتنياهو الذي يُصر عليه، فما هو الشيء الضروري المُلحّ اللازم، من وجهة نظر نتنياهو، لكي يوافق علي تسوية اقليمية؟.
لا شك أن وسطية الليكود تحتاج الي ايضاحات كثيرة اضافية لاقناع الجمهور.
دان مرغليتكاتب دائم ومقدم برامج تلفزيونية(معاريف) 24/1/2006